الصراع المغربي الجزائري.. حين تنقل روسيا وأمريكا حربهما الباردة إلى المنطقة المغاربية للسيطرة على سوق الأسلحة

في 17 مارس الماضي، وبعد أقل من شهر على تعيينه رئيسا جديدا للولايات المتحدة الأمريكية، لم يتردد جو بايدن، خلال مشاركته في حوار على قناة “إي بي سي”، في وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقاتل، وهو الأمر الذي رد عليه ساكن “الكرملين” بالقول إن الناس “يرون في غيرهم ما هم عليه”، في إشارة إلى أن بايدن هو القاتل، وهو تلاسن غير مسبوق بين رئيسي أكبر قوتين في العالم، جعل الكثيرين يعتقدون أن المرحلة القادمة ستشهد صداما حادا بين واشنطن وموسكو.

لكن في 17 يونيو الجاري، التقى بايدن وبوتين لأول مرة في جنيف السويسرية للمرة الأولى، وأظهرت الصور الاثنين وهو يبتسمان في وجه بعضهما، ورغم أن اللقاء لم ينته بإعلان “صداقة” بين البلدين، إلا أن الرئيسين اتفقا على أن اللقاء كان “بناءً وإيجابيا”، كما أعطيا الضوء الأخضر لعودة السفيرين إلى مكتبيهما في واشنطن وموسكو، ليتأكد مرة أخرى أن الحرب التي بينهما ستكون “باردة”، وأن رحاها ستدور غالبا خارج نطاقهما الجغرافي، وهو ما بدأت إرهاصاته تبدو مثلا في المغرب والجزائر.

صراع سياسي عنوانه الصحراء

وتبدو ملامح الحرب الباردة أكثر وضوحا في المنطقة المغاربية، حيث اختارت الولايات المتحدة الأمريكية المغرب كحليف استراتيجي صريح، في الوقت الذي اتجهت فيه روسيا صوب الجزائر عبر دعم معلن للجيش وخلفه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بالرغم من وجود حراك شعبي يطالب بـ”رحيل النظام العسكري”.

وبرز هذا التباين في المواقف بين واشنطن وموسكو في قضية الصحراء، التي تمثل الملف الأهم في الصراع الجيوسياسي في المنطقة والعقبة الأكبر أمام قيام الاتحاد المغاربي، إذ بعد 45 عاما من الجمود شبه التام اختار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلقاء حجر ضخم وسط بركة المياه الراكدة، بإعلان توقيع مرسوم رئاسي يعترف بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية في دجنبر 2020 تزامنا مع إعلان عودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، وهي الخطوة التي أحدثت زلزالا سياسيا في المنطقة دفع موسكو، عبر وزارة خارجيتها، إلى إعلان رفضها للخطوة بشكل صريح ووصفها بأنها “تنتهك القانون الدولي”.

وأحدث هذا الاعتراف متغيرات كثيرة وسط جغرافيا الصراع، خاصة وأنه جاء عقب تدخل ميداني للقوات المسلحة الملكية في منطقة “الكركارات” أفضت إلى طرد الموالين لجبهة “البوليساريو” من هناك واستعادة السيطرة على الطريق البري الوحيد الرابط بين المغرب وموريتانيا، إذ أضحى المغرب يبدو أكثر قوة سواء من خلال التدخلات الميدانية التي شملت تعديلات في الجدار الأمني وعمليات عسكرية ضد مسلحي الجبهة، أو على المستوى الدبلوماسي من خلال مطالبة الدول الأوروبية على حسم موقفها بدعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية والدخول في صدام مباشر مع القوى الكبرى التي تبدو مناوئة للطرح المغربي على غرار ألمانيا وإسبانيا.

ومع مرور الوقت، اتضح أن القرار الأمريكي مرتبط باختيار استراتيجي لواشنطن لا بقرار رئيس معين، وهو ما تأكد من خلال خيبة الأمل الإسبانية في دفع الإدارة الأمريكية الجديدة للتراجع عن الاعتراف بمغربية الصحراء، الأمر الذي دفع الجزائر للبحث عن بعض التوازن لدى الحليف الروسي الذي وإن كان لم يقدم سياسيا أكثر من إعلان تشبثه بقرارات الأمم المتحدة، إلا أنه كان أكثر وضوحا في مجالات أخرى وأهمها المجال العسكري.

دعم عسكري هنا وآخر هناك

ويمكن القول إن انعكاس الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو يبدو بشكل أوضح في ملعب الجيوش وسباق التسلح، وهو ما يبرز من خلال الزيارة التي يقوم بها حاليا السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري إلى روسيا، حيث التقى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، ليعبر له عن كون الجزائر “ستظل ممتنة دائمًا للاتحاد السوفيتي والاتحاد الروسي على الدعم الذي قدمتموه لجيشنا الوطني في تطوير القدرات والإمكانيات الدفاعية”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الروسية الرسمية “سبوتنيك”، وأضاف المسؤول الجزائري “أود أن أشير إلى أننا نعمل في الجزائر لتقوية دائرتنا بحيث يضمن هذا التفوق في جميع المجالات ويحمي بلادنا من كل المخاطر، خاصة في ظل ظروف صعبة حول العالم وعلى وجه الخصوص في منطقتنا”.

وبالإضافة إلى تصريحاته التي يمكن أن تُستشف منها الإشارات شبه الصريحة إلى المغرب، فإن المثير للانتباه أيضا هو أن هذه الزيارة تأتي بعد أيام قليلة من المناورات العسكرية الكبرة من نوعها في تاريخ القارة الإفريقية التي قام الجيشان المغربي والأمريكي بمشاركة قوات من حلف “النيتو” وجيوش من دول أخرى، وهي المناورات التي أكد الديوان الملكي المغربي أنها شملت منطقة المحبس، الواقعة ضمن أقاليم الصحراء والمجاورة لولاية تندوف الجزائرية حيث تستقر قيادة “البوليساريو”، وقد أظهرت صور تلك العمليات استخدام آليات عسكرية متطورة أبرزها راجمات “هيرماس” التي يبلغ مداها 300 كيلومتر والتي يتوقع حصول المملكة عليها قريبا.

ويبدو وقع هذه المناورات حاضرا أيضا في تصريحات وزير الدفاع الروسي الذي عرج عليها تلميحا حين قال “نتابع بسعادة ورضا أن الجزائر، بصفتها شريكا استراتيجيا لروسيا في القارة الإفريقية، تشاركنا وجهات نظرنا حول مشاكل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والتطرف، فمن المهم مواجهة هذه التهديدات بشكل مشترك، بعدما أصبحت أداة مناسبة أخرى في أيدي القوى الغربية”.

طائرة بطائرة.. ومنظومة بمنظومة

وأفرز هذا الصراع سباقَ تسلح محموم بين الرباط والجزائر، اللذان أصبحا يعتمدان بشكل صريح على حليفيهما الأمريكي من جهة والروسي من جهة أخرى، لتطوير منظوماتهما البرية والجوية اللتان يفترض أنهما الركيزتان الأساسيتان اللتان ستحسمان أي مواجهة عسكرية مفترضة بينهما.

وبدا الاستقطاب واضحا عندما استقبل شنقريحة ديمتري شوغاييف، مدير الخدمة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني، في الجزائر قبل سفره إلى روسيا، ليتسلم منه نموذجا لصائرة “ميغ 35” المقاتلة، الأحدث ضمن ترسانة الطائرات العسكرية الروسية، وهي الخطوة التي تحمل إشارات ضمنية إلى استعداد موسكو لتزويد حليفها المغاربية بهذه الطائرات، وهي الخطوة التي لا تأتي فقط تزامنا مع تعزيز المغرب لقدراته الجوية باقتناء أسراب من طائرات “إف 16” ومروحيات “أباتشي” والطائرات المسيرة عن بعد، وإنما أيضا بعد صدور تقارير تؤكد أن الرباط تستعد لاستقبال أحدث المقاتلات الأمريكية وأكثرها فاعلية على الإطلاق في غضون 10 سنوات، ويتعلق الأمر بـ”إف 35″.

وإذا كان حصول الجزائر على طائرات “ميغ 35” والمغرب على مقاتلات “إف 35” حدثا مستقبليا منتظرا لا زال لم يتحقق، فإن سباق التسلح بين البلدين له مظاهر أخرى على أرض الواقع أبرزها إعلان وزارة التجارة الأمريكية في دجنبر الماضي تزويد المغرب بمنظومة الدفاع الجوي “باتريوت” المضادة للصواريخ الباليستية والطائرات والتي تعتبر الأكثر كفاءة على مستوى العالم، وهو الأمر الذي أتى لتحقيق التوازن مع الجزائر، التي حصلت سنة 2015 على منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس 400″، وفق تأكيدات شبكة “روسيا اليوم”.

سيطرة على مبيعات الأسلحة

وأدت الأزمة الدبلوماسية المتصاعدة بين المغرب والجزائر، والتي لا توجد مؤشرات على قربها من نهايتها أو حتى خفوتها قليلا، إلى الرفع من حجم إنفاقهما العسكري بشكل صاروخي خلال السنوات الماضية، لدرجة أنهما أصبحا يحتكران 70 في المائة من صادرات الأسلحة في إفريقيا ما بين بداية 2016 ونهاية 2020، وفق تقرير صدر هذه السنة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، الذي أشار أيضا إلى أن الجزائر أصبحت سادس مستورد للأسلحة عالميا بـ4,3 في المائة من حجم الواردات العالمية، في حين يحتل المغرب الرتبة 29 بـ0,9 في المائة.

والمثير في الأمر هو أن روسيا والولايات المتحدة الأمريكية الأكثر استفادا من واردات الأسلحة الجزائرية والمغربية، فموسكو هي أكبر مُصدر للجيش الجزائري خلال الفترة ما بين 2015 و2019 بنسبة 67 في المائة من إجمالي الآليات والمعدات العسكرية والأسلحة والذخيرة، وفق تقرير صدر سنة 2020 عن مركز السياسة العالمية الأمريكي، علما أن قانون المالية الجزائري لسنة 2020 كان قد خصص حوالي 46 مليار دولار لنفقات الجيش والأمن بما في ذلك مبيعات الأسلحة.

وتبدو الاستفادة الأمريكية أكبر من هذا الوضع، فالتقرير المذكور آنفا يؤكد أن واشنطن هي المصدر الرئيس للمغرب، بل تكاد تكون الوحيد، إذ استحوذت على 91 في المائة من صفقاته العسكرية خلال 5 سنوات، وهو الأمر الذي تؤكده أيضا جهات أمريكية حكومة، وتحديدا إدارة التجارة الدولية التابعة لوزارة التجارة الأمريكية بداية سنة 2021، حين أكدت أن المملكة كانت خلال العقد الأخير الزبون الأول للأسلحة الأمريكية في إفريقيا.

ولا يبدو ذلك غريبا بالنظر لحجم الإنفاق المغربي مؤخرا، ففي 2020 ووفق وزارة التجارة الأمريكية دائما، كلفت صفقة شراء 25 طائرة من طراز “إف 16” خزائن الرباط 2,8 مليارات دولار، في حين اقتنت 24 طائرة مروحة قتالية من نوع “أباتشي” بـ1,6 مليار دولار، يضاف إلى ذلك منظومة “باتريوت” وطائرات الاستطلاع “جي 550” التي رفعت حجم المبيعات الأمريكية للمغرب إلى 6 مليارات دولار خلال العام الماضي وحده، علما أن التقرير الحكومي الأمريكي توقع ارتفاعها مستقبلا إلى 10 مليارات دولار.

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol