PRESS MEDIAS EUR0ARABE

يكتب العالم كما ينبغي أن يكون

في “بيان اليوم ” الملحق الثقافي الجمعة 12_14_يونيو 20Z6
مع التحيات العميقة المحبات لها وأسرتها وأخي الأعز كاتب افتتاحياتها محتات الرقاص وكل الأعزاء والعزيزات

الشاعر حسن نجمي:
يكتب العالم كما ينبغي أن يكون

1
نحتفي اليوم بشاعرٍ لا يمر في اللغة مرور العابرين، بل يترك فيها أثر المقيم، ووشم العابر نحو المعنى.
وأقول هذا لا من موقع القراءة فقط، بل من ذاكرة معرفة حيّة ظلت ترافق هذا الصوت وهو يتكون.
حين أستعيد بدايات الشاعر حسن نجمي، كأنني أستدعي ذلك القلق الجميل الذي يسبق ولادة الصوت، وتلك الرجفة الخفيفة في اللغة قبل أن تستقيم قصيدة. عرفته وهو يحث خطاه الأولى، لكنه كان منذ بادئ الشعر علامة مضيئة بشاعر قادم، من ذلك الغد المبارك السائد اليوم على الأرض كما قال عنه الشاعر الفرنسي روني شار: voici demain qui régne aujourd’hui sur la terre
وأعترف أنني، منذ تلك اللحظات الأولى، كنت أشعر أن القصيدة عنده تسبقه أحيانا، كما لو أنها تعرف طريقها قبله.
ثم جمعتنا، في زمنٍ آخر، مسؤولية الثقافة داخل اتحاد تحاب الكتاب وفي شتى واجهات وجهات القلب والحب الخصب بالعطاء والعناء والغناء الحماسي والرومانسي وبما يحلو لي أن أسميه دوما بجمال النضال ونضال الجمال الذي قال عنه كاتب الجريمة والعقاب داستاييفسكي على لسان بطله “الأبله” الأمير ميشكين: “إن الجمال وحده ينقذ العالم”_ طولكا كراساتا سباسيوت مير!_ ولو استجاب العالم كله لنداء قيم الجمال لكانت حياة الإنسان على هذه الأرض أحسن حالا وأفضل مآلا، ولكن، هيهات، لم يستطع الجمال حتى هنا والآن إنقاذ نفسه ولا إنقاذ العالم كله من ضلاله المبين.
وأذكر جيدا بعض تلك اللحظات، حيث لم تكن الثقافة موضوع عمل فقط، بل كانت شكلا من أشكال العيش المشترك. لم يكن الشاعر حسن نجمي في بادئ الشعر مجرد موهبة تنمو، وتجربة تصقل، بل كان صوتا متميزا يختار موقعه في خريطة الشعر والمعنى، حيث لا يكتفي بأن يكتب، بل يساهم في أن يكون للكتابة قلقها، وللثقافة أفقها.
ولعل ما يضاعف سعادتي في هذه اللحظة، أنني لا أحتفي فقط بشاعر أقرأه، بل بشاعر عرفت بعض فصول تفتح أزهاره وحقول تألق أشعاره. وهذا، في العمق، امتياز إنساني قبل أن يكون أدبيا: أن ترى البذرة وهي تصير شجرة، وأن تشهد الصوت وهو يجد نبرته الخاصة دون أن يفقد صفاءه الأول.
نحتفي بقامة شعرية مغربية وعربية وازنة، راسخة القدم، شامخة الأعالي، باذخة الجمال، استطاعت أن تنسج لنفسها سيرة شعرية متفردة في المشهد الثقافي.
نحن هنا والآن نقول: مرحبا بالشاعر المتعدد حسن نجمي.
مرحبا به كما عرفناه “بعيدا عن كثب” لا في النصوص وحدها، بل في تفاصيل حضوره الإنساني أيضا.
حين نقول حسن نجمي لا نقول شاعرا فقط، بل نقول مثقفا عضويا يحمل الثقافة كمسؤولية لا كزينة. نقول كاتبا يصغي ويفكر ويضيء. نقول صوتا ينخرط في الشأن الثقافي والسياسي والصحافي ويدافع عن القصيدة لا كترف جمالي بل كضرورة وجودية.
لا نحتفي فيه بماض منجز بل بحاضر متشكل ومستقبل مغامر ومغاير. ليس مجرد شاعر يكتب القصيدة، بل كائن لغوي يعيد اكتشاف العالم عبرها.
في نصوصه، تنفتح اللغة على احتمالاتها القصوى، وتتحول التجربة الإنسانية إلى مادة جمالية شفافة تنبض بالقلق والأسئلة كما تنبض بالدهشة والاحتفاء بالحياة.
وأحيانا، ونحن نقرأه، نشعر أن القصيدة لا تقرأ فقط، بل تعاش كحالة داخلية هادئة وعميقة.
إنه شاعر يعرف كيف يصغي لخفوت الأشياء، كما يعرف كيف يمنحها صوتا.
تتعدد وجوه حسن نجمي، فهو شاعر ومثقف عضوي ساهم في إغناء الحقل الثقافي المغربي والعربي كتابة وتفكيرا وتدبيرا ثقافيا. غير أن ما يجمع كل هذه الوجوه هو ذلك الحس الشعري العميق الذي يرشح من كلماته ويمنح رؤيتها طابعها الخاص.
في شعره نعثر على مغرب آخر: مغرب الذاكرة والهشاشة والحنين والانفتاح، مغرب يعبر من المحلي إلى الكوني بسلاسة ومن التفاصيل الصغرى إلى الأسئلة الكبرى.
إنه يكتب من تخوم الذات لكنه لا يسقط في انغلاقها بل يجعل منها جسرا نحو الإنسان في معناه الأوسع. إنه يكتب من هنا لكن صوته يصل إلى هناك.
لقد استطاع أن يرسخ اسمه ويكرس قلمه كواحد من أبرز الأصوات الشعرية المعاصرة بفضل تماسك مشروعه وتجدد لغته وقدرته على الإنصات لتحولات العالم والكتابة من داخلها.
وهو بذلك لا يمثل تجربة فردية فريدة فحسب بل يضيء مسارات تجربة جديدة ومنارات كوكبة من الشعراء الذين آمنوا بأن الشعر ليس ترفا بل ضرورة وجودية.
في هذا المهرجان، ونحن نحتفي بالشعر كفضاء للحرية والجمال، نحتفل أيضا بحسن نجمي المتعدد كأحد حراس هذه الشعلة، وكصوت يذكرنا دائما بأن اللغة يمكن أن تكون بيتا، والقصيدة وطنا.
كل التحية والتقدير لهذا الشاعر القدير الذي يواصل، بهدوء وعمق، كتابة العالم من جديد.
وفي هذا المساء حيث تتواشج الأصوات كما لو أنها منابع أنهر سرية تبحث عن مصب واحد، متعدد الروافد والقنوات، نلتقي لنحتفي بالشعر لا بوصفه كلمات تقال بل قدرا يعاش ونداء خفيا يجعل اللغة أكثر إنسانية والإنسان أكثر اتساعا. نلتقي اليوم لنحتفي بصوت لم يكن عابرا في سماء القصيدة، بل كان من أولئك الحالمين الذين يعرفون كيف يصغون إلى رجفة المعنى ويمنحونها شكلا يليق بها. وأقول ذلك أيضا من موقع من جاور هذه التجربة، ورأى بعض تحولاتها “بعيدا عن كثب”.
حين نذكر حسن نجمي لا نستدعي اسما فقط بل تجربة كاملة وأصواتا تشكلت عبر زمن من الإنصات العميق والسؤال المفتوح.
في شعره لا شيء يبدو جاهزا مستقرا ورجيعا معارا ومعادا من قولنا مكرورا على حد قول كعب بن زهير عن مناوشات بينه وبين كلام زوجته. كل شيء ينبع من تلك المنطقة الشفافة بين الحياة والكتابة، حيث تصبح الكلمة ضرورة، والصورة كشفا، والصمت جزء من النشيد، لا يقل بلاغة عن الكلام. إنه شاعر لا يكتفي بأن يرى العالم، بل يعيد رؤيته، ولا يكتفي بأن يسكن اللغة، بل يوسع حدودها حتى تحتمل ما لا يقال.
الشاعر حسن نجمي الذي يمشي في القصيدة كما لو أنه يعبر ذاته، ويجعل من التفاصيل الصغرى مرايا كبرى، ومن الهامش مركزا، ومن العابر إقامة جمالية لا تزول.
إنه شاعر الذاكرة التي لا تتحنط، والحنين الذي لا يستسلم، والحاضر الذي يعاد اكتشافه باستمرار. في قصائده ينهض المغرب لا كجغرافيا فقط بل بوصفه نفسا إنسانيا وإحساسا كونيا عميقا مفتوحا على العالم. لكن حسن نجمي ليس شاعرا فقط، إنه أيضا مثقف يرى في الثقافة مسؤولية وفي الكتابة التزاما جماليا وأخلاقيا في آن. لقد ساهم، عبر حضوره الشعري والفكري واشتغاله بالشأن الثقافي والسياسي والصحافي في إغناء المشهد الأدبي، وفي الدفاع عن القصيدة كمساحة للحرية. لهذا، نقول اليوم، ونحن في قلب مهرجان كازابلانكا الدولي للشعر: شكرا لك لأنك أبقيت القصيدة حيّة ويقظة في زمن يسرع فيه كل شيء نحو النسيان. شكرا لك لأنك منحتنا عبر شعرك نظرة أخرى لنفهم العالم ورؤية أخرى لنشعر بالإنسان ورؤيا أخرى لنكون.
تحية لك مفعمة محبة وأنت تكتب العالم، لا كما هو فقط بل كما يمكن أو ينبغي أن يكون. تحيةً لك يا من جعلت من القصيدة بيتا ومن اللغة وطنا نسكنه جميعا.

2

كرَفَتَّةُ نَجْمي

صاعداً للمنَصَّةِ
(نَجْمي حَسَنْ)
مُشرئبَّ العنُقْ
بلا رَبْطةٍ
على دَرَجِ الْصَّالةِ الْغَاصَّةِ
ارْتعَشتْ يدُهُ
كارتعاشةِ قلبِ الوطن ْ
حينَ أبصرَ صحراءَهُ
مَوْتُورَةً مَبْتُورَةً
منْ خريطتهِ
كادَ أن يختنقْ
..
بينما اصّاعَدَتْ فَجأةً
للعنُقْ
(كرَفَتَّةُ نجْمي حَسَنْ)
وَتَحسَّسَهَا
وقد اشْتَدَّتْ على قلبهِ وَطأةً
وَخفَقْ
مُرتعشاً مِن حُرقةِ الغصَّةِ
في الْحَلْقِ حتّى لَقدْ كَادَ أنْ
يَختنِق
لاعناً كلَّ دِرْعٍّ إذا لم يَكنْ
حامياً
لتُخومِ الوطنْ!

كافيه ريش _القاهرة 31 مايو 2024
(حين تسلمِ الصديق الشاعر حسن نجمي لدرع التكريمِ من الاتحاد العامِّ للأدباء والكتاب العرب)