فنادق الشمال مهددة بالإفلاس

بسبب غلاء تذاكر السفر بين طريفة وطنجة، وجهت جمعية صناعة الفنادق بطنجة في رسالة  إلى والي جهة طنجة تطوان الحسيمة محمد امهيدية،

ووفق ذات المصدر فإن الأمر المذكور يسبب في تراجع توافد السياح إلى مدن الشمال، وبالتالي تراجع ليالي المبيت في الفنادق وتهديد تواجههم.

وطالبت الجمعبة في رسالتها من والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، التدخل لإيجاد حل لهذه المعضلة، التي تهدد حتى بإيقاف الخط البحري القائم بين طنجة وطريفة، وبالتالي تأثر قطاع السياحة بالشمال ككل.

وكشفت أن أسعار الرحلة بين طنجة وطريفة بلغت 900 درهم لدى بعض شركات النقل البحري، في حين أن السعر السابق لم يكن يتعدى600 درهم.

 

 

 

فندق سيسيل   الوجه السياحي “الساطع” لمدينة طنجة

 

حينما نقف على مشروع المارينا بطنجة الذي افتتح مؤخرا، والآمال المعلقة عليه لتسويق المنتوج السياحي المغربي.. نستحضرالمشهد الطللي لفندق “سيسيل” الذي يقابل مباشرة فضاء “المارينا” ببضعة أمتار. ولا يفصل بينهما إلا محج محمد السادس ..ذلك الفندق التاريخي الذي أنشئ في مستهل النصف الثاني من القرن 19، حيث يعد من أقدم المؤسسات الفندقية بطنجة التي بنيت خارج سورالمدينة. وسيتم الوقوف على حجم المفارقة القائمة بين ماضيه وحاضره من خلال الإحالة على الصور المجسدة لحالته في ما مضى، والحالة التي أصبح عليها حاليا. فهناك تقابل بين صورة تلك البناية المتهالكة والمدمرة بالكامل وكأنها من مخلفات الحروب الفتاكة التي تحرق الأخضر واليابس. ثم صورة أخرى تحمل ملامح ذلك الفندق التاريخي الذي مثل كل مراحل الازدهار السياحي بطنجة، إلى أن انتهى به المطاف إلى كيان محطم إلى أشلاء بسبب تضافرعوامل ذاتية ترتبط بموقف الجهة المالكة للبناية. وأخرى موضوعية تعود لموقف السلطة الوصية على القطاع، أي وزارة الثقافة. ثم السلطات المحلية والمجالس المنتخبة التي ظلت تتفرج على احتضار تلك المعلمة إلى أن قضي عليها نهائيا وأصبحت جثة هامدة. فحين تصفح الصورة الأصلية للفندق، تمثل تلك المأساة التي ابتدأت بتقلص مساحة المبنى وتغير معالمه كليا. فلم يتبق مما مضى إلا الإسم المنقوش على الواجهة بسبب صعوبة محوه من الذاكرة. ولقد بدأ مسلسل التدهور مع ظهور بوادر الإفلاس الذي تلاه الإغلاق، ثم الدخول في طورالإهمال المتعمد الذي مهد الطريق لحملات الغزو البربري على يد جحافيل اللصوص والمنحرفين والمتسكعين الذين تسللوا إلي المبنى كالفئران، فاستوطنوا بناية الفندق لسنوات كانت كافية للقضاء نهائيا على أركانه وأسسه، ونهب ممتلكاته وتجهيزاته، والقضاء على نفائسه ..فلم يتبق من آثاره إلا تلك الواجهة المحطمة التي تطل على “المارينا” ضمن مشهد مؤلم يبعث على الأسى والحزن ..

ونستحضر بكل أسف ملامح فترة ازدهارالفندق وتألقه من خلال الصورالتذكارية المعبرة عن مظاهر الأبهة والفخامة والشهرة التي كان يحظى بها. ثم نوعية الأفواج السياحية التي كانت تتردد عليه. تذكرنا تلك الصور بتصميمه الأصلي وقربه من البحر، حيث كانت الأمواج تنكسر بجوار بابه قبل أن يتراجع مستوى البحر بعد توسعة الميناء الحديث. إن هذه الصور وحدها هي التي تخلد مشهده الخارجي المرتبط بروعة تصميمه وهندسته. وعند اعتصار الذاكرة، يتم استحضار مشاهد متخيلة عن نمط النشاط السياحي الذي عرفه. والتي توحي بوجود تقاليد راقية مستنسخة من واقع الحياة المخملية للمجتمع الأوربي في القرن 19 . والمؤكد هو أن هذا الفندق الذي يعد حلقة ضمن سلسلة فنادق سيسيل العالمية ، قد عرف خلال مسيرته الطويلة نزول عدد من الشخصيات العالمية التي استمتعت بفضاءاته الجميلة وروعة تحفه الفنية وزخرفنه الساحرة. لأنه كان في طليعة الفنادق المصنفة بطنجة منذ إنشائه في منتصف القرن 19 . ويكفي أنه شكل محطة لنزول جلالة الملك محمد الخامس في زيارته التاريخية لطنجة سنة 1947 .

وحين استحضار سوء المصير الذي آل إليه. تطرح محاولة تتبع مستويات التقصير في المسؤولية. فنجد أن المسؤولية مشتركة بين عدة أطراف في مقدمتها الجهة المالكة التي لم تكن قادرة على الحسم في وضعية التركة. ثم وزارة الثقافة التي اكتفت بتصنيف الموقع ضمن لائحة المباني التاريخية. وبعدها المجالس المنتخبة والسلطات التي ظلت تتفرج على المشهد. وكانت بارقة الأمل هي صدورالأمرالملكي سنة 2006 بتصنيف وترتيب المباني التاريخية الموجدة على امتداد واجهة الشاطئ البلدي بطنجة. إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال. لأن الجهة التي تولت عملية تنفيذ القرار تعاملت بانتقائية مفضوحة مع مكونات هذا الملف، حيث اكتفت بتصنيف ست بنايات منها “سيسيل”. ثم كفت يدها عن الباقي، وتركت الباب مشرعا من أجل وأد باقي المباني، تمهيدا لفسح المجال أمام بناء العمارات لا غير .. والمؤسف كذلك هو أن قرار التصنيف لم يضمن لذلك المبنى الحق في الصيانة والاستمرار، حيث استمر مسلسل التدهور إلى النهاية. وهو نفس الأمر الذي ينطبق على كل المباني التي خضعت لقرارالتصنيف، حيث يوجد أغلبها في وضعية حرجة لا تسمح لها بالصمود بسبب التقادم والإهمال والاعتداءات المستمرة. ونظرا لغياب قانون ملزم بالتدخل من أجل إنقاذها، سواء تعلق الأمر بدور الملاك أو بالمصالح الإدارية المعنية. فكثيرا ما تستعجل السلطات زوال بعض هذه المباني، مثل ما حصل مع “فيلا هاريس” التي تعرضت للهدم. ويمكن في هذا المجال الاستدلال بأمثلة متعددة تتعلق بالمباني التاريخية المهددة بالزوال شأنها شأن فندق سيسيل. إذ لم تعد هناك جهة متحمسة لحفظ التراث المادي، سواء تعلق الأمر بعموم المواطنين أو بالمؤسسات. بل هناك نفور كبير من كل ما له علاقة بالتراث بصفة عامة. والدليل هو سعي الكل للتخلص من المباني القديمة ومن المواقع الأثرية حتى لا تصبح خاضعة لقيود قانون الترتيب والتصنيف. فللمسؤولين تصور شاذ فيما يخص كيفية التعاطي مع ملف الآثار عموما، لكونه يشكل عقبة في طريق الاستثمار وتمليك الأراضي للخواص .. والدليل هو أن أغلب المواقع الأثرية محفظة في إسم أشخاص. ولذلك يظل تدخل كل الجهات المسؤولة باهتا ومنعدما. بل حتى المقررات الخاصة بترتيب بعض المباني أو المواقع الأثرية تظل حبرا على ورق، حيث يلجأ أصحاب الأملاك المعنية بقرار التصنيف إلى التحايل من أجل فرض شروطهم التي تؤدي في النهاية إلى تغييرالملامح الأصلية للملك المرتب. ويبقى السلوك المعتمد هو مقابلة تلك المآثر بالإهمال ثم التواطؤ مع المخربين من أجل استهدافها وزعزعة أركانها والقضاء عليها .. وهذا أمر ثابت ومحقق ومجسد في أكثر من مثال. لأن المسؤولين يلتزمون الصمت ويغضون الطرف عن مرتكبي الجريمة .

والغريب هو أنه ليس هناك أي مؤشر يدل على وجود تحول في الموقف، لأن الجهات الماسكة بسلطة القرار تعتبر أن كل ما له علاقة بالمآثر والبيئة والفضاء العمومي يعد عقبة في طريق الاستثمارالمحقق للتنمية. بل يقدمون أحيانا شهادات مزيفة من أجل محو تاريخها وأثرها من الخرائط الخاصة برسوم التحفيظ. وفي ظل التطبيع مع سياسة معاداة التراث تتكشف خارطة الطريق المفتوحة التي يسعى المسؤولون إلى تكريسها محليا وطنيا، وترسيخها في ذهنية المجتمع من أجل الاستعانة بأفراده على تنفيذ مخطط إزاحة هذه العقبة التي يرون أنه تخل بالتوازنات المالية، وتحد من نفوذ المخططات الخاصة بالمضاربات والتوسع العمراني، تحت ذريعة عدم وجود أية جهة يمكن أن تتحمل مسؤولية التعويض عن نزع الملكية من أجل الاحتفاظ بتلك المآثر التي ليس لها رب يحميها. وما دام الوضع كذلك فهذه الصفحة يجب أن تطوى حتى لا تتحول إلى مضيعة للوقت ..

ويوما بعد يوم يتأكد عدم توفر الإرادة الحقيقية لحفظ التراث وصيانة المباني والمواقع التاريخية، وضمان نقل ذلك الموروث إلى الأجيال المقبلة. فلماذا لا تتم إعادة النظر في القوانين المنظمة للقطاع ؟. ولماذا لا يتم تجريم الاعتداء على المآثر وتغريم كل الممارسات التي تمس بقدسية التراث ؟ لماذا لا يتم فرض قرار نزع الملكية على الملاك بسبب التقصير في حماية المباني المرتبة؟.. وما هو دور وزارة الثقافة إن كانت موجودة فعلا، ثم وزارة السياحة وكذلك المجالس المنتخبة؟. وهل كل هذه الأطراف أصبحت عاجزة كليا عن تقديم شيء في هذا المجال ؟

وفي سياق التحولات التي يشهدها ميناء طنجة، يتم تذكيرالجهات المعنية بإدارة مشروع الميناء الترفيهي الذي يراهن على تحقيق ثورة سياحية على صعيد منطقة الشمال، بشعاراتهم المتعلقة بإدماج الميناء في المدينة، والحفاظ على الطابع التراثي للمدينة من خلال ترميم السورالقديم ….فكيف يمكن تحقيق هذه الطموحات والأهداف في غياب تصور لإنقاذ المباني والمواقع التاريخية للمدينة التي لا تقتصر على السور وحده؟ ..لأن الإبقاء على السور فقط مع التفريط في الموروث الثقافي والتراثي ككل يعد ضربا من العبث وسباحة ضد التيار.. فلماذا لا يكون ضمن الأولويات إعادة الاعتبار للمباني الأثرية المتواجدة على صعيد الواجهة الشاطئية بداء من استعادة أسطورة “فندق سيسيل”، ثم الانتقال إلى وسط المدينة القديمة، وبعدها إلى العمارات ذات القيمة التراثية في مرشان، وحسنونة، وأحياء البولفار، والجبل الكبير. مع ربط كل مشروع يتم الترخيص له في موضع “فندق سيسيل” ببناء نفس الفندق وبنفس المواصفات. ثم كذلك المبادرة بإنقاذ عمارات “رينشهاوزن” التي تعاني من التدهور.علما أنها تعد تحفة معمارية فريدة لا يجوز التفريط فيها. وكذلك إنقاذ مبنى فندق الشجرة، ثم دور السينما والأضرحة والزوايا المهددة بالانقراض ..

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين