الأوروعربية للصحافة

الحرب تسرِّع عزلة الإنترنت في روسيا

بدأت سرعة الإنترنت في روسيا تتراجع مع تدفق القوات الروسية عبر حدود أوكرانيا في فبراير، حيث بدأ الأمر بتباطؤ “فيسبوك” و”تويتر“، قبل أن تقوم الحكومة بحظرهما بشكل كامل. وفيما فرضت قيود على خدمات “تيك توك“، عمدت كل من “أبل” و”ديل” و”مايكروسوفت” و”أوراكل” إلى تقليص عملياتها في روسيا. ولم تعد لدى مستخدمي الإنترنت هناك، القدرة على استخدام منصات بث الفيديو من “أمازون” أو “نتفليكس”، وكذلك خدمات دعم الويب مثل “إير بي إن بي” (Airbnb)، أو شبكات الدفع مثل “فيزا” و”ماستركارد”.

اقرأ أيضاً: “يوتيوب” يحجب “آر تي” و”سبوتنيك” حول العالم.. وروسيا تحظر “إنستغرام”

من المستبعد قريباً إنهاء تلك الإغلاقات أياً كانت التي فرضتها الحكومة الروسية أو البعض الآخر عن طريق قبل الشركات الأجنبية.

تقول أناستاسيا إرمولايفا، وهي معلمة في موسكو: “يتم إغلاق شيء جديد كل يوم. أنا قلقة كثيراً بشأن الانفصال بالكامل عن شبكة الإنترنت العالمية”.

اقرأ المزيد: “فيسبوك” تغلق حسابات وصفحات مؤيدة لروسيا تنشر محتوى مضللاً

حذَّر الخبراء لسنوات من انقسام شبكة الإنترنت العالمية إلى شبكات وطنية تسيطر عليها الحكومات، حتى إن بعض هؤلاء يرون أن هناك عواقب وخيمة – قد تكون مستمرة – للقمع الروسي.

“بلقنة” الإنترنت

تقول أسما مهالا، محاضرة الاقتصاد الرقمي في “جامعة ساينس بو” في باريس: “من المرجح إلى حد كبير وصولنا إلى نقطة تحول في بلقنة الإنترنت العالمي”.

تعد الصين مثالاً رئيسياً لتلك الإستراتيجية، حيث أمضت بكين سنوات في إنشاء شبكة إنترنت محلية تخضع لرقابة مشددة، وتملك فيها الحكومة أدوات لتنظيم تدفق المعلومات، وتحتل خدمات تكنولوجيا محلية مثل “ويبو” (Weibo) و”ويتشات” (WeChat) مكانة منتجات التكنولوجيا الأمريكية الشائعة في العديد من البلدان الأخرى.

اقرأ المزيد: “تويتر” تضيف علامات تحذير على روابط وسائل الإعلام الحكومية الروسية

لكن روسيا اعتمدت إلى حد كبير على البرامج الغربية، وهو ما يعكس تردد الحكومة في حرمان مواطنيها من تلك البرامج حتى في الأزمات. ففي الوقت الذي قطعت فيه الحكومة خدمات “فيسبوك”، لاتزال خدمتا “إنستغرام” و”واتس آب” تعملان رغم أنهما مملوكتين للشركة ذاتها “ميتا بلاتفورمز”. لكن المخاوف تتصاعد من دفع الصراع الحالي روسيا للتوجه بقوة نحو تطبيق النموذج الصيني، في ظل عزلتها عن الغرب.

بدأت موسكو منذ سنوات الاستعداد لتلك اللحظة، بداية من عام 2015، عندما طلبت الدولة الاحتفاظ ببيانات المواطنين على خوادم محلية. وبعد عامين، قامت بتقييد استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي يمكن استخدامها للتحايل على الرقابة الحكومية. وفي عام 2019، تم سن قانون “الإنترنت السيادي” في روسيا، والذي وسع من السيطرة الحكومية على الإنترنت داخل الدولة، حيث أُجبر مزودو خدمات الإنترنت على تركيب معدات تمكن الحكومة من تتبع الوصول، أو إعادة توجيه، أو حظر الإنترنت تماماً.

يقول زاخاري ويتلين كبير المحللين في مجموعة “أوراسيا” للاستشارات المتعلقة بالمخاطر الجيوسياسية: “الفكرة جديدة وتمثل نوعاً من الأساس الذي يتيح لروسيا إلى حد ما، القدرة على التحول وتشغيل خدمات الإنترنت الوطنية”.

نطاق الإنترنت الوطني

في عام 2021، أطلقت روسيا نظاماً يعرف باسم “نطاق الإنترنت الوطني الروسي” (Russian National Domain)، الذي يسمح لأجهزة الكمبيوتر الروسية بمواصلة العمل بمعزل عن الإنترنت العالمي، في خطوة قد تؤدي إلى إعادة ترتيب عالم الإنترنت.

تقول فلافيا كينيون، المحامية المتخصصة في قضايا الإنترنت في شركة “36 غروب” (36 Group) لخدمات المحاماة: “يدفع ذلك نحو بداية انقسام جديد على غرار الحرب الباردة، ليس بين الشرق والغرب، ولكن بين إنترنت مجاني مفتوح، وآخر يُستخدم للسيطرة والقمع”. وأشارت إلى أن النجاح الذي سوف تحققه حكومة بوتين في إنشاء نظام إنترنت خاص بها، مازال غير مؤكد، لكن يجب أن يؤخذ الأمر على محمل الجد لأسباب عدة، أهمها أن الحكومات الأخرى قد تقرر اتخاذ إجراءات مماثلة.

تعامل معقَّد

ترى شركات أمريكية عديدة، أن التعامل مع روسيا أصبح معقداً، حيث منعت “غوغل” و”فيسبوك” و”إنستغرام” وسائل الإعلام الروسية المدعومة من الدولة من عرض الإعلانات في أي مكان في العالم، فيما حظرت “سناب” إعلانات كل المعلنين الروس.

يأتي قرار بعض الشركات بعد سنوات من العمل دون حماسة للانخراط في السوق. تقول إيرينا بافلوفا التي أصبحت أول موظف في “غوغل” داخل روسيا عام 2005، إن عدم ثقة الإدارة بفريق العمل من الروس، أدى إلى تعقيد الجهود المبذولة من أجل خدمة السوق المحلي. وأشارت إلى أنها كانت تشعر في السنوات الأخيرة بأن روسيا تحظى بأولوية منخفضة على خرائط “غوغل”، حيث قالت بافلوفا التي لم تعد تعمل في “غوغل”: “نصف الأسماء لم تعد باللغة الروسية”.

لم يستجب ممثلو “غوغل” لطلبات التعليق.

تحايل المستخدمين

أمضى العديد من الروس سنوات في التحايل على محاولات حكومتهم منعهم من الوصول إلى المنصات الغربية، وهو ما يقوم به الكثير في الوقت الحالي بحسب التزايد الأخير في استخدام شبكات خاصة افتراضية.

يحصل المستخدمون الروس على الأخبار من خلال خدمات لم يتم حظرها مثل “تيليغرام” (Telegram)، حيث يقول أندريه سولداتوف المولود في روسيا، والذي شارك في تأليف كتاب “ذا ريد ويب” (The Red Web)، أو “الشبكة الحمراء”، والذي يعرض تاريخ حرية الإنترنت في روسيا، إن قبضة الحكومة على تدفق المعلومات عبر الإنترنت لن تكون مطلقة أبداً.

كان سولداتوف قد انتقل للعيش في لندن من أجل تشغيل موقع إخباري ينتقد الحكومة بشكل آمن، وقد أعرب عن ثقته في وصول المستخدمين الروس إلى موقعه الإخباري، حتى لو تم حظره ظاهرياً، حيث يقول: “سيجد الناس طريقة لمواصلة القراءة”.

الرغبة في المغادرة

تعاني ألينا، خبيرة القهوة وفنانة الوشم البالغة من العمر 29 عاماً، والتي تعيش في مدينة قازان الروسية، من مشكلات اضطراب الإنترنت منذ بدء الغزو، حيث أصبحت تتوقع مثل تلك القيود. ولا ترى أن عدم الوصول إلى الإنترنت يمثل ذلك القلق. لكنها، كما العديد من أصدقائها، يستعدون لمغادرة روسيا إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

تقول ألينا التي طلبت عدم الكشف عن هويتها إلا باسمها الأول خوفًا من انتقام الحكومة: “هناك خوف آخر من إغلاق كل الأبواب إلى حد ما، ليس الإنترنت فقط، ولكن البلد بأكمله، وهو وقت الاتحاد السوفيتي، حيث لا يمكنك المغادرة ولا يمكنك أن تأتي إلى البلد. هذا يشبه الوضع في كوريا الشمالية. إنه أمر مخيف حقاً”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.