الإعلام العربي وتحديات العولمة الأمنية: بين الاستجابة والتحدي

د. سفيان منصوري(أستاذ محاضر) قسم العلوم السياسية – جامعة بومرداس

البريد الالكتروني:   sofiane.mans@outlook.com

أ. رؤوف هوشات (أستاذ مساعد) قسم العلوم السياسية – جامعة باتنة-1

البريد الالكتروني: ra.ouf1991@hotmail.com

 

مقدمة

يواجه الإعلام العربي في عصر العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال تحدياتٍ كبيرة، مرتبطةً أساسًا بالتقدم المعلوماتي السريع وما يُفرزه من آليات جديدة لتكريس الهيمنة (Domination)، وهو ما ساعد على انتشار الخطاب الإعلامي التصادمي بين النخب الفكرية والسياسية والعسكرية الغربية بصفة عامة والأمريكية على وجه الخصوص؛ فقد تصاعد اهتمام وسائل الإعلام الغربية (Western media) بالقضايا العربيةـ الإسلامية منذ تسعينيات القرن الماضي، لتصل إلى ذروتها بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام2001 على الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما أدى إلى ميلاد نُخبة من المثقفين والخبراء المُختصين في الشؤون الجيو- سياسية (Geo-political) والإستراتيجية (Strategy) والأمنية (Security) وإنتاجهم لرسالات إعلامية تم من خلالها تقديم العالم العربي والإسلامي باعتباره العدو الجديد للغرب.

في ظل هذه الظروف، أصبح من الضروري على الإعلام العربي مواجهة العوامل المؤثرة في المنظومة القيمية للدول العربية، فبات لزاما عليه مواجهة ضغط العولمة التكنولوجي (Pressure technological globalization) خاصةً في ظل بروز ما يسميهم فانسان غيسر (Vincent   Geisser) بالمثقفين الإعلاميين أو المُستشرقين الإعلاميين. لهذا وجب البحث عن الآليات الكفيلة لمحاربة كافة الظواهر المُسيئة بطريقة أو بأخرى لقيم الدول العربية، كظاهرة التطرف والإرهاب بجميع تجلياتها، هاته الأخيرة التي تُمثل أحد أهم الانكشافات الأمنية التي تُعاني منها الدول العربية بصفة عامة.

انطلاقا مما سبق ستحاول هذه الورقة البحثية الإجابة عن الإشكالية التالية؛

كيف يُمكن للإعلام العربي أن يواجه تحديات العولمة التكنولوجية والإيديولوجية في ظل عالم مضطرب زادت فيه حدّة تساند الإنكشافات القومية العربية؟

للإجابة عن الإشكالية المذكورة سلفا، سنتطرق للمحاور الآتية:

المحور الأول: الإعلام العربي في بنية نسق العولمة

ثانيا: دور الإعلام العربي في مواجهة الإنكشافات القومية العربية

ثالثا: الإعلام العربي ومواجهة الأزمات: نحو بناء تكاملي لإعلام الأزمات بالوطن العربي

 

 

 

المحور الأول: الإعلام العربي في بنية نسق العولمة

لا شك أنّ موضوع الإعلام[1] ودوره في تنشيط وتغذية الحراك السياسي، أصبح من بين اهتمامات الباحثين خاصة المنتمين إلى حقل العلوم السياسية، وذلك لما يحمله من أهمية بالغة تجسّدت في قُدرته على زرع بذور اللاإستقرار (Instability) أو الاستقرار (Stability) داخل الدول. وفي السياق نفسه؛ يُواجه الإعلام العربي باعتباره سُلطةً لها تأثيراتها على عملية تحريك وتوجيه الرأي الجماهيري للدول العربية مجموعة من التحديات، عُرفت بتحديات ظاهرة العولمة (The challenges of globalization). كل ذلك، في إطار الحذر الإيبستيمولوجي؛ القائم على ربط علاقة ميكانيكية بين تحولات القيم التي يشهدها العالم والطفرة التكنولوجية. حيث يتوجب على الدول العربية عامة  أن تُساير التدفق الإعلامي القوي والكثيف، من خلال توجيه إعلامها بما يخدم مجتمعاتها، وذلك عبر تكييف الواقع مع القيم المعيارية المُعبرة عن المنظومة القيمية للمجتمع العربي ـ المُسلم.

بناءًا على ما سبق، يُؤكد علماء الاجتماع والنفس، أنّ الإعلام بوسائله المُتعددة هو أكثر الوسائل تأثيرًا على عقول وأفكار المُجتمعات، وبذلك فإنه الوسيلة الأولى التي تُشكل اتجاهات الناس نحو المواضيع والمواقف المحلية، القومية، وحتى العالمية. إذ أصبح الإعلام وسيلة تُستخدم في البناء والتنظيم الاجتماعي في شتى مجالات الحياة المُعاصرة سواء في الجوانب الاجتماعية (Social aspects)، الاقتصادية (Economic)، أو السياسية (Political)، وبالتالي الأمنية بكل ما يرتبط بها من مُستويات وأبعاد.[2]

والجدير بالذكر، أنّ تأثير الإعلام قد تزايد في الوقت الراهن، خاصة بعد القفزة الإعلامية في مجال تكنولوجيا الاتصالات (Communication Technology)، وهو ما أسّس لظهور ما يُعرف بمفهوم الإعلام الأمني (Security Media)؛ الذي تتعدد تعريفاته حسب اختلاف وجهات النظر بخصوصه، حيث يرى التوجه الأول أن الإعلام الأمني يُشكل أحد الفروع التخصصية للإعلام، باعتباره فرعًاً من فروع الإعلام المتخصص الذي يهدف إلى إخبار الجمهور أو قطاع معين منه بموضوعات تخص الأمن، وذلك تحت إشراف رجال الأمن أنفُسهم.[3]

والعولمة (Globalization) حسب السياسي ” جيمس روزناو” (James Rosnaw) أحد أبرز علماء السياسة الأمريكيين، تشمل العلاقة بين مستويات متعددة وتركز على تحليل الحالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأيدلوجية، كما تشمل إعادة تنظيم الإنتاج؛ تداخل الصناعات عبر الحدود، انتشار أسواق التمويل، والسلع المستهلكة لمختلف الدول.[4]

ووفقا لهذا المنظور، يواجه الإعلام العربي (Arab media) في ظل التفاعلات المختلفة لظاهرة العولمة، جملة من التحديات الإعلامية الخطيرة التي من شأنها أن تؤثر على الرأسمال البشري العربي (Arab human capital) وذلك لقدرتها على التأثير في الثقافة العربية (the Arabic culture) عبر أدواتها ورسائلها المتطورة، حيث تطرح هذه التحديات تساؤلات هامة وملحة حول مدى قدرة الإعلام العربي على مواجهتها وتحصين الدول من تداعياتها السلبية. والمتتبع لواقع الإعلام العربي يجد أنه إعلام لا يملك أدنى وسائل المناعة التطبيقية التي تمكنه من تفعيل وتطوير آليات دفاعها المهني ضد تحديات العولمة الإعلامية (Media globalization).[5] وفي هذا السياق، قدّمت الدكتورة عواطف عبد الرحمن دراسة بحثية تُبرز من خلالها أهم القضايا التي تواجه الإعلام العربي في الوطن العربي خلال الفترات الراهنة، حيث لخّصت في دراستها سلبيات المشهد الإعلامي العربي الراهن في عدّة تحديات بنيوية إعلامية لعلّ أهمها:[6]

ـ التحدي المهني؛ فبسبب عدم نضج التجربة الديمقراطية في الوطن العربي وسيطرة نمط الدّولة السلطوية على النظم السياسية التي تتبنى أيديولوجيات تقليدية مزيفة، ظهرت في المنظومة المهنية المبلورة للإعلام العربي إشكاليات عدّة أبرزها:

ـ سعي النظم السياسية العربية للسيطرة على مختلف أنشطة الاتصال والإعلام اقتصاديا، سياسياً، رقابياً.

ـ عدم تمتع الإعلاميين العرب بحقوقهم المهنية رغم المبادئ التي تنطوي عليها العديد من الدساتير الموجودة في الدول العربية.

ـ تراجع دور مؤسسات المجتمع المدني وبالأخص الروابط والنقابات والجمعيات الإعلامية

ـ سذاجة تفكير متخذ وصانع القرار السياسي العربي انعكست على مضمون الخطاب الإعلامي العربي الذي تحول لبوق مزعج يترجم أهواء وغايات الطبقة الحاكمة معتمداً في ذلك على طابع انفعالي يميل للمعالجة الجزئية الضيقة.

ـ ضعف تأهيل وتدريس الكوادر الإعلامية العربية.

وما يسعنا قوله، أنّ التحدي المهني لا يُشكل التحدي الوحيد، بل توجد مجموعة أخرى من أبرزها:[7]

ـ انعكاس تداعيات أزمة العقل السياسي العربي على مختلف المكونات المشكلة للأطر الإعلامية العربية؛ حيث أكّد المفكر محمد عابد الجابري[8] عن وجود أزمة في العقل السياسي العربي، تتضح من خلال التركيز على متغيرات “القبيلة، الغنيمة، العقيدة

ـ التحدي التكنولوجي وما يعكسه من تداعيات، خاصة وإننا بتنا في عصر يصعب فيه التمييز بين الإعلام وبين الثورة التقنية في مجال الاتصال والمعلومات.

ـ وجود أزمة ثقافية تتمثل في عجز النخب الثقافية عن صياغة مشروع ثقافي حضاري مستقل في مواجهة المشروع الثقافي للعولمة. هذا طبعاً بالإضافة لحرص النخب الثقافية العربية على التقوقع في مركز ردا لفعل بدلاً من السعي نحو إحداث الفعل العملي البناء والفاعل.

 

ثانيا: دور الإعلام العربي في مواجهة الإنكشافات القومية العربية

شهدت الساحة العربية تفاقما متسارعا لمجموعة من الإنكشافات القومية التي زادت درجة حدّتها مع التحولات الإقليمية ـ خاصة فيما يتعلق بتأثيرات الربيع العربي، والأزمات الاقتصادية المتأصلة بطبيعة التدفقات المالية للعولمة في بعدها الاقتصادي. في خضم كل هذا لعب الإعلام ـ خاصة العربي- دورا حاسما في دفع مجرى هذه التحولات فتارة كان له الدور المحوري في مجابهة هذه الانتكاسات، وتارة أخرى لعب الدور الحاسم في تساندها. بناء على ما تقدم سنركز في هذا المحور من المداخلة على الدور الأول والمتمثل في إسهامات الإعلام العربي في مجابهة الإنكشافات القومية العربية خاصة ما تعلق بالتهديد الإرهابي وصعود تيارات تحاول زعزعت الأمن القومي العربي.

1ـ الإعلام العربي ودوره في مواجهة الخلايا الإرهابية

نعلم  أنّ الدور الذي يلعبه الإعلام في المجتمعات المعاصرة- العربية خاصة-  بات متناميا وصاعدا بشكل لم تشهده البشرية عبر تاريخها ، فالإعلام أصبح المصدر الرئيسي لتشكيل الوعي الجماعي لعموم المواطنين ليس في المنطقة العربية  فقط بل علي مستوي العالم ، وعلي سبيل المثال فإن الولايات المتحدة الأمريكية أنفقت ما يزيد علي ملياري دولار للترويج الإعلامي لغزو العراق ، وإقناع الأمريكين بوجود خطر يهدد البلاد حال استمرار حكم صدام حسين في العراق ، كما تنفق إسرائيل سنويا مئات الملايين من الدولارات للترويج للدولة العبرية علي مستوي العالم وبث دعاية مضادة للعرب، وإذا كانت الأمثلة السابقة تمثل شكلا من أشكال الدعاية الموجهة ، فإن أجهزة الإعلام نفسها – وعلى عكس ما يروج الإعلام الغربي – تخضع لرقابة مشددة في أوقات الأزمات والحروب ، فخلال غزو أفغانستان والعراق تم إخضاع المواد المنشورة في الصحف والمحطات التلفزيونية إلي رقابة مباشرة من وزارة الدفاع الأمريكية ” البنتاجون” والمخابرات المركزية الأمريكية ، أما في إسرائيل فإن جهاز المخابرات “الموساد” وجهاز الأمن الداخلي “شين بيت”، يكاد يكون المسيطر الأوحد علي وسائل الإعلام خاصة فيما يتعلق بالنواحي العسكرية والأمنية وقضية الصراع العربي الإسرائيلي.[9]

وهكذا فإن الإدراك الواضح لأهمية الإعلام وخطورة رسالته التوعوية يمثل حجر زواية في الإستراتيجية العامة للدول العربية ، خاصة في وقت الأزمات والحروب ، ومن هنا فإننا وفي إطار ما يواجه البلدان العربية من حرب حقيقية ضد الإرهاب فإن العنصر الإعلامي يصبح لاعبا رئيسيا في المواجهة الشاملة ، وللأسف الشديد فإننا في الساحة العربية نشهد شكلا من أشكال الفوضى الإعلامية في التعامل مع قضية الإرهاب ، فما زالت معظم المحطات التليفزيونية تقدم أراء مؤيدة للخلايا الإرهابية تحت دعوي الموضوعية وحرية التعبير، وما زال الأعمال التخريبية التي يقوم بها أنصار الجماعة وحلفائها محط تغطية واسعة من وسائل الإعلام المختلفة مما يصور الجماعة وكأنها تسيطر علي الشارع العربي خلافا للواقع والحقائق[10].

من هنا يمكن أن نقدم مجموعة من العناصر التي يساهم الإعلام العربي عن طريقها في مواجهة الإرهاب بالمنطقة العربية والمتمثلة في: [11]

ـ التكوين الثقافي للمواطن العربي: من خلال تكوين المواطن تكويناً واعياً، بحيث يكون أكثر قدرة على الفهم ومن ثم يصبح سلوكه معبراً عن عمق إيمانه بقيم الفضيلة في المجتمع وتعلقه بالمثل العليا ويؤكد بعض علماء علم الإجرام أن ارتفاع نسبة التعليم يقلل من نسبة الجريمة، ولذا يجب أن يهتم بالتكوين الثقافي للفرد بمفهومه الاشمل بحيث يشمل بناء المثل العليا والإحساس بالمسؤولية الأخلاقية وتعميق قيم الخير.

ـ تنمية الوعي والسلوك الديني: وهو علم هام في تكوين شخصية اجتماعية، مع تعزيز مكانة الفضيلة في السلوك – باعتبار أن النفس بطبيعتها تميل نحو الفضيلة – ويمكن أن تسهم وسائل الإعلام بطريقة إيجابية من خلال تمجيد الفضيلة ونبذ كل أنواع الانحراف باعتباره وسيلة هامة للتوعية.

ـ احترام حقوق الإنسان: حيث يعتبر احترام حقوق الإنسان من أهم وسائل الوقاية من الجريمة، فإذا شعر بالظلم اندفع بغير وعي للتعبير عن رفضه لذلك الظلم، وهو في اختياره للسلوك الإجرامي إنما يعبر عن حالة نفسية تجسد معاناته، ولا يجد وسلة للتعبير عن تلك المعاناة سوى بالانحراف والاتجاه نحو الجريمة، ومن ثم كان احترام حقوق الإنسان من أهم الوسائل المفيدة التي يمكن أن تساهم في تطويق ظاهرة العنف.

 

2ـ دور الإعلام العربي في مواجهة التيارات المتطرفة:

 في مواجهة التطرف لا بد في البداية الاعتراف بالنجاحات المذهلة التي حققها المتطرفون في اجتذاب أعداد كبيرة من الشباب، ليكونوا عناصر فاعلة في تنظيماتهم. وقد يكون من أهم عوامل هذا النجاح كفاءتهم العالية في استثمار شبكة الإنترنت، وما تتيحه مواقع التواصل الاجتماعي بالذات من إمكانات مفتوحة لتوجيه الرسائل، والتلاعب بالعقول والأدمغة. ويكمن الدور الحقيقي للإعلام العربي في مواجهة التيارات الراديكالية المتطرفة في؛ تعزيز حركة البحث العلمي في مجال الاتصالات الفضائية والاستفادة من الخبرات الوطنية في هذا المجال، وتوعية المواطنين العرب بواسطة وسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية كالمدرسة أو النوادي أو الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية .كذلك يلعب الإعلام العربي دورا رائدا في تفعيل منظمات المجمع المدني العربي سواء كان محليا أو إقليميا في ترسيخ القيم العربية وتحسيس الشعوب العربية من خطر التيارات المعادية للعرب[12]. وضرورة بناء الخطط الإعلامية من واقعنا الإعلامي والأمني وعدم استخدام قوالب جاهزة من الخارج لاختلاف طبيعة المجتمعات ، فمواجهة التطرف هي معركة ثقافية ويجب أن تكون موحدة مع كافة الأقطار العربية ولا تقتصر على دولة دون أخرى.[13]

ثالثا: الإعلام العربي و مواجهة الأزمات: نحو بناء تكاملي لإعلام الأزمات بالوطن العربي

 تعد المنطقة العربية من أكثر المناطق توتراً في العالم فقد شهدت في العقود الأخيرة العديد من الحروب والصراعات والخلافات السياسية والتي كانت مادة دسمة لوسائل الإعلام الأجنبية والعربية على حد سواء، فمع حرب الخليج الثانية عام 1991 انفردت قناة الـ CNN الأمريكية  بالتغطية ولم يكن هناك سوى الصوت والصورة الأمريكية للحرب وضاع الصوت العربي ومن ثم الرؤية العربية للحرب، أما في حرب الخليج الثالثة فقد نشطت الفضائيات العربية بشكل ملحوظ وأ ثبتت مصداقيتها إلى حد كبير، مثل الجزيرة وأبوظبي وغيرها في التغطية الإعلامية وأصبحت القنوات الأمريكية والغربية تنقل لأول مرة في تاريخها عن القنوات العربية كما حدث في حرب أفغانستان وبث رسائل بن لادن زعيم تنظيم القاعدة التي خص بها قناة الجزيرة  وبذلك أصبحت القنوات الفضائية العربية تعمل بشكل مستقل عن المصادر

الإخبارية العالمية، وصار للفضائيات العربية مراسلون في الخطوط الأمامية للحرب مما أعاد التوازن لعملية التدفق الإخباري وأكسب تلك القنوات صبغة عالمية وليست عربية وإقليمية فقط.[14]

لكن مع تعامل وسائل الإعلام العربية وبخاصة الفضائيات العربية  مع الأزمات ولاسيما الحروب وقع الإعلام العربي في أزمة أو لنقل أكثر من أزمة تجلت مظاهرها في المبالغة والتهويل في وصف الأحداث أو السياق الذي ترد فيه  والانتقائية  للقضايا والموضوعات والمواقف تبعاً لمصلحة القوى الفاعلة في الأزمة والوقوع أحياناً في فخ التشخيص الإعلامي الذي يزكي نمطاً معيناً في تعامله مع الأحداث والتركيز على الشخوص والزعامات دون التركيز على الحدث أو الوقوع في فخ أخطر وهو التبعية الإعلامية سواء للسلطة السياسية في الداخل أو للقوى المسيطرة على الأحداث والمعلومات على المستوى الدولي  فالاستقلالية شرط أساسي -في رأينا- في تقديم تغطية تحترم عقل  المتلقي العربي ولا تضلله ومن دون هذا الشرط من الصعب أن تكون موضوعياً ومتوازناً في عرض المعلومات وتفسيرها فحق المتلقي في المعرفة حق أصيل يجب أن يضعه كل إعلامي يحترم مهنته نصب عينيه وأن يعلو هذا الحق على أي مصلحة أخرى.[15]

في النهاية يجب التأكيد أنه في وقت الأزمات تكون وسائل الإعلام أمام اختبار حقيقي، ففي تلك الأوقات من الطبيعي أن يزداد اعتماد المتلقي العربي عليها وقد نجحت وسائل الإعلام العربية ولا سيما الفضائيات العربية إلى حد كبير في هذا الاختبار بالرغم مما شاب أداءها من بعض أوجه القصور وبخاصة غياب التنسيق فيما بينها فقد أدت المنافسة فيما بينها أحياناً إلى تخبط المتلقي العربي وتشويه الحقائق وتقديم تغطيات مجزأة لا تنقل الصورة بشكلها الأوسع  فوسائل الإعلام يجب أن تكون  مرآة للحقيقة لدى المشاهد العربي فهي عين المشاهد الثالثة التي يجب أن تنقل الحدث وتفسره كما هو وأن يكون ولاؤها الأول والأخير له.[16]

ثالثا: آفاق الإعلام العربي على ضوء تحديات العولمة

إن التحديات والظروف الإقليمية والدولية التي تحيط بالوطن العربي والمؤامرات التي تحاك ضده تلقي مسؤولية جسيمة على وسائل الإعلام من وجوه: أن يقدم الإعلام العربي المضمون الهادف الذي يدعم الثقافة العربية المشتركة.العمل على التقليل من وجود ونمو الثقافات الفرعية لأننا سنجد الثقافة العربية وقد تم تفتيتها إلى عدد لا حصر له من الثقافات التي تفقد بالتالي النظام العربي أصالته ووحدته التقليل من عناصر الاختلاف التي أذكتها عوامل متعددة داخلية وخارجية والتي تنذر بوجود خلل في التراكيب الثقافية في الوطن العربي.[17]

إن أول ما على أجهزة الإعلام أن تفعله الآن هو التكاتف مع غيرها من المؤسسات الإعلامية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم العربي وأن تضع سياسات إعلامية وخطوطا عريضة تعمل بموجبها على أن لا يكون التنوع الثقافي مجرد اختراق لهذا المجتمع سواء كانت مصادر هذا الاختراق نتيجة تآمر داخلي أم خارجي. إن تعاطي الأمة مع المتغيرات الإعلامية الدولية لم يكن إلا سلبا وإذا لم نتنبه إلى ذلك يمكن أن يكون الطريق ممهدة لانتصار المشاريع البديلة عبر تفكيك مفهوم الأمة وإعادة هيكلة الوطن العربي بما يتناسب مع تصورات العرب ومخططاتهم من هنا فان العولمة الإعلامية لا تستهدف قطرا عربيا واحدا بل مجموع الأمة لذا فان معركة الوجود الواحد تستدعي الإحساس بالمصير الواحد وتدفعنا للتكتل في مواجهة العولمة من منطلق العقلانية والاستنارة مع مجموع المعطيات التراثية لشعبنا العربي في مواجهة تلك الظاهرة والتي تتلخص في:[18]

* الدعوة إلى مبادرة عربية حول الإصلاحات السياسية والاقتصادية، من خلال:

ـ إجراء بعض التعديلات على القانون المدني وعلاقات العمل بين البلدان العربية على الصعيد الثقافي أو التجاري فقط.

ـ طرح وصياغة برامج تلفزيونية تعمق الشعور الوطني العربي وتحفز على التضامن والتقارب بين الأقطار العربية.

ـ عدم ترك الأمة في مرحلة من الانعدامية والعطالة الإعلامية مما يؤدي إلى الشلل والتخلف الحياتي من جديد.

ـ التصدي لبرامج تشوه صورة الروح العربية و الضمير العربي والمخيلة والذوق واللسان العربي عبر مسخ الثقافة العربية التي هي جوهر الحضارة.

ـ التوكيد على أن العرب في حقيقتهم الكبرى أمة حضارية أصيلة تمتلك روح التطور والإبداع الحقيقي.

ـ القدرة على حماية مدخراتها من الخبرات وما عانته من هجرة وتغريب للكفاءات العلمية
إن الأمة عبر كل تاريخ تمتلك القدرة على وضع الاستراتيجيات المناسبة والتي لم تزل تمتلك نبض التواصل والاستمرار في معركة الوجود ضد ظاهرة العولمة الإعلامية في تجلياتها الحاضرة والتي تستهدف أمنهم القومي..

خاتمة

من خلال ما سبق يتبين لنا أنّ الإعلام العربي يواجه مجموعة من التحديات الكبيرة في ظل العولمة، هذه الأخيرة التي تتميز بسرعة نقل المعلومات وسهولة تمرير الدعايات نظرا لتميزها بتطور العامل التكنولوجي الكبير. علاوة على ذلك،  واكب دخول الألفية الثالثة ظهور الكثير من الأزمات الأمنية في المنطقة العربية، والتي اتخذت من ظروف الإعلام المُعولم أداةٌ لتغذيتها وتعميق حجمها؛ كظاهرة التطرف وما يُشبهها من ظواهر ناتجة عن سوء بناء العلاقة بين الدول العربية ومجتمعاتها. لذلك، وجب على الدول العربية مجتمعة إعادة هيكلة إعلامها بما يخدم مصالحها ومصالح مجتمعاتها، وذلك منن خلال وضع سياسات إعلامية وخطوطا عريضة موحدة تعمل بموجبها على دحر كافة التهديدات التي تمس أمن الدول العربية بجميع أبعاده وفي كل مستوياته.  

 

قائمة المصادر والمراجع:

1)-  أميرة عبد الله جاف، مفهوم الإعلام الأمني وأهمية دوره في المجتمع”، مشاهد: http://machahid24.com/culture/140610.html .

2)- وجدي حلمي عيد عبد الطاهر، دور وسائل الإعلام الحديثة في التوعية ومواجهة الأزمات الأمنية، أم القرى، تم التصفح، 04/02/2017: https://www.researchgate.net/publication/309195835_dwr_wsayl_alalam_alhdytht_fy_altwyt_wmwajht_alazmat_alamnyt

3)- غليون برهان، “التنمية الثقافية العربية بين التبعية والانغلاق”، مجلة الوحدة، (ع92)، القاهرة (1992)، ص. 14:

 http://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-03-2010-dafatir/449-2013-04-30-15-41-47

4)- عز الدّين اللواج، “الإعلام العربي وتحدي العولمة”، الحوار المتمدن، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=83934  5)- ميرفا سليمان، ” الإعلام والإرهاب: إستراتيجية المواجهة”، ملفات خاصة، العدد:125، ( 12، جانفي، 2014). متحصل عليه من:

http://anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=86425

6)- م. عمر موقدي، ” دور وسائل الإعلام العربي في مواجهة الإرهاب والتطرف”، مجلة دنيا الوطن، (07/02/2016): https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2016/02/07/393351.html

7) Lieven PAUWELS, Comprendre et expliquer le rôle des nouveaux medias sociaux dans la formation de l’extrémisme violant, Belspo, (2014) :P.03.

8)- مقال من دون مؤلف، إعلام الأزمات في الوطن العربي”، المجلة العربية، العدد: 448،( فبراير 2016): متحصل عليه من:

http://www.arabicmagazine.com/arabic/ArticleDetails.aspx?id=351

9) franck Mermier, Mondialisation et nouveaux medias dans l’espace arabe, Communication, (2007) :In; https://communication.revues.org/392

10) – Alain Moudou, , Rapport mondial sur la communication,

(2007) : P.P.07.08 Les medias face aux nouveaux défis des nouvelles technologies.



[1] تتعدد التعريفات بخصوص الإعلام، إذ يرى البعض أنه عملية الإخبار؛ أي نقل الرسالة من جهة إلى أخرى من خلال أداة أو وسيلة من وسائل الاتصال الجماهيري التي تجعل عملية الاتصال لا تتجه إلى شخص معين وإنما إلى جمهور متسع ومن ثم فالإعلام في جوهره هو شكل من أشكال الاتصال. وهناك رأي آخر يقول بأن الإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة التي تساعدهم على تكوين رأي صائب بصدد واقعة معينة أو مشكلة من المشكلات حيث يعبر هذا الرأي تعبيرًا موضوعيًا عن عقلية الجماهير واتجاهاتهم وميولهم، وهو ما يعني أن الإعلام يقوم بالإقناع عن طريق المعلومات والأرقام والإحصاءات والحقائق، فالإعلامي ليس له غرض معين فيما ينشره أو يذيعه على الناس فهو يقدم حقائق مجردة وهذا ما يميزه عن رجل الدعاية للمزيد أنظر: أميرة عبد الله جاف، مفهوم الإعلام الأمني وأهمية دوره في المجتمع”، مشاهد: http://machahid24.com/culture/140610.html .

[2] وجدي حلمي عيد عبد الطاهر، دور وسائل الإعلام الحديثة في التوعية ومواجهة الأزمات الأمنية، أم القرى، تم التصفح، 04/02/2017: https://www.researchgate.net/publication/309195835_dwr_wsayl_alalam_alhdytht_fy_altwyt_wmwajht_alazmat_alamnyt

[3] أميرة عبد الله جاف، مرجع سابق، الصفحة نفسها.

[4] غليون برهان، “التنمية الثقافية العربية بين التبعية والانغلاق”، مجلة الوحدة، (ع92)، القاهرة (1992)، ص. 14:

 http://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-03-2010-dafatir/449-2013-04-30-15-41-47

[5] عز الدّين اللواج، “الإعلام العربي وتحدي العولمة”، الحوار المتمدن، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=83934 

[6] المرجع نفسه، المكان نفسه.

[7] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[8] ولد محمد عابد الجابري نهاية عام 1935 في مدينة فكيك شرقي المغرب، وارتقى في مسالك التعليم في بلده، حيث قضى فيه 45 سنة مدرسا ثم ناظر ثانوية ثم مراقبا وموجها تربويا لأساتذة الفلسفة في التعليم الثانوي، ثم أستاذا لمادة الفلسفة في الجامعة.، حصل عام 1967 على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة، ثم دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 من كلية الآداب التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وعمل أستاذا للفلسفة والفكر العربي والإسلامي بالكلية نفسها.انخرط الجابري –الذي أعلنت اليوم الاثنين وفاته في مدينة الدار البيضاء المغربية- في خلايا المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي للمغرب بداية الخمسينيات من القرن الماضي, وبعد استقلال البلاد اعتقل عام 1963 مع عدد من قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما اعتقل مرة ثانية عام 1965 مع مجموعة من رجال التعليم إثر اضطرابات عرفها المغرب في تلك السنة. كما كان قياديا بارزا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فترة طويلة، قبل أن يقدم استقالته من المسؤوليات الحزبية في أبريل/نيسان 1981، ويعتزل العمل السياسي ليتفرغ للإنتاج الفكري. وكان له أيضا نشاط في المجال الإعلامي، حيث اشتغل في جريدة “العلم” ثم جريدة “المحرر”، وساهم في إصدار مجلة “أقلام”، وكذا أسبوعية “فلسطين” التي صدرت عام 1968.  من أهم مؤلفاته: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، وهو نص أطروحته لنيل الدكتوراه- من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية- نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي- الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية- تكوين العقل العربي- بنية العقل العربي- إشكاليات الفكر العربي المعاصر المسألة الثقافيةـ المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية، محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد- مسألة الهوية: العروبة والإسلام… والغرب- الدين والدولة وتطبيق الشريعة- المشروع النهضوي العربي- الديمقراطية وحقوق الإنسان- قضايا في الفكر المعاصر (العولمة، صراع الحضارات، العودة إلى الأخلاق، التسامح، الديمقراطية ونظام القيم، الفلسفة والمدينة)- التنمية البشرية والخصوصية السوسيوثقافية: العالم العربي نموذجا- وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر- العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية. للمزيد حول التعريف بالشخصية، أنظر: محمد عابد الجابري .. سيرة مفكرة: http://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2010/5/3/

 

 

[9] – ميرفا سليمان، ” الإعلام والإرهاب: إستراتيجية المواجهة”، ملفات خاصة، العدد:125، ( 12، جانفي، 2014). متحصل عليه من:

http://anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=86425

[10] – نفس المرجع.

[11] – م. عمر موقدي، ” دور وسائل الإعلام العربي في مواجهة الإرهاب والتطرف”، مجلة دنيا الوطن، (07/02/2016): https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2016/02/07/393351.html

[12] Lieven PAUWELS, Comprendre et expliquer le rôle des nouveaux medias sociaux dans la formation de l’extrémisme violant, Belspo, (2014) :P.03.

[13] – Ibid.

[14] – مقال من دون مؤلف، إعلام الأزمات في الوطن العربي”، المجلة العربية، العدد: 448،( فبراير 2016): متحصل عليه من:

http://www.arabicmagazine.com/arabic/ArticleDetails.aspx?id=351

[15] – المرجع نفسه.

[16] المرجع نفسه.

[17] franck Mermier, Mondialisation et nouveaux medias dans l’espace arabe, Communication, (2007) :In; https://communication.revues.org/392

[18]Alain Moudou, Les medias face aux nouveaux défis des nouvelles technologies, Rapport mondial sur la communication, (2007) : P.P.07.08.