الكاتب : ذ: مولاي عبد الحكيم الزاوي

باحث بمختبر المغرب والحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط: التاريخ، التراث، الموارد، كلية الآداب والعلوم الانسانية، مراكش.
أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، مديرية شيشاوة.

 

لا يزال البحث في الأثر التاريخي يتحرك بمقتضى نوازع الذات، انتماء لمجال، قبيلة، زاوية، أو رغبة لتأكيد تفوق أو تبرير موقف، وأحيانا، عند البعض تشوفا نحو تناظر محتمل مع تآليف الإستوغرافيا الأجنبية. مقابل ذلك، يظهر مسعى إستوغرافي آخر، يركز على ضرورة تقديم قراءة جديدة، رؤية جديدة تتجاوز الفهم التقليدي للأثر التاريخي. والحال أنه كلما تعمق البحث في الأثر، كلما تم تعديل بعض القضايا بإدخال عنصر جديد في الفهم، أو بإعادة ترتيب عناصر الحركية التاريخية.
بعد مرور تقريبا ما يفوق ستة عقود من تأسيس الجامعة المغربية يظهر أن فتوح التاريخ الجديد لم تستثمر إلا على نطاق محدود، ولم يتطور تبعا لذلك التاريخ كمعرفة نقدية داخل المجتمع كما يقول جوفري براكلاو G. Barraclouch في سياق مقارن . ولم يحدث الانتقال بالتاريخ بوصفه مصفوفة وقائع وحركات إلى وصفه درسا
اجتماعيا مفتوحا.


كل قراءة إستوغرافية جديدة لما حدث يجب أن تنطلق من بداهة أن قراءة الماضي يجب أن تنأى بنفسها عن اعتبارها تجربة معرفية بريئة أو محايدة . لكونه كما يقول أحمد التوفيق – أي التاريخ- يرتبط سعيه بإدراك سيرورة التطور واستكشاف منحنياته ومحاولة تفسيرها، واستخراج ما قد يشبه في النهاية قواعد أو قوانين تحكم هذا التطور .
في البدء، كان من الطبيعي أن تواكب لحظة الاستقلال ظهور إستوغرافيا مغربية ناشئة ذات هموم وطنية تعمد إلى ترميم الشخصية المغربية الجريحة، لكنها بدت أكثر تأثرا بالإستوغرافيا الغربية بشقها البورجوازي أو الماركسي. وحتى على مستوى النظر إلى الزمن، لم يخرج عن القوالب الزمنية المألوفة التي صاغها التأليف الأوروبي. من هنا قد نفهم، لماذا توجه البعض إلى كتابة التاريخ المحلي؟
يتعلق الأمر، برغبة في التفكيك من أجل إعادة البناء، وبالأساس، من أجل تجديد فهم التاريخ الوطني.
تسمح معاينة التأليف التاريخي بفرز أربعة أغلفة بحثية متقاطعة:
الغلاف الأول: الاهتمام بالقضايا والإشكالات، وتغليب التحليل على الوصف، وتهميش الأحداث السياسية مقابل التركيز على الحركات العميقة الموجهة للفعل التاريخي؛
الغلاف الثاني: البحث عن قواعد لبناء تاريخ وطني حقيقي من خلال تغيير زاوية المعالجة، من النظر إلى الماضي في إطاره الوطني، إلى النظر إلى الماضي في إطاره المحلي؛
الثالث: تحويل مجرى الاهتمام من التاريخ الحدثي إلى التاريخ الاجتماعي، والرغبة في إيجاد افتراضات تاريخية لإشكالية القطيعة والاستمرارية في تاريخ المغرب؛
الغلاف الرابع: انفتاح البحث التاريخي على مناهج وتقنيات التاريخ الجديد.

 

لماذا 1792-1956؟

نُشدد في البداية على أن اقتراح حدود تحقيبية عملية منهجية غاية في الصعوبة، لثلاثة اعتبارات، أولها يتجلى في العنصر الأثري (الوثيقة)، وثانيها في الحدود الكرونولوجية (عنصر تفسيري)، وثالثها في العنصر الإجرائي الوظيفي…كل تفكير في الأثر التاريخي هو تفكير في زمن تشكله داخل الزمن، وعملية اقتطاعه من الزمن تدفع نحو التهاوي في خطأ الأناكرونية.

منطلق التفكير أن الحدث المؤسس يؤرخ لبداية عهد ونهاية آخر…التاريخ الأول تاريخ يؤرخ لوصول سلطان تهيب من مواجهة الآخر، لاعتبارات لا تزال معروضة للنقاش، ولكن مؤسس لتغير العلاقة مع الآخر، ومؤشر على بداية تحول النسق السياسي والاجتماعي، ومن زاوية أخرى، يحيل المستوى الإستوغرافي على ولادة أصناف جديدة من الوثائق…ويمكن أن نتتبع أيضا، أصداء الحدث المؤسس أيضا في حدوث أزمة ضمير في صفوف خاصة الخاصة من العلماء والفقهاء والمتصوفة، وفي جانب منه في حدوث أزمة سياسية في دوائر القرار المخزني. في مقابل ذلك، الحدث الثاني 1956م، يؤرخ لكسر مظلة الاحتلال ونهاية عهد الحجر الاستعماري.

قد تبدو هذه الحدود كلاسيكية بمقتضى تراكمات البحث التاريخي، لكنها تظل صيغة مقنعة من حيث قدرتها على استيعاب مظاهر التغيير لأنها تظهر حدوث تغير عام، مادي واجتماعي وثقافي…خلالها نشأ مخزن جديد، ووردت عليه أفكار جديدة من الشرق والغرب، وانعقدت فيه صداقات، وبرزت خلالها مواقف واتجاهات، وتوضح مسار سير الأحداث. وظهر التأليف التاريخي التقليدي من خلال نموذج «الناصري» مدركا لعمق التطور الذي آلت إليه مقادير الأمور. يصف الناصري على نحو دقيق هذا التحول بالقول: «…واعلم أن أحوال هذا الجيل الذي نحن فيه، قد باينت أحوال الجيل الذي قبله غاية التباين، وانعكست عوائد الناس فيه غاية الانعكاس، وانقلبت أطوار أهل التجارة وغيرها من الحرف في جميع متصرفاتهم، لا في سككهم ولا في أسعارهم ولا في سائر نفقاتهم، بحيث ضاقت وجوه الأسباب على الناس وصعبت عليهم سبل جلب الرزق والمعاش، وحتى لو نظرنا في حال الجيل الذي قبلنا وحال الجيل الذي نحن فيه وقايسنا بينهما لوجدناهما كالمتضادين، والسبب الأعظم في ذلك ملابسة الفرنج وغيرهم من أهل الأروبَّا للناس، وكثرة مخالطتهم لهم، وانتشارهم في الآفاق الاسلامية، فغلبت أحوالهم وعوائدهم على عوائد الجيل وجذبته إليها جذبة قوية…فانظر إلى هذا التفاوت العظيم الدي حصل في الجيل في مدة من ثلاثين سنة أو نحوها، فقد زادت السكك والأسعار كما ترى نحو تسعة أعشار، والعلَّة ما ذكرناه، ويكثر بكثرة الاختلاط والممازجة مع الفرنج ويقل بقلتها…واعلم أيضا أن أمر هؤلاء في هذه السنين قد علا علوا منكرا، وظهر ظهورا لا كفاء له، وأسرعت أحواله في التقدم والزيادة إسراعا متضاعفا كتضاعف حبات القمح في بيوت الشطرنج، حتى كاد يستحيل إلى فساد، وعِلْمُ عاقبته ذلك وغايته إلى الله تعالى المنفرد بالغيب.
وأعْلَمُ عِلْمَ اليوم والأمس قبله ولكنني عن عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ

على مستوى علائقي، تكاثفت خلاله العلاقات المغربية مع باقي الأقطار، وتصادم بنيات الإنتاج؛ إنتاج رأسمالي أفرزته تطورات الحضارة الأوروبية، وإنتاج قبل رأسمالي محلي. وفي إطار هذه التحولات العامة، نشأ نقاش حول القبيلة الجبلية، هل يعكس تاريخها تاريخ الأزمة في البلد ككل؟ هل تقاطعت مستوياتها مع واقع التحول؟ هل ظلت خاضعة لنسق مغاير لا يربطها بالتحول العام؟

الواقع، تسمح هذه الحدود التحقيبية بتبني المنهج الترابطي الذي يسمح بإعادة توضيب صورة المجتمع المغربي في فترة التحول، مثلما تسمح بالوقوف عند عنف التأثيرات العسكرية والاقتصادية التي ساقها الحضور الأوروبي. فترة طغت فيها العوامل الخارجية على العوامل الداخلية. الأهم، أن هناك قوسا جديدا قد بدأ، قد يختلف في شأنه، بين 1792 أو 1830 أو 1844 أو 1856 أو 1860، لكنه يظل تحولا حاسما.

فرض الموقع الجغرافي على المؤرخين المغاربة ضرورة ربط وقائع الخارج بوقائع الداخل. هناك من يعود بذلك إلى زمن ابن خلدون الذي تفرس ملامح التحول. وبهذا يكون المغرب الأقصى قد ولج العصر الحديث بحركة معكوسة، فعوض أن ينخرط في تحولات الضفة الشمالية لحوض البحر الأبيض المتوسط، كان أول ضحية لها: خنق اقتصادي وتشوف نحو الجنوب، وتوجه جماهيري نحو التصوف الشعبي وإرجاع الشرفاء إلى الحكم…لكن في العموم ظل البلد قادرا على التكيف مع ظروفه، محافظا على استقلاله حتى وإن شعر بعمق التحول. ظلت المؤسسات الداخلية تعمل على محاكاة عهد الازدهار الأول . منذ ذلك الوقت، فرض على المغرب أن ينكفئ على ذاته، ويظل محافظا على قواعده المرعية في تدبير توازناته وعلاقاته بين الملوك والعلماء والصلحاء والشرفاء وأعيان القبائل والشيوخ . وفي اللحظة التي تجدد فيها الضغط الأوروبي وعاد فيها الاحتدام العسكري، ظهر وعي إصلاحي حذر يأخذ بوسائله المادية ويتحفظ على تبعاته الثقافية.

نقرأ في مصفوفات الإستوغرافيا المغربية لتلك اللحظة عبارات تحيل على صدى التحول: ترويع الضمائر، زعزعة المؤسسات، اختلال البنى، مراجعة الأحوال، تبدل المعاش، التفكير في الإصلاح …الثابت، أن الانتقال من مرحلة المواجهة الدفاعية إلى مرحلة النقد الذاتي إلى مرحلة الانفتاح والميل إلى الاقتباس كان قد حسم وجهته بلا عودة، وترك في المقابل فئة لا تزال لم تستوعب عمق التحول التاريخي.

 

ابن زيدان: تاريخ وطني # تاريخ استعماري

 

في لحظة التحول جرى تصادم مرجعيتين إستوغرافيتين، تأليف مغربي في مواجهة تأليف استعماري، الأول ينطلق من الذات في كتابة تاريخ وطني ، والثاني يتحرك من منطلق تشويه الحقائق وتبرير مشروعية الغزو. يمكن أن نأتي في هذا السياق بتجربة المؤرخ عبد الرحمان ابن زيدان ( 1878- 1946). واضح أن قراءة هذا الإنتاج التاريخي تدفع نحو تشكيل الفكرة التالية: اظهار المفاخر على حساب الوقائع؛ وتحصين الذاكرة من الغزو الأجنبي لإعادة بعث جوانب من الشخصية التاريخية المغربية . تظهر هذه الرؤية في ثنايا الكتب التاريخية التالية:
اتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس ؛
الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة؛
العز والصولة في معالم نظم الدولة؛
المنزع اللطيف في مفاخر المولى اسماعيل بن الشريف؛
النهضة العلمية في عهد الدولة العلوية.

ويمكن أن نجد نفس الرؤية في كتابات ابن زيدان ذات المنزع الفقهي، مثل «تبين وجوه الاختلال في مستند إعلان العدلية لثبوت الهلال»، و»قراضة العقيان في تحقيق استمرار أفراد من الكهانة لآخر الزمان» وحتى في الدواوين الشعرية «قوت الأرواح في مديح زين الملاح» و» كفاية المحتاج في مدح صاحب اللواء والتاج» و»بغية المستهام في مدح خير الأنام».
الحال أنه لا يمكن أن نعزل الإنتاج التاريخي لابن زيدان عن سياقه البيوغرافي. ابن زيدان سليل الأسرة العلوية، حفيد السلطان مولاي عبد الرحمان من والدته، تلقى تربية الأمراء، وتخرج من مدارس الفقه في مكناس، وانتقل بعدها إلى جامعة القرويين في فاس لينهل العلم على لسان مشايخها مثل أحمد بن الخياط الزكاري ومحمد بن جعفر الكتاني والشاعر أحمد بن المامون البلغيتي…تجميع هذه التفاصيل البيوغرافية يُسهل عملية فهم ذخيرة الوثائق التي حوَّزها ابن زيدان لكتابة تاريخ المغرب ( ظهائر- رسائل سلطانية- سجلات مخزنية…) وهو وقتئذ يشغل منصب المدير العربي في الأكاديمية العسكرية في مكناس.
أنتج ابن زيدان مشروعا تاريخيا ظل ينهل من مرجعية المؤرخ التقليدي؛ ويستثمر الإرث المكتسب في منهج الكتابة التاريخية الاسلامية. مشروع له نقطة انطلاق، وله نقطة انتهاء، ينطلق من مكناس وفاس لكتابة تاريخهما السياسي والفكري والإداري والمعماري في شكل دائرة أولى، وتاريخ الدولة العلوية في شكل دائرة ثانية. لكنه مشروع يُظهر ميزة خاصة، كونه وظف وسائل إيضاح جديدة غير مألوفة في مصفوفة التأليف المغربي ( صور الأشخاص والمآثر وصور الوثائق) وفهارس تفصيلية عن المادة التاريخية.

 

المختار السوسي: الأدب التاريخي أو التاريخ الأدبي

 

يُقدم المختار السوسي مادة تاريخية غنية عن تاريخ منطقة ظلت في الغالب الأعم بعيدة عن مراكز التأليف التاريخي، ويتعمد في سبيل ابتغاء ذلك توظيف أسلوب الإطناب لتغيير طريقة التأليف التاريخي عن المنطقة (الحضيكي والكرامي). في شأن ذلك، توسل بالتجديد في مقصد التأليف، من تاريخ بلاد جزولة إلى تاريخ بلاد المغرب ككل.
يُجسد مؤلف «سوس العالمة» مشروع كتابة، كتابة التاريخ المحلي، أو لنقل عتبة انتقال، من تاريخ أسرة إلى تاريخ وطن، من تخليد قرية «إلغ» إلى كتابة موسوعة تعنى بالأخبار السوسية . وعبر صفحات كتاب سوس العالمة تتضح خلفية الكتابة، كتابة تاريخ ذاتي في مواجهة تاريخ غيري. والمؤلف من حيث مقصد التأليف تجميع لأعلام منطقة سوس على امتداد ثمانية قرون ( من ق 6 ه إلى ق 14 ه). لا يمكن أن نخرج هذا المؤلف عن حصيلة الإنتاج التاريخي في منطقة سوس البالغ عدده 885 كتابا، منها:
50% في العلوم الشرعية وأصولها؛
13 % في الأدب؛
2,5 % في الحساب وعلوم الطبيعة؛
12% في التصوف؛
5,5 % في التراجم والفهارس؛
10,5 % في الرحلات؛
2,5 % مؤلفات في مواضيع مختلفة باللغة البربرية .
منطق التأليف عند السوسي ارتبط بغايتين: غاية تجاوز الرطانة المحلية التي اعترت التأليف التاريخي عند أهل سوس، وغاية تركيز التأليف على الشروح والحواشي والمختصرات…لقد ساهم بُعد سوس عن المراكز الكبرى في ظهور الألواح التي عبَّرت عن الأعراف السوسية.

وتتوضح هذه الرؤية أكثر في كتاب «المعسول»، حيث يظهر أنه تجميع شتات أخبار العلم والدين والمجتمع والسياسة في الجهات الجزولية. والكتاب فريد في صناعته، فلا هو بكتاب وفيات، يدرج سنة الوفاة، ولا هو بكتاب طبقات يوزع المترجمين حسب المذاهب والفنون، ولا بكتاب حوليات يخلد تاريخ قريته. لقد توفق أحمد التوفيق حينما ذهب إلى القول بأن هذا الكتاب على شكل بناء هرمي، يتكون من ثلاثة أهرامات متداخلة يوجد في قمتها الشيخ التهالي جد الأسرة الإلغية ( ت 1051) وفي قمة الهرم الثاني محمد بن عبد الله مؤسس المدرسة الإلغية ( ت 1303) وفي قمة الهرم الثالث الشيخ علي الدرقاوي والد المؤلف صاحب الزاوية الإلغية ( ت 1328). وعبر هذا البناء الهرمي أتى «المعسول» بترجمة ل 480 سوسيا من رجال العلم والتصوف والرئاسة.
توسل السوسي بنصب شبكة تمتد خيوطها من الشخصيات الثلاث ( مؤسس الأسرة/ مؤسس المدرسة/ مؤسس الزاوية) وأقام بينهم علاقة ربط ( مشيخة/ تلمذة/ صحبة/ رئاسة)، جاء محملا بمعطيات عن أزيد من مائتي مدرسة، ومعطيات عن الحياة الصوفية في منطقة سوس.
وقتها كانت معارك الحرب العالمية الثانية لم تهدأ، وكان السوسي مدركا تمام الإدراك للحظة السياسية، ولقرب لحظة الاستقلال، ومن ثم توجيه الكتابة التاريخية نحو التفكير في إعادة بناء الذات.