بعد أربعة أيام من الصمت.. بلاغ الداخلية يقدّم رواية أمنية تُحمّل الضحايا مسؤولية المأساة وتتجاهل جذور الأزمة
بعد أربعة أيام من الصمت الرسمي، جاء بلاغ وزارة الداخلية ليضع أول رواية رسمية للأحداث المأساوية التي شهدتها محاولات العبور نحو سبتة ومليلية. غير أن البلاغ، رغم طوله وتفصيله، بدا أقرب إلى بيان دفاعي يبرر أداء السلطات ويعيد تثبيت المقاربة الأمنية، أكثر من كونه محاولة لتفسير ما جرى أو الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الرأي العام.
أول ما يلفت الانتباه هو أن البلاغ حصر أسباب ما حدث في عوامل خارجية: التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتأويل قرارات قضائية إسبانية، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، من دون أن يفسر كيف استفادت هذه الشبكات من عشرات الآلاف من المعدومين الذين جاء بعضهم مشيا على الأقدام إلى المعابر؟!. لكنه أغفل تماما أي حديث عن الدوافع الداخلية التي دفعت عشرات الآلاف من الشباب إلى المجازفة بحياتهم، وفي مقدمتها البطالة، وتدهور الأوضاع الاجتماعية، وغلاء المعيشة، وتراجع الأمل في المستقبل. وكأن آلاف الأشخاص خرجوا استجابة لمنشورات على الإنترنت فقط، وليس نتيجة أزمة اجتماعية متراكمة.
ويبدو هذا الاختزال لافتا بالنظر إلى الحجم غير المسبوق للموجة البشرية التي تحدث عنها البلاغ نفسه، حين أقر بأن نحو 40 ألف شخص، توجهوا نحو سبتة وأكثر من ألف نحو مليلية (السلطات الإسبانية تتحدث عن أكثر من 60 ألف مغربي دخلو مدينة سبتة وحدها). فهذه الأرقام، إذا صحت، تعكس ظاهرة اجتماعية عميقة يصعب تفسيرها فقط بخطاب المهربين أو المعلومات المضللة.
كما يثير البلاغ تساؤلات بشأن تعامله مع مسألة استعمال القوة. ففي الوقت الذي يؤكد فيه أن تدخل القوات الأمنية تم “مع التقيد الصارم بأحكام القانون واحترام مبدأ التناسب”، كانت مواقع التواصل ووسائل إعلام مغربية ودولية تتداول مقاطع فيديو تظهر عمليات ضرب وتعنيف بحق مهاجرين، بعضها أثار انتقادات حقوقية واسعة. ومع ذلك، لم يتضمن البلاغ أي إعلان عن فتح تحقيق مستقل في هذه الادعاءات، أو حتى الإشارة إلى ضرورة التحقق من الفيديوهات، وهو ما يترك انطباعا بأن الرواية الرسمية اكتفت بتبرئة القوات العمومية مسبقا.
أما أكثر النقاط إثارة للجدل فتتعلق بحصيلة الضحايا. فالبلاغ أعلن عن إحدى عشرة وفاة فقط (وفاة عرضية وعشر حالات غرق)، بينما كانت السلطات الإسبانية تتحدث، حتى مساء اليوم نفسه، عن وجود 72 جثمانا في مستودع الأموات بمدينة سبتة، فضلا عن استمرار البحث عن مفقودين. واكتفى البلاغ بالقول إن السلطات المغربية “تتحقق” من صحة هذه المعطيات، رغم تأكيده في الوقت نفسه وجود تنسيق رسمي مع الجانب الإسباني. ويطرح ذلك سؤالا بديهيا: إذا كان التنسيق قائما، فلماذا بقي هذا التباين الكبير في الأرقام دون تفسير؟
ويزداد هذا الغموض لأن البلاغ لم يأت على ذكر عدد المفقودين، رغم أن هذا الرقم يمثل أحد أهم المؤشرات الإنسانية في مثل هذه الكوارث، كما لم يقدم أي تصور لكيفية التعرف على الجثث أو التواصل مع العائلات أو مواكبة عمليات البحث.
ومن زاوية إنسانية، يكاد يغيب الضحايا وعائلاتهم عن البيان. فلا توجد إشارة إلى إنشاء خلايا للدعم النفسي أو الاجتماعي، أو مراكز لتلقي بلاغات الأسر، أو آليات لمواكبة التعرف على الضحايا أو المفقودين، أو إجراءات استعادة الجثامين الموجودة في مستودعات الأموات بسبتة المحتلة. في المقابل، يبرز الجانب الزجري بوضوح عندما يشير البلاغ إلى فتح أبحاث قضائية وترتيب الآثار القانونية، بما يفهم منه أن الأولوية انصبت على المساءلة الجنائية أكثر من الاستجابة الإنسانية.
كما أن البلاغ لم يقدم أي تفسير لتأخر السلطات أربعة أيام قبل إصدار روايتها الرسمية، رغم أن الحدث كان يتصدر نشرات الأخبار العالمية، وشهد سيلا من الصور والفيديوهات والتقديرات المتضاربة. ففي الأزمات الكبرى، يصبح التواصل السريع جزءا من إدارة الأزمة، بينما يفتح الصمت الطويل الباب أمام الشائعات وتعدد الروايات.
سياسيا، يلاحظ أيضا أن البلاغ يكتفي بمستوى تقني وإداري، دون أن يطرح أي سؤال حول المسؤولية السياسية. فلا حديث عن تقييم أداء المؤسسات، أو مراجعة السياسات العمومية المرتبطة بالشباب والهجرة، أو إعلان عن لجنة مستقلة لتقصي الحقائق. كما أن الحكومة اختارت أن تتحدث عبر موظف برتبة ناطق رسمي باسم وزارة الداخلية، بينما غاب وزير الداخلية نفسه، وغاب أي مسؤول حكومي أو أمني أو قضائي رفيع لتقديم شرح مباشر للرأي العام، رغم أن الأمر يتعلق بأخطر أزمة هجرة تشهدها المملكة في عهد الملك محمد السادس، وبحدث استقطب اهتماما إعلاميا ودبلوماسيا واسعا.
وقد تابعنا كيف انتقل رئيس الحكومة الإسبانية هو ووزير داخليته إلى المدينة المحتلة لتقديم الدعم لسلطة الإحتلال بها، وكيف تدخل الملك الإسباني بإصدار بيان يعرب فيه عن قلقه البالغ واستيائه إزاء أزمة العبور الجماعي للمغاربة نحو مدينة سبتة، داعياً مؤسسات الدولة إلى توحيد المواقف وتقديم الدعم الكامل لسكان المدينتين الحتلتين!
في المقابل، يركز البلاغ بصورة واضحة على رسائل موجهة إلى الخارج، إذ يشدد على أن المغرب “شريك موثوق” في مكافحة الهجرة غير النظامية، ويؤكد استمرار التعاون مع الشركاء الأوروبيين. ويبدو أن هذه الرسالة الدبلوماسية تحظى بحيز أكبر من الرسائل الموجهة إلى الداخل، حيث ينتظر المواطنون تفسيرات وإجابات حول أسباب المأساة وكيفية التعامل مع آثارها.
في الخلاصة، يقدم البلاغ رواية أمنية متأخرة، لكنه لا يجيب عن عدد من الأسئلة الجوهرية التي تشغل الرأي العام: لماذا اندفع هذا العدد الكبير من الشباب والنساء والأطفال إلى المخاطرة بأرواحهم؟ ما حقيقة أعداد الضحايا والمفقودين؟ هل احترمت تدخلات القوات العمومية المعايير القانونية والحقوقية؟ وما هي المسؤولية السياسية والإدارية عن واحدة من أخطر أزمات الهجرة التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة؟ وبغياب إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، يبقى البلاغ، رغم تأخر صدوره أربعة أيام، محاولة تواصلية فاشلة جاءت خارج سياقها الزمني والموضوعي.