“جبروت” يكشف بيانات الآلاف من أفراد الأمن والاستخبارات المغربية وسط اهتمام إعلامي دولي وصمت رسمي في الرباط

نشر حساب مجموعة القرصنة المعروفة باسم “جبروت” يوم الاثنين 24 غشت 2026، عبر قناته على تطبيق “تلغرام”، ما قال إنها بيانات شخصية ومهنية لنحو 70 ألفاً و381 شخصاً من أفراد أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، في واحدة من أكبر عمليات التسريب التي تستهدف المنظومة الأمنية المغربية منذ ظهور المجموعة في أبريل 2025.

وقالت المجموعة إن البيانات تخص عناصر من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN)، وتتضمن، بحسب الملفات المنشورة، أسماء وتواريخ ميلاد وأرقام بطاقات تعريف وأرقاماً مهنية ورتباً وسنوات الالتحاق بالأجهزة، إضافة إلى معلومات أخرى قالت المجموعة إنها تتضمن في بعض الحالات بيانات مصرفية.

كما نشرت “جبروت” أربعة ملفات بصيغة Excel، إلى جانب ملف منفصل قالت إنه يضم أسماء 21 من كبار مسؤولي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

“هدية إلى أوروبا.. واسبانيا”

وقدمت المجموعة التسريب باعتباره “هدية إلى أوروبا، وإلى إسبانيا خصوصاً”، وربطته مباشرة بأزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة في 30 يوليوز الماضي، مدعية أنها حصلت كذلك على معلومات وأوامر مهمة لعناصر أمنية مغربية قالت إنهم انتقلوا إلى مدينة الفنيدق قبل الأحداث وأثناءها، وإنها تستعد لنشر أسماء من ادعت إنهم “خططوا ونسقوا” العملية.

كما زعمت أن الهجرة الجماعية للمغاربة نحو أوروبا، بدءاً من إسبانيا، كانت جزءاً من خطة رسمية مغربية، وهي ادعاءات لم تقدم المجموعة بشأنها أدلة مستقلة منشورة يمكن التحقق منها حتى الآن.

وسرعان ما تحولت التسريبات إلى موضوع اهتمام واسع في الصحافة الأوروبية، ولا سيما الفرنسية والإسبانية، التي ركزت على حجم البيانات وطبيعتها وإمكان التحقق من هوية الأشخاص الواردة أسماؤهم فيها، وعلى السؤال الأكثر حساسية المتعلق بمصدر حصول المجموعة على هذه المعلومات.

وفيما أكدت وسائل إعلام أن عدداً من الأسماء الواردة في الملفات يعود فعلاً إلى موظفين وعناصر في الأجهزة الأمنية المغربية، ظل مدى صحة قاعدة البيانات بأكملها وطريقة الحصول عليها موضع تدقيق وتحفظ.

اهتمام كبير بالتسريبات في الصحافتين الفرنسية والاسبانية

وكان تحقيق صحيفة “لوموند” المنشور في 26 أغشت من أبرز التغطيات الدولية للقضية. وقالت الصحيفة إنها اطلعت على الملفات التي نشرتها «جبروت»، وإن التسريب يشمل أسماء نحو 70 ألف عضو مفترض في أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، من بينهم أشخاص يعملون في أوروبا وفي مؤسسات مغربية استراتيجية.

غير أن أهم ما خلص إليه التحقيق لا يتعلق بالرقم وحده، بل بمصدر التسريب؛ إذ قالت “لوموند”، نقلاً عن معلومات حصلت عليها، إن العملية قد تكون من تنفيذ خمسة عناصر سابقين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يعيشون في المنفى بأوروبا. وبهذا انتقل النقاش من فرضية اختراق إلكتروني تقليدي لقاعدة بيانات إلى احتمال وجود مصدر بشري لديه معرفة سابقة ببنية الأجهزة المغربية وأنظمتها وبياناتها.

وتزامن تحقيق “لوموند” مع تقارير أخرى في الصحافة الإسبانية تحدثت عن بدء أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية فحص البيانات المسربة ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة لديها. ونقلت صحيفة “ديموقراطا” عن مصادر إسبانية أن الأجهزة المختصة بدأت منذ الاثنين دراسة التسريب، وأن التقييم الأولي اعتبر الوثائق حقيقية، مع استمرار عملية التحقق من الأسماء والبيانات ومقارنتها بالسجلات والمعلومات الموجودة لدى الأجهزة الإسبانية، خصوصاً لمعرفة ما إذا كان بعض الأشخاص الواردة أسماؤهم قد ارتبطوا بعمليات أو اتصالات أو مصادر داخل إسبانيا.

وفي السياق نفسه، ركزت الصحافة الإسبانية على الأسماء الواردة في القائمة وعلى احتمال وجود عناصر من الجهاز الأمني المغربي داخل البعثات الدبلوماسية والقنصلية في إسبانيا. وقالت صحيفة “ذي أوبجكتيف”  إنها قارنت الأسماء الواردة في إحدى قواعد البيانات المسربة بالقائمة الرسمية للدبلوماسيين الأجانب المعتمدين في إسبانيا، وخلصت إلى وجود خمسة أسماء من أعضاء السفارة المغربية في مدريد في القائمة التي نشرتها “جبروت”.

وبين الأسماء التي أوردتها الصحيفة أشخاص يشغلون مناصب دبلوماسية وأمنية في السفارة، مؤكدة في الوقت نفسه أن وجود الاسم في القائمة لا يشكل، بمفرده، دليلاً مستقلاً على ممارسة صاحبه نشاطاً استخباراتياً.

وفي متابعة نشرتها الصحيفة في 27 غشت، قالت إن القائمة المسربة تتضمن أيضاً أسماء 11 نائب قنصل مغربياً في إسبانيا، ثمانية منهم يعملون في قنصليات برشلونة ولاس بالماس ومورسيا والجزيرة الخضراء، وذلك بعد مقارنة البيانات المسربة بقوائم السلك القنصلي المعتمد في إسبانيا.

وتأتي هذه المعطيات في وقت تركز فيه الأجهزة الإسبانية على احتمال أن تساعد البيانات المسربة في تحديد الأشخاص الذين يعملون لصالح أجهزة مغربية داخل إسبانيا أو يرتبطون بها، غير أن الصحيفة نفسها تتعامل مع صفة “الجواسيس” الواردة في تسريبات المجموعة باعتبارها ادعاءً يحتاج إلى إثبات مستقل.

كما سلطت تغطيات إسبانية الضوء على اسم عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومدير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، الذي ورد ضمن قائمة كبار المسؤولين التي نشرتها “جبروت”. وتتهم المجموعة الحموشي، إلى جانب مسؤولين آخرين، بالمسؤولية عن العملية التي تزعم أنها كانت وراء أحداث سبتة، إلا أن هذه الاتهامات تظل، في غياب وثائق مستقلة منشورة تثبتها، جزءاً من رواية المجموعة التي تقف وراء التسريب.

تحفظ إعلامي في المغرب

وفي المقابل، أبدت بعض وسائل الإعلام المتخصصة في الأمن السيبراني تحفظاً أكبر بشأن حجم التسريب وطبيعته. فقد قال موقع “ميديا 24″، بعد فحص الملفات وإجراء مقارنات بينها وبين بيانات سابقة، إن المعطيات لا تثبت بالضرورة أن «جبروت» نشرت قائمة تضم 70 ألف جاسوس مغربي، مرجحة أن يكون جزء كبير من البيانات عبارة عن إعادة تجميع لبيانات سبق تسريبها، وأن غالبية الأسماء قد تكون لعناصر وموظفين في المديرية العامة للأمن الوطني وليس بالضرورة لعناصر استخبارات في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

ولفت الموقع إلى ضرورة التمييز بين حجم البيانات وصحتها، وإلى أن وجود اسم شخص في قاعدة بيانات مسربة لا يثبت وحده طبيعة مهمته أو علاقته بجهاز استخباراتي.

وتبنت وسائل إعلام فرنسية وإسبانية أخرى المقاربة نفسها بدرجات متفاوتة، معتبرة أن بعض الأسماء والبيانات تبدو قابلة للتحقق، لكن ذلك لا يسمح بعد بتأكيد أن كامل قاعدة البيانات أصلية أو أنها حصلت مباشرة من أنظمة المديرية العامة للأمن الوطني أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

وأشارت مصادر صحفية إلى أن البيانات قديمة جزئياً أو غير محدثة بالكامل، فيما أظهرت عملية فحص بعض القوائم وجود أسماء لمسؤولين سابقين أو متوفين، وهو ما يعزز الحاجة إلى التعامل معها باعتبارها قاعدة بيانات مسربة تخضع للتدقيق وليس سجلاً حديثاً ومتكاملاً لأفراد الأجهزة الأمنية المغربية.

سلسة تسريبات متتالية

ويأتي التسريب الجديد بعد سلسلة عمليات نسبت إلى “جبروت” منذ أبريل 2025، بدأت بتسريبات مرتبطة بمؤسسات مدنية مغربية، من بينها بيانات قالت المجموعة إنها تخص نحو مليوني منخرط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، قبل أن تنتقل إلى بيانات ووثائق مرتبطة بمؤسسات أخرى وشخصيات وقطاعات حساسة.

وقد وثقت جهات دولية متخصصة في الأمن السيبراني بعض تلك التسريبات، بينما ظل مصدر المجموعة وهويتها الحقيقية موضع تكهنات، مع تداول فرضيات تربطها بجهات جزائرية، وأخرى تتحدث عن عناصر مغربية سابقة أو أشخاص لديهم معرفة داخلية بأجهزة الدولة. ولم يثبت علناً حتى الآن أي من هذه الفرضيات بصورة حاسمة.

وتكتسب عملية التسريب الأخيرة حساسية إضافية بسبب توقيتها، إذ جاءت بعد أسابيع من أزمة الهجرة في سبتة، وفي وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية اختباراً أمنياً وسياسياً جديداً.

كما أن وصول البيانات إلى الصحافة الإسبانية ودخول أجهزة الأمن الإسبانية على خط فحصها يفتح احتمال استخدام بعض المعلومات في عمليات مكافحة التجسس والتحقق من نشاط أفراد أو مصادر مغربية في إسبانيا ودول أوروبية أخرى.

وكشفت مصادر إعلامية إسبانية إن الهدف من عملية التدقيق لا يقتصر على التحقق من الأسماء، وإنما يشمل البحث عن أي صلات محتملة بعمليات سابقة أو مصادر أو علاقات داخل الأجهزة الإسبانية.

صمت رسمي مغربي مطبق

وفي المغرب، لم يصدر، حتى اليوم 27 غشت، رد رسمي معلن من الحكومة أو المديرية العامة للأمن الوطني أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بشأن التسريب الأخير أو بشأن صحة البيانات المنشورة، وفق ما أمكن التحقق منه في المصادر المتاحة.

كما لم تعلن السلطات المغربية فتح تحقيق رسمي أو توضيح طبيعة الاختراق المزعوم أو مصدر البيانات. وفي المقابل، ظهرت في بعش المواقع المغربية، مادة واحدة أو مادتين على الأقل اتخذت موقفاً مشككاً في الرواية ورجحت أن تكون البيانات في معظمها معاد تجميعها من تسريبات سابقة، بينما انتشرت التسريبات على مواقع التواصل الإجتماعي بين روادها المغاربة.

ويأتي هذا الصمت الرسمي في وقت تتوسع فيه التغطية الدولية للقضية، بعدما أصبحت التسريبات موضع فحص من مؤسسات إعلامية وأمنية في إسبانيا وفرنسا، فيما تتواصل الأسئلة حول هوية الجهة التي تقف وراء “جبروت”، ومصدر حصولها على البيانات، ومدى اختراقها الفعلي للمنظومة الأمنية المغربية، وما إذا كانت الملفات المنشورة تمثل اختراقاً جديداً لأنظمة الأجهزة الأمنية أم إعادة تجميع لبيانات مسربة في عمليات سابقة.

وبينما يصعب في هذه المرحلة الجزم بأن “جبروت” اخترقت مباشرة الأنظمة المركزية لأجهزة الاستخبارات المغربية أو أن جميع الأشخاص الـ70 ألفاً و381 الذين وردت أسماؤهم في الملفات هم عملاء استخبارات، فإن نشر هذا الحجم من البيانات، والتحقق الصحفي المستقل من عدد من الأسماء، وبدء أجهزة إسبانية في فحص القوائم، إلى جانب ما أوردته “لوموند” عن احتمال وقوف عناصر سابقة من DGST في أوروبا وراء العملية، جعل التسريب يتحول من مجرد ادعاء صادر عن مجموعة قرصنة إلى قضية أمنية واستخباراتية عابرة للحدود ما زالت ملابساتها ومداها الحقيقي قيد التحقيق.