الجريدة الأوروعربية للصحافة
بريس ميديا

استخدامات صحافة التشهير ومخاطر دورها الوظيفي

محمد الراجي

 

 

يُلاحظ المتابع للمشهد الإعلامي المغربي بروز ظاهرة شاذة وغير مألوفة في التاريخ الحديث للصحافة اصْطُلِح عليها بـ”صحافة التشهير” التي تحترف نشر فيديوهات وصور لما تعتبره فضائح جنسية؛ يُمثِّل اطلاعُ الرأي العام على محتواها خبرًا مقدسًا لديها. ويمتهن هذا “النمط الصحفي” أيضًا القذف والسب والشتم والتجريح والتشويه في حق من تَزِلُّ، أو تُزَلُّ، قدمه في هذه الفضائح، فضلًا عن النبش في الحياة الخاصة للأفراد، وكان آخرهم المحامي محمد زيان، الأمين العام للحزب المغربي الليبرالي ووزير حقوق الإنسان الأسبق، الذي ظهر في “فيديو جنسي” مع إحدى موكلاته نُشِر بموقع إلكتروني. وقبل هذه القصة، تجنَّد بعض “الصحف” (المنشورات) للتشهير بعدد من الصحفيين (توفيق بوعشرين، وسليمان الريسوني، وهاجر الريسوني، وعمر الراضي…) بعد تحويل محاضر الشرطة القضائية إلى دليل جرمي ضدهم والترويج لاتهامات النيابة العامة، بل ومحاكمة هؤلاء الصحفيين على صفحات تلك المنشورات ومنصات المواقع الإلكترونية، وإصدار “الفتاوى” والأحكام لإدانتهم قبل أن يبتَّ القضاء في ملفاتهم، كما شَحَذَت أقلامَها لتشويه سمعة بعض الفاعلين الحقوقيين (المعطي منجيب)، ولم يسلم من تشهيرها حتى المواطنون العاديون.

وفي سياق الجدل الذي أثاره هذا النمط من “الصحافة” اليوم بين المهنيين والمهتمين بحقل الإعلام، وفي منصات التواصل الاجتماعي، تَبْرُز مجموعة من الأسئلة الإشكالية إعلاميًّا وفكريًّا وحقوقيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا بشأن الدور الوظيفي لهذا النمط الصحفي التشهيري ومخاطر استخداماته وتحوُّله إلى نموذج صحفي سائد يتلقى الدعم العمومي؛ إذ بدأ انتشاره يتعاظم منذ أوائل العام 2011 تزامنًا مع الاحتجاجات التي قادتها حركة 20 فبراير/شباط، وتُجسِّده منابر ومواقع إلكترونية معلومة. فقد أصبح هذا النمط نموذجًا سائدًا لـترويج الخطاب الفضائحي، و”التطبيع” مع ما يمكن تسميته بـ”الثقافة الفضائحية” التي تنتهك المنظومة القانونية بأبعادها المختلفة.

إذن، كيف أصبح هذا النمط الصحفي التشهيري بوظيفته الفضائحية نموذجًا سائدًا؟ هل الدعم المالي العمومي الذي تتلقاه هذه المنابر يُمثِّل دَفْعًا وإسنادًا لمَأْسَسَة نموذجها التشهيري؟ هل “الثقافة الفضائحية”، التي يُنتجِها هذا النموذج ويُروِّج لها، تستجيب لاحتياجات المتلقي السياسية والاقتصادية والحقوقية والاجتماعية والثقافية؟ لماذا يجعل الثقافة الفضائحية خطابًا مُهَيْمِنًا مَالِئًا للمجال العام وشاغلًا للناس بينما تتفشى الأمية في ربوع المملكة بنسبة 32%؟ ما الجهة أو الجهات التي تستفيد من هذا النموذج التشهيري؟ هل يمكن لنموذج “الصحافة الفضائحية” أن يُسهِم في بناء ما سُمِّي بـ”المشروع الحداثي الديمقراطي” الذي يُمثِّل في نظر البعض علامة “الاستثناء المغربي”؟

أسئلة إشكالية كثيرة يطرحها نموذج “صحافة التشهير”، وقد لا تسمح هذه الزاوية بمقاربتها تفصيلًا وعمقًا؛ حيث أشارت آراء وتحليلات كثيرة أيضًا إلى أهداف هذا النمط الصحفي، وعلاقاته ببعض الدوائر الأمنية التي تُوظِّف وسائطه وأدواته سلاحًا في حروبها مع الأفراد “المغضوب عليهم”، والأصوات الصحفية المزعجة لسياسات السلطة، من أجل دَمْغِهم بعلامة “الفضيحة الجنسية” لتشويه السمعة و”البَهْدَلَة” ثم “الاغتيال أو الإعدام الرمزي”، وحُجَّتُها (التحليلات) في ذلك أن “الفيديوهات الجنسية” التي تُصوَّر داخل غرف مغلقة لا يمكن الوصول إليها إلا بعلاقات مع جهات تملك مفاتيح ترتيب تلك الغرف لاستكمال المشهد الفضائحي. كما أن هذه المنابر ما كان لها أن تتجرَّأ وتنشر هذا الفيديو الجنسي أو تلك الصور إلا بإذن الجهة التي تملك الحق الحصري في التصوير من وراء حجاب.

ولا يبدو المشهد الإعلامي المغربي استثناء في هذا المجال؛ فقد لاحظنا خلال فترة الرئيس المخلوع، حسني مبارك، كيف كانت الأجهزة الأمنية تُوظِّف بعض المنابر للقضاء على خصومها السياسيين والرموز الدينية عبر الاغتيال الرمزي لشخوصهم (عبد الحليم قنديل، قصة “الراهب المشلوح”…). وقد تطور هذا النمط الصحفي التشهيري ليصبح نموذجًا مُهَيْمِنًا على المشهد الإعلامي المصري بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدني منتخب، محمد مرسي؛ حيث بسطت الأجهزة الأمنية والعسكرية نفوذها على تفاصيل هذا المشهد عبر شراء أصول وسائل الإعلام من المنبع في محاولة للوصول إلى مستوى الاصطفاف الإعلامي وصناعة الإجماع أو الإذعان لمشروع الانقلاب. وكلما بدأ الموالون له يخرجون عن خطوط الدائرة المرسومة تخرج وسائل الإعلام بدورها لتصفيه الحساب مع هؤلاء (خالد يوسف، مرتضى منصور…) وتشويه سمعتهم وشَيْطَنَتِهم من أجل عزلهم اجتماعيًّا وسياسيًّا ليصبحوا منبوذين.

ويهمنا في هذه الزاوية أن نشير إلى ثلاث نقاط أساسية:

أولًا: صحافة التشهير، التي تقوم بوظيفة نشر “الثقافة الفضائحية” وبأدوار “تحت الطلب”، تتلقى حتى اليوم دعمًا ماليًّا عموميًّا، وهو ما يعني دعمًا لنموذج و”صناعة صحفية تشهيرية”، وتشجيعًا لثقافة فضائحية، وأيضًا تصديقًا على “شهادة حُسن السيرة المهنية وسلوك الممارسة التشهيرية” لهذا النمط من المنابر والمواقع الإلكترونية، التي تعمل من دون ضوابط مهنية وأخلاقية ولا حتى أبسط القواعد الحاكمة للعمل الإعلامي التي تحفظ للأفراد حياتهم الخاصة وتكفل لهم حق الرد. وإذا كان التطبيع يجرى الآن مع هذا النموذج و”وظيفته الثقافية”، فينبغي أن ندرك خطورته؛ إذ ربما يكون أقل كُلْفَة بالنسبة للجهات التي تُوظِّفه، لكن سيكون من دون شك مُكَلِّفًا للمجتمع والدولة معًا على المدى البعيد، لماذا وكيف؟ باعتباره سيكون مسؤولًا بجانب مؤسسات أخرى، سواء كانت تَغُضُّ الطرف عنه أو تدعمه، عن خلق أُطُر فكرية ونفسية فضائحية في بنية المجتمع تُكيِّف نظرة المتلقي للواقع، وفهمه للمشاكل والقضايا المجتمعية والسياسية والاقتصادية، وتُنْشِئ هذه الأطر تحديدات مشتركة لمعاني الأشياء والشخوص والرموز ومعايير تصنيف الخير والشر، وتُحدِّد وجهة نظره وموقفه منها، بل وتُحدِّد تصرفات وسلوك المتلقي تجاه الآخرين الذين تَنْشُر قصصهم وفضائحهم، وقواعد الحياة الاجتماعية للتعامل مع هذه القضايا، مما يجعله تحت رحمة هذه الثقافة لتحقيق إشباعاته في “التشهير والمعرفة بفضائح السياسيين والصحفيين والحقوقيين”؛ حيث تُجسِّد هذه المنابر قانون القرب في الحياة الخاصة للأفراد وعلاقاتهم الحميمية. في المقابل، لن تكون الجهات التي ترعى هذا النموذج وتدعمه وتوفر له الحماية بمنأى عن تأثير ثقافته في دوائرها؛ إذ سيكون أيضًا “سلاحًا فتَّاكًا” في أيدي بعضها لتصفية الحسابات بين مراكز النفوذ أو طلبًا لتسلُّق هرم السلطة ومنافعها، وهو ما يُنْذِر بالفوضى في البنية المؤسسية لأية سُلطة.

ثانيًا: في سياق الوظيفة المنوطة بصحافة التشهير؛ يقوم هذا النموذج بدور فعَّال في بناء أجندة المجتمع، أي: ترتيب أوليات الاهتمامات السائدة لدى أفراد المجتمع؛ فمن خلال التعرُّض لأخبار الفضائح والفيديوهات الجنسية لمن تَزِلُّ قدمه، أو تُزَلُّ، في هذه الفضائح، يصبح التفكير مُنْقادًا في الاتجاه ذاته؛ ذلك أن الحملات الإعلامية المُمَنْهَجَة لهذه المنابر إذا لم تنجح في توجيه المتلقي لطريقة التفكير، فإنها تنجح بشكل كبير في توجيه الجمهور للشيء الذي يجب أن يُفكِّروا فيه، فتُوحِّد ثقافته مما يجعل الخروج منها أمرًا صعبًا. وهو ما ترغب فيه الجهات التي تدعم هذا النموذج وتسمح له بالتمدد والانتشار دون حسيب أو رقيب ما دام يُمكِّنها من تحقيق أهدافها في “طَحْنِ” أو “فَرْمِ” من يتجاوز حدوده أو يسمح لنفسه بـ”إطالة اللسان” على الرموز وانتقادها. لذلك، فإن وظيفة هذا النموذج تتجاوز تحويل انتباه الجمهور وصرف انتباهه في ظل ظروف سياسية معينة نحو فضيحة جنسية أو موضوع آخر في مثل أهمية الموضوع الذي يثير جدلًا سياسيًّا أو حقوقيًّا أو أكثر أهمية منه، لِيُرَاهِن على قَوْلَبَة الفكر والوعي.

ثالثًا: عندما يكون المجال العام مُسْتَغْرَقًا بهذا النموذج التشهيري الفضائحي يتدهور مستوى الذوق العام، وتتشكَّل ثقافة اتصالية مُؤَطَّرة بحدود الخطاب السائد تُعَزِّز بدورها تكوين تربة خصبة لنواة مجتمع يُصْبِح ويُمْسِي على الفضائح الجنسية. وهنا، تتمثَّل خطورة هذا النموذج الذي ينشغل بقضايا قد لا تُمثِّل أولوية للمتلقي، ويسكت عن القضايا الأساسية والكبرى التي تمسُّ الحياة اليومية للمواطنين وتُؤثِّر مباشرة في مستقبلهم. لذلك يُعوِّق ويُعطِّل هذا النموذج التشهيري الفضائحي أَيَّة محاولة لخلق نموذج صحفي تنويري يهدف إلى “تمكين” الجمهور وتسليحه بالوعي بحقيقة أوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويضمن استقلال مصادر المعرفة وحريتها من القيود والوصاية التي يمكن أن يمارسها الأفراد أو المؤسسات والشركات التجارية الكبرى أو الأجهزة الأمنية، ومعالجة هذه المعرفة دون توجيه مضمونها أو تزييف حقائقها أو أَدْلَجَتِها باعتبارها قضية أخلاقية أولًا تصبح اعتقادًا بتوافر الشروط المهنية والضوابط الحاكمة للممارسة الإعلامية.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك تعليقا
العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol