قانون حقوق الانسان

نزار أيوب بريس ميديا

محامي وأكاديمي وباحث في القانون الدولي من الجولان السوري المحتل

يُعدّ القانون الدولي لحقوق الإنسان أحد فروع القانون الدولي المعاصر الذي يضمن حماية حقوق الأفراد والجماعات من انتهاكات الحكومات لهذه الحقوق المكفولة دوليًّا، ويسهم في تطويرها ورفع مستواها. وحقوق الإنسان والحريات الأساسية ملازمة للذات والشخصية الإنسانية، ويقع على عاتق الدول والمجتمع الدولي واجب حمايتها، والرفع من شأنها.

 

وعلى الرغم من الأشياء المشتركة التي تجمع بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إلا أنهما مختلفان في تطبيقهما. ففي حين تعنى أحكام الأول بحماية ضحايا النزاعات المسلحة -الدولية وغير الدولية- والتخفيف من المعاناة التي تلحق بهم، فإن الثاني يتضمن جملة من القواعد الهادفة لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية من انتهاكات السلطات والدول وقت السلم والحرب.

 

يولي كثيرٌ من ناشطي حقوق الانسان والفقهاء المعاصرين مكانة خاصة ومميزة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويدرجونه في مقدّم فروع القانون الدولي المعاصر، لإيمانهم بأنه يسمو فوقها جميعاً، وبأنه يسبقها في التطبيق ويتقدم عليها، وينحّيها جانبًا في حال تعارضت معه.

 

كانت القواعد الوضعية لحقوق الانسان من اختصاص المشرّع الوطني، إضافة إلى إدخالها في صلب الدساتير والتشريعات الداخلية للدول. وبدأ المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية في وضع معايير على صورة اتفاقات ومواثيق دولية لحماية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وبات متعارفاً على تسميتها الحماية الدولية لحقوق الإنسان. وقد دشن ذلك خروج حماية حقوق الإنسان من دائرة سيادة الدول واختصاصها المطلق، لتأخذ بعداً دولياً، يملي على أعضاء المجتمع الدولي والدول والحكومات والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان التزاماً يقضي بحماية حقوق الانسان وحرياته الأساسية والدفاع عنها.

 

وقد مثّل إنشاء هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945، بداية مرحلة جديدة على صعيد توفير الحماية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وضُمِّن ميثاق المنظمة الدولية نصوصاً تكفل تعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، من دون تفرقة لأي سبب كان كالجنس أو العنصر أو اللغة أو الدين. وتلا هذه المرحلة إبرام المجتمع الدولي عددًا من الاتفاقات المعنية بحماية حقوق الإنسان، وإنشاء أجهزة رقابة لضمان إعمال هذه الحقوق.

 

ومن ضمن الاتفاقات والمواثيق التي أبرمها المجتمع الدولي في هذا الخصوص، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، والبروتوكول المضاف إليه، ويعطي الأفراد العاديين حق التظلم من دولهم أمام لجنة حقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، واتفاق حقوق الطفل لسنة 1989، واتفاق القضاء على جميع صور التمييز العنصري لعام 1965، واتفاق القضاء على جميع صور التمييز ضد المرأة، إضافة إلى عشرات الاتفاقات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق فئات محددة كالعمال، والمعوقين، والنساء، والأطفال، والمسنّين.

 

  1. تطبيقات قانون حقوق الانسان

هنالك إجماع حول لزوم سريان المعايير الدولية لحقوق الإنسان في أوقات السلم، في حين يثور الخلاف في شأن تطبيقها أثناء النزاعات المسلحة وما ينشأ عنها من حالات احتلال حربي؛ فهنالك من يقول بوجوب سريان القانون الدولي لحقوق الإنسان في أوقات الحرب، وعدم اقتصار تطبيقها على أوقات السلم، وآخرون يرون أن سريان القانون الدولي لحقوق الإنسان يجب أن يقتصر على حالات السلم فحسب، ولا ينطبق على النزاعات المسلحة وحالات الاحتلال الحربي لأن هذه المسألة تدخل ضمن اختصاص القانون الدولي الإنساني ومهمّاته.

 

وقد أقر في مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان المنعقد في 25 حزيران/ يونيو 1993، بمشاركة ممثلين عن 171 دولة بالطبيعة العالمية لقضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وفي هذا السياق، شدد المؤتمر على ضرورة توافق ممارسات الدول المشاركة وأعمالها في النزاع المسلح، مع قواعد القانون الدولي الإنساني وأحكامه، ومع المعايير الواردة في الاتفاقات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، حيث يُحترَم ويُطبّق كلٌّ من القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان إبان هذه النزاعات وفي حالات الاحتلال الحربي. 

 

تتضمن الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان نصوصاً واضحة بشأن سريان أحكام هذه الاتفاقات على جميع الأراضي الواقعة ضمن سلطتها الفعلية. ولذلك يتوجب على الدول تطبيق الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان على جميع الأراضي الواقعة تحت سيطرتها الفعلية بما فيها الأراضي المحتلة.

 

وقد نظرت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان في هذا الموضوع، حيث خلصت إلى استنتاج يقضي بضرورة تطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان في أثناء النزاعات المسلحة، وذلك بقبولها ادّعاء قبرص حول ما فعلته تركيا خلال غزوها هذه الجزيرة عام 1974 من انتهاك عدد من معايير الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. وعدّت اللجنة أنه يتوجب على تركيا بصفتها دولة احتلال احترام، وتطبيق القواعد التي نصّ عليها الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان على حالة احتلالها لشمالي قبرص، وخلصت إلى نتيجة مؤداها أن ممارسات تركيا تجاه مواطني شمال الجزيرة القبرصية، تمثل انتهاكا لالتزاماتها التعاقدية بموجب الاتفاق الأوروبي لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

 

إضافة إلى أن محكمة العدل الدولية أصدرت فتوى بهذا الخصوص حين نظرت في احتلال جنوب أفريقيا لناميبيا، فأقرت بأنه يقع على عاتق قوة الاحتلال واجب، ومسؤولية الوفاء بالتعهدات التي قبلتها على نفسها بموجب الاتفاقات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتطبيقها على الأراضي المحتلة، عادّةً أنّ لفظة “الصفة الإنسانية للاتفاقات الدولية” ذات صلة وطيدة بحقوق الإنسان، وأنه من شأن إحجام دولة الاحتلال عن تطبيق اتفاقات حقوق الإنسان في هذه الحالة أن يتسبب في انتهاكات جسيمة لحقوق سكان هذه الأراضي.

 

وشددت محكمة العدل الدولية في الفتوى الخاصة بتشييد “إسرائيل” الجدار في الضفة الغربية على مبدأ سريان المعايير المنصوص عليها في الاتفاقات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان على الأرض الفلسطينية المحتلة، وضمنها القدس الشرقية، ودعت إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال، إلى احترامها وتطبيقها، كالعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، واتفاق حقوق الطفل لعام 1989، وغيرها من الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان.

 

بناء على ما تقدم، من الضروري التأكيد على مبدأ سريان أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان على النزاعات المسلحة وحالات الاحتلال الحربي. وعلى أطراف النزاع (المتحاربين) الوفاء بالتزاماتهم فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتعزيزها وفق المعايير التي نصت عليها هذه الاتفاقات والمواثيق. وينبغي التعاطي مع هذا الأمر بوصفه قاعدة تطبق على جميع النزاعات المسلحة، وحالات الاحتلال الحربي من دون استثناء، ما يستدعي احترام جميع المتحاربين في سورية لحقوق الإنسان.

 

سورية دولة طرف في معظم الاتفاقات الدولية لحقوق الانسان، ومنها العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاق حقوق الطفل، والبروتوكول الاختياري الملحق بها المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، والاتفاق الدولي للقضاء على جميع صور التمييز العنصري، واتفاق القضاء على جميع صور التمييز ضد المرأة، واتفاق مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاق منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولذلك فهي ملزمة أن تحترم حقوق جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية، وحمايتها وتعزيزها وإعمالها.