أطباء القطاع الحر: فتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي سيأتي بالسياحة الصحية

اعتبر أطباء يعملون بالمصحات والعيادات الخاصة، أنهم يتعرضون لحيف مزدوج، فمن جهة يأخذ عنهم أفراد المجتمع صورا نمطية تغذيها حوادث معزولة تقع فيها تجاوزات ويتم تضخيمها إعلاميا، ومن جهة ثانية، تثقل الدولة كاهلهم بالضرائب والاقتطاعات الجبائية، وتحرمهم من أية امتيازات على غرار ما يستفيد منها المستثمرون في قطاع العقار والسكن والتعليم.
جاء ذلك، في ملتقى دراسي نظمته النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر، في مدينة طنجة، يوم أمس السبت، بمشاركة ثلة من مدراء مستشفيات ومصحات وأساتذة كليات الطب ونقابيين مهنيين في قطاع الصحة الخاص.
وأكد المتحدثون على أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف قاعدة المؤمنين بالتغطية الصحية، والتي لا تتعدى 33 في المائة من مجموع الساكنة، إضافة إلى ما وصفوه بـ “الاختلالات التي تعرفها صناديق التأمين عن المرض”، بحيث تعتمد على “سيستيم” معقد يحرم المؤمنين من الاستفادة من التحمل المسبق للعلاجات، زيادة على هزالة التعريفة المرجعية للتعويض عن المرض، والتي لم تتغير منذ إقرارها أول مرة.
وأضاف بعض المتحدثين الذين سردوا تجاربهم المهنية في القطاع العمومي، قبل تقديم استقالاتهم من الوظيفة العمومية، أن الطبيب يعاني أثناء عمله بالمستشفيات من لوم المواطن الذي يصب جام غضبه عليه، ومن الوزارة التي تحرمه من أبسط الشروط المحترمة، بسبب البنيات التحتية المهترئة، ونقص المعدات والتجهيزات، وضعف كتلة الأجور وغياب التحفيزات. ثم بعد انتقاله إلى العمل الحر يتعرض للعتاب المجتمعي، بدعوى “كسب الأرباح”.
وأكد المتحدثون على أن الحقوق الأساسية للمواطن تشمل إضافة إلى الصحة، التعليم، والسكن أيضا، مستغربين لماذا يتم تركيز جهد من النقاش على تعميم مجانية الاستشفاء في المصحات الخاصة؟ دون غيرها من الخدمات الأساسية المنصوص عليها في الدستور، مشددين على أن المطالب يجب أن تتركز على إصلاح المنظومة الصحية، وتحسين القدرة الشرائية للمواطن.
وأضاف المتدخلون على أن القطاعين العام والخاص يتكاملان فيما بينهما، ويجب أن تتحقق بينهما الشراكة لتلبية الطلب المتزايد على الرعاية الصحية، مؤكدين أن تحقيق هذه الشراكة لن تنجح في ظل ميزانية هزيلة لوزارة الصحة، وضعف الحكامة في التدبير المالي، والاستغلال الغير المعقلن للعنصر البشري.
وعبر بعض المتدخلين عن استياءهم من التضييق على الأطباء الذين يرغبون في فتح عيادات ومصحات خاصة، في حين قررت الدولة فتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي، والذي سيهتم حسب تعبيرهم بعروض “السياحة الطبية” بحثا عن الأرباح، ولن “يولي وجه نحو الفئات الهشة من المجتمع”، حسب ما جاء في كلمة الدكتور أمين الوهابي، رئيس المجلس الجهوي لهيئة الأطباء.
من جانب آخر، توقف بعض المتدخلين عن الممارسات الغير المشروعة مثل “الجشع”، وغياب “الضمير الإنساني” في التعامل مع المرضى، مؤكدين على أنهم بدورهم يشجبون التجاوزات التي قد تأتي من داخل الجسم المهني، لكن لا يمكن أن يظل الأطباء رهائن زملاء لهم “عديمي الضمير”، وفق ما جاء على لسان الدكتور الطيب حمضي، رئيس النقابة الوطنية لأطباء القطاع العام.
وفي كلمة له بالمناسبة، انتقد الدكتور أسامة علوي، رئيس النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر، بعمالة طنجة أصيلة، ما أسماها “السياسة المبنية على خطاب شعبوي”، التي قال إن “ظاهرها الرأفة بأحوال المواطن وباطنها الإجهاز على الرعاية الصحية العمومية”، معتبرا أن مشكل الصحة يكمن في السياسات الارتجالية، وتنزيل القرارات الفوقية، وتغيير وزراء الصحة كل فترة قصيرة، مما لا يسمح بسن سياسة إصلاحية.
وأضاف المتحدث أن بُطئ وتيرة إصلاح المنظومة الصحية، يهدد السلم الاجتماعي. وهو ما جعل الأطباء يبحثون بكل الوسائل عن مغادرة المنظومة المختلة، رافعين شعار “الهَربة لمن استطاع إليها سبيلا”، فأزيد من 8 آلاف طبيب مختص هاجروا إلى الخارج، والنزيف لا زال مستمرا، وهو ما يؤدي إلى تعميق الندرة في عدد الأطر الوطنية، حسب قوله.
وتجدر الإشارة إلى الملتقى رصد لأيضا إشكالات خلافية فيما بين أطباء القطاعين العام والخاص، تطرقت إليها مداخلات كل من البروفيسور منتصر الشفشاوني، المدير السابق للمستشفى الجامعي بالرباط، ومستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء، والبروفيسور ياسر السفياني المدير السابق لمستشفى ابن سينا بالعاصمة، والدكتور رضوان السملالي رئيس الجمعية الوطنية للمصحات الخاصة بالمغرب، والدكتور بدر الدين الدسولي، رئيس النقابة المغربية لأطباء القطاع الحر، إضافة إلى البروفيسور عبد الحق خالوق، نائب عميد كلية الطب والصيدلة بطنجة.