“واشنطن بوست”: سبتة تختبر علاقة إسبانيا بالمغرب مع تصاعد اتهامات بالتوظيف السياسي للمهاجرين

ذكرت “واشنطن بوست” أن رئيس الوزراء الاسباني الاشتراكي بيدرو سانشيز يعيش خلافا متصاعدا مع اليمين الأوروبي ومع الرئيس الأمريكي ترامب، الذي كثيرا ما استهدف إسبانيا بالانتقاد وهدد بقطع علاقاتها التجارية مع بلد يبلغ عدد سكانه 48 مليون نسمة.

وأوضحت الصحيفة، في عددها الصادر اليوم الأحد، أن السلطات الإسبانية تمكنت من إعادة الغالبية العظمى من نحو 60 ألف مهاجر وصلوا إلى سبتة خلال أيام قليلة بعد اختراق جماعي غير مسبوق للحدود انطلاقا من المغرب، مؤكدة أن المدينة، التي يقطنها نحو 83 ألف نسمة، استعادت وضعها الطبيعي بحلول يوم السبت، فيما أفاد مسؤولون بأن الحادث أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 67 شخصا.

 

وأضافت أن الهدوء عاد إلى الشواطئ والشوارع بالسرعة نفسها التي اجتاحتها بها الحشود، غير أن التداعيات السياسية للأزمة ازدادت تعقيدا، بعدما تحولت إلى محور رئيسي للنقاش الأوروبي حول الهجرة، وأثارت قلق عدد من العواصم الأوروبية، فضلا عن ردود فعل في واشنطن.

وأشارت الصحيفة إلى أن الطبيعة غير المسبوقة للحشود التي تدفقت نحو سبتة، رغم أن المدينة لا تزال تفصلها عن الأراضي الأوروبية رحلة بحرية، أثارت شكوكا لدى عدد من المراقبين بشأن احتمال وجود خلفيات سياسية وراء ما جرى.

المعارضة الإسبانية تصعد هجومها

ولفتت إلى أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي دعت إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الداخلية لبحث الأزمة، في حين اتهمت الحكومة الإسبانية أطرافا وحكومات أخرى بمحاولة استغلال الأحداث لخدمة أجنداتها السياسية.

وقالت الصحيفة إن الأزمة منحت المعارضة المحافظة فرصة لتصعيد هجومها على حكومة بيدرو سانشيز والتشكيك في قدرتها على حماية الحدود. ونقلت عن زعيم المعارضة ألبرتو نونيث فيخو، خلال زيارة إلى سبتة، مطالبته رئيس الحكومة بتفسير الكيفية التي وصلت بها إسبانيا إلى هذا الوضع، معتبرا أن البلاد تفتقر إلى استراتيجية فعالة لضبط حدودها.

وأضافت أن سانشيز، الذي يقود حاليا خطة تاريخية لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، وجد نفسه مضطرا إلى تبني إجراءات أمنية مشددة، من بينها تركيب حاجز عائم جديد بطول يقارب 1640 قدما قرب الحدود مع المغرب، في رسالة تؤكد أن سياسة تسوية الأوضاع القانونية لا تعني التساهل مع الهجرة غير النظامية.

وفي السياق نفسه، نقلت الصحيفة عن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا تأكيده أن الأشخاص الذين دخلوا البلاد بصورة غير نظامية يوم 30 يوليوز لن يكونوا مشمولين ببرنامج التسوية، موضحا أنهم أعيدوا إلى بلدانهم الأصلية خلال أربع وعشرين ساعة.

انقسام داخل الحكومة الإسبانية

وأبرز التقرير أن الائتلاف الحكومي الإسباني بدا منقسما بشأن تفسير ما حدث. ففي حين دافع سانشيز وعدد من كبار وزرائه عن المغرب ونفوا أي تورط له، مؤكدا غراندي-مارلاسكا أن المغرب “شريك موثوق بشكل مطلق” ولا يشكل تهديدا لسبتة أو لإسبانيا، اتخذ حزب “سومار”، الشريك في الائتلاف الحكومي، موقفا مغايرا بعدما اتهم الرباط، أمام المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، بتسهيل العبور، معتبرا أن عبور عشرات الآلاف خلال فترة زمنية وجيزة لا يمكن تفسيره باعتباره تدفقا اعتياديا للمهاجرين.

وربطت “واشنطن بوست” الأزمة أيضا بالسياق السياسي الدولي المحيط بإسبانيا، مشيرة إلى أن سانشيز يعيش خلافا متصاعدا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دأب على انتقاد إسبانيا وهدد بقطع العلاقات التجارية معها، كما يواجه توترا مع عدد من قوى اليمين الأوروبي.

وأضافت أن سانشيز يعد من أبرز الأصوات الأوروبية المعارضة للحرب في إيران، ومن أكثر القادة الأوروبيين انتقادا لإسرائيل، مشيرة إلى أن وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي نشر تدوينة غامضة على منصة “إكس” بدت وكأنها تلمح إلى احتمال وجود دور إسرائيلي في أحداث سبتة.

كما نقلت الصحيفة عن سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون سخريته من الموقف الإسباني، قبل أن تشير إلى أن بوينتي رد على منشوره قائلا إن “الأمور بدأت تتضح بشكل جيد”.

سيناريو “المسيرة الخضراء”

وأعادت الصحيفة التذكير بمقال نشره، في مارس الماضي، الباحث الأمريكي مايكل روبين، المستشار السابق في وزارة الدفاع الأمريكية خلال إدارة جورج بوش الابن، دعا فيه المغرب إلى تنظيم تحرك شعبي نحو سبتة ومليلية على غرار “المسيرة الخضراء” لسنة 1975، معتبرا أن المدينتين تمثلان بقايا استعمار إسباني فوق الأراضي المغربية.

ونقلت عنه دعوته الملك محمد السادس إلى استعادة “روح المسيرة الخضراء” لإنهاء الوجود الإسباني في سبتة ومليلية، مذكرة في الوقت ذاته بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد اعترف، خلال ولايته الأولى، بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

وعلى المستوى الميداني، وصفت الصحيفة سبتة، يوم السبت، بأنها مدينة لا تزال تحمل آثار الاقتحام الجماعي، إذ ظلت محال تجارية مغلقة، بينما بقيت مخلفات الحشود والإطارات المطاطية متناثرة على الشواطئ والشوارع.

ونقلت عن عدد من المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى المدينة قولهم إن الإجراءات الأمنية على الجانب المغربي بدت أقل صرامة مما كانت عليه في السابق، وإنهم تمكنوا من العبور بسهولة، مضيفين أنهم تلقوا تشجيعا عبر منشورات ومقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال محمد خليل (25 سنة)، الذي سبح للوصول إلى سبتة، إن الطريق كان خاليا من أي عوائق، وإن السلطات المغربية “لم تهتم” بعبوره. كما عبر أيوب كرباني (28 سنة) عن استغرابه من تمكن الجميع من العبور دون اعتراض.

وأوردت الصحيفة أيضا شهادة ميلاد الرملي (30 سنة)، الذي قال إنه قرر التوجه إلى سبتة بعدما علم عبر صفحة إخبارية محلية على فيسبوك أن آخرين سبقوه إلى ذلك، مؤكدا أنه لا يرى أي مستقبل له في المغرب.

كما نقلت عن محمد بردي قوله إن مسؤولا محليا شجع الناس على التوجه نحو سبتة، فيما قال يونس مراد (28 سنة)، وهو حاصل على شهادة جامعية وعاطل عن العمل، إن الفقر والبطالة دفعاه إلى محاولة العبور، بينما أكدت خديجة المفتي (20 سنة) أنها تبحث عن فرصة لحياة كريمة.

كما أشارت “واشنطن بوست” إلى أن المغرب سبق أن استخدم، وفق تعبيرها، ورقة الهجرة خلال أزمات دبلوماسية سابقة مع إسبانيا، مضيفة أن التكهنات هذه المرة انصبت على احتمال أن تكون الرباط قد خففت الرقابة الحدودية، خصوصا بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها بيدرو سانشيز إلى الجزائر، الخصم الإقليمي للمغرب.