الاساتذة المتعاقدون : السياق ، الحال و المآل . تحليل يمكن إسقاطة على جميع القطاعات الأخرى .

قاشى م الكبير منسق بريس ميديا

2019

استهلال :

 

ان تطرقنا لقضية التعاقد في الوظيفة العمومية اجمالا، و في قطاع التربية الوطنية راهنا بالتحديد،  يشكل في صلبه محاولة لفهم سيرورة تشكل فئات اجتماعية جديدة و تمركزها، و استشراف التحولات المرتقبة في حجم الطبقة العاملة الحديثة و تغير تركيبتها بتواز مع التحولات الاقتصادية الحالية و التوجهات الجديدة للاقتصاد العالمي و هي التحولات التي تقود حتما الى فرز طبقتين “نقيتين” : البورجوازية من جهة و البروليتاريا من جهة اخرى، على حساب التآكل التدريجي و المستمر للطبقة الوسطى، كما أن التعاطي مع موضوع التعاقد في وزارة التربية الوطنية و الذي يشمل راهنا فئة التدريس في انتظار تمديده ليشمل فئات اخرى، هو انخراط في الدفاع عن المرفق العام و اعادة الاعتبار لخدماته و التفكير في آليات بناء شروط مقاومة تفكيكه و صد محاولات التخلص المتصاعد من كل الخدمات الاجتماعية و تفويتها للراسمال الخاص المحلي و الاستثمار الأجنبي .

سياق التأسيس للتعاقد :

لا يمكننا عزل الاختيارات القائمة في ميدان التشغيل راهنا و عموم الاختيارات السياسية و الاقتصادية للنظام القائم بالمغرب، عن وضعه الذي يمكن اختزاله في عبارة:” دولة في طور الاعلان عن الافلاس” تعيش على القروض و الهبات و تسعير معدلات النهب، و عن برامج و ارشادات صندوق النقد الدولي باعتباره الملاذ الاخير للحصول على السيولة و بالمقابل تنفيذ شروطه و برامجه التقشفية لأبعد مدى، و منها تمكين الرأسمال من افتكاك كل القطاعات المربحة محولا مستنقعات البؤس الى بحار بلا حدود تستعرض فيها الرأسمالية وجهها الحقيقي ببشاعته التي تقتات من قوت الفقراء الجوعى و المرضى و المشردين و المنكوبين و عموم المدعوين الى المزيد من التقشف لتسمين الأغنياء .

و بما ان اوجه العلاقة بين صندوق النقد الدولي ( انشيء عام 1945) و منظمة التجارة العالمية( انشئت عام 1995) و التي هي استمرار للعلاقة بينه و بين مؤسسة “الجات” ( انشئت عام 1947 ) يطبعها التواصل المستمر و الاستشارة المتبادلة و التعاون و التكامل، إذ حسب المادة الثالثة من اتفاقية انشاء المنظمة فانه:” بغية تحقيق اكبر قدر من التناسق في وضع السياسة الاقتصادية العالمية تتعاون المنظمة على النحو المناسب مع صندوق النقد الدولي…” و بالمقابل قالمادة العاشرة من اتفاقية الصندوق تنص في جزئها الاول على ان:” يتعاون الصندوق في تطاق احكام هذه الاتفاقية مع اي منظمة دولية عامة و مع اي منظمة دولية حكومية ذات مسؤوليات خاصة في الحقول ذات الصلة بعمله”، فمن ثمة يمكننا فهم انخراط المغرب الرسمي في الاتفاقية العامة للتجارة في الخدماتGATS ( هدفها ازالة كل الحواجز الدولية على التجارة في 12 قطاع  رئيسي و 155 قطاع فرعي) ، و الاتفاقية الاطارية بين دول البحر الابيض المتوسط ، و الاتفاقية الجديدة للتجارة في الخدمات بين الدول العربية(2004)، و هي اتفاقات وقعتها كل الدول المنتمية لمنظمة التجارة العالمية، حيث المنظمة تعد بمثابة سمسار هذه الاتفاقيات، إذ هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ادارة النظام التجاري المتعدد الاطراف و الاشراف على تنفيذ الاتفاقيات متعددة الاطراف، و هدفها الرفع التدريجي لمستوى تحرير تجارة الخدمات(التعليم، الصحة، النقل، الصرف الصحي، السياحة، الثقافة…) عن طريق التدخل في التشريعات المنظمة لذلك في البلدان الاعضاء، و منه يمكننا فهم سياق تفكيك المدرسة العمومية و تسليع التعليم، اي اعتباره بضاعة موجهة لمن يستطيع الدفع، و بالطبع لن يستطيع الدفع سوى الاغنياء اما الطبقة العاملة و الطبقة الوسطى فهي غير قادرة على دفع اقساط سكنها او صحتها او غذائها الا عبر القروض و كل دفع اضافي سيكون جذبا نحو قعر البئر.

تكتمل الصورة الآن ، و يظهر ان الرهان هو تسريع خوصصة قطاع التعليم عبر حزمة اجراءات و بدائل و على رأسها الآن التخلص نهائيا من عملية التوظيف، و خلق شروط النفور من القطاع بالنسبة للموظفين المرسمين لرفع معدلات التقاعد النسبي و التي وصلت الى معدل قياسي سنة 2016 تجاوز 6000 اطار من خيرة من راكموا تجربة مهمة تضيع هباء امام اعيننا و ذلك بعد افراغ القطاع من آلاف اطره عبر المغادرة الطوعية، و هكذا  تدشن التعاقدات في اجواء اكثر اريحية لمستخدمي صندوق النقد الدولي و الذين نسميهم تجاوزا وزراء و حكومة، و هكذا صار بامكانهم ان يعلنوا دون خجل بانه في حدود سنة 2025سيصير ازيد من ربع موظفي الادارة العمومية متعاقدين، و بالنسبة لقطاع التعليم ففي حدود سنة 2030 سيتم التخلص من نصف عدد الموظفين الرسميين و تعويضهم بمتعاقدين.

حقوق في مهب الريح

 تنص المادة 26 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان( 10-12-1948) على أن:” لكل شخص الحق في التعليم و يجب ان يوفر التعليم مجانا على الاقل في مرحلته الابتدائية و الاساسية، و يكون التعليم الابتدائي الزاميا، و ان يكون التعليم الفني و المهني متاحا للعموم، و ان حق التعليم يجب ان يشمل التنمية الكاملة للفرد، و ان يعزز التفاهم و التسامح و الصداقة بين جميع الامم و جميع الفئات العنصرية او الدينية، و ان يؤكد على الانشطة التي تعزز حفظ السلام” و هو ما التزمت به الدولة المغربية ” العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مباديء و حقوق و واجبات و تؤكد تشبثها بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا” حسب ما ضمنته ديباجة الدستور الممنوح والتي تعد جزءا لا يتجزأ منه، الا انه بعد تقليب بضع صفحات تستوقفنا عبارات انشائية مشوشة غامضة تحمل كل الوجوه مما يسهل المراوغة و تنصل الدولة من كل مسؤولية فالفصل 31  ينص على ما يلي: “تعمل الدولة و المؤسسات العمومية و الجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير اسباب استفادة المواطنات و المواطنين، على قدم المساواة، من الحق في:… الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج و ذي جودة…” ، أي ان مسؤولية المخزن لا تتعدى تعبئة ما استطاع من وسائل لتسهيل سبل الاستفادة من هذا الحق ما استطاع الى ذلك سبيلا، فرغم كون معدل سنوات الدراسة في المغرب لا تتجاوز 4.4 مقابل 6 سنوات في البلدان العربية و كون المغرب يقصي ازيد من 60 في المائة خارج منظومة التعليم الثانوي من الفئة العمرية المناسبة للقيد في هذا المستوى و هو الامر الذي لا تضاهيه فيه سوى جيبوتي وموريتانيا و اليمن، و أنه حسب سادس احصاء عام قام به المغرب منذ الاسنقلال فان  معدل الامية في المغرب يتجاوز 32 في المائة، ناهيك عن انه حوالي 72 في المائة من التلاميذ يغادرون الدراسة دون الحصول على مؤهل علمي، و ان القيد في التعليم العالي يراوح معدل 13.2 في المائة ، وهي ارقام مخجلة تفترض ضرورة السهر على تأمين التعليم المجاني و النهوض بهذا المرفق العام عوض بسطه للاستثمار الخاص الذي يشتغل وفق مقاربة الربح و الخسارة، إذ ما الفوائد التي ستعود على الافراد و المجتمع من تسليع التعليم في ظل هذه الارقام القاتمة؟ أليس تحويل التعليم الى مركز ربحي يديره رجال الاعمال و المحاسبون، و ما سيرتبه مستقبلا من انشاء المدارس في اماكن تمركز الثراء و القادرين على الاداء، هو حكم على فقراء المغرب و عموم كادحيه بالجهل، وتخطيط استراتيجي لتعطيل كل امكانيات تنمية هذا الوطن بسلبه كل احتمالات تأهيل و تكوين ابنائه/بناته الحقيقيين؟

زرعوا الكوارث فأثمرت مصائب منها يأكلون

حسب التقرير الاستراتيجي المغربي (2014 – 2018) و الذي تم اعداده من طرف مركز الدراسات و الابحاث في العلوم الاجتماعية، فان دراسة تشخيصية حول وضعية التشغيل ثم انجازها من طرف وزارة التشغيل و الشؤون الاجتماعية بتعاون مع مكتب العمل الدولي خلصت الى ان المغرب يعرف تباينا كبيرا بين مستوى طلب و عرض فرص الشغل اللائق و المنتج، و ضعف دينامية احداث مناصب الشغل، و تفشي البطالة ذات الطابع الهيكلي، و هيمنة الشغل الهش و البطالة طويلة الأمد في صفوف حاملي الشهادات على اعتبار ان 60 في المائة من السكان النشيطين سنة 2013 لا يتوفرون على أية شهادة، و هو ما يعكس ضعف فرص العمل بالنسبة للوافدين الجدد الى سوق الشغل و بالخصوص المتعلمين منهم، و من هنا يمكننا فهم ظاهرة العزوف عن مواصلة التعليم العالي بالنسبة للعديد، الامر الذي له اثر سلبي في سوق العمل مستقبلا بمعنى ان هذه السوق ستكون في حالة تعطش للكوادر المهنية العليا، و اذا كان التفسير الشائع لهذه المعدلات المخيفة لبطالة حاملي الشواهد و التي كلما استغرقت زمنا تحصيليا اكبر كلما قلت فرص صاحبها في ايجاد فرصة شغل، هو عدم  المواءمة بين العرض و الطلب فيما يتعلق بمؤهلات الخريجين، حيث انه طبقا لهذا المنطق البدائي جدا يكفي ان يتجه الطلاب نحو الدراسات الملائمة لكي تجد  المشكلة حلا، و كأن الاقتصاد القائم قادر على استيعاب جميع خريجي التعليم العالي، بشرط ان يمتلكوا مؤهلات اخرى غير مؤهلاتهم، و هكذا تلقى اللائمة على الطلاب انفسهم، و كأنه يطيب لهم خوض دراسات غير مفيدة .

كل هذه المعطيات بالاضافة الى الحجم المرهب للبطالة وطنيا و الذي يتجاوز 1.169.000 شخص حسب المندوبية السامية للتخطيط، بالاضافة الى ان ما يقارب 50 في المائة من مناصب العمل الموجودة في المغرب هي غير نظامية و يبلغ معدل ساعات العمل الاسبوعية 46.4 ساعة دون ان تضمن ما يكفي لاتقاء غوائل المخزن، ناهيك عن انه حسب بيانات البنك الدولي فان رصيد المغاربة من المهاجرين يقدر بقرابة 8.6 في المائة من مجموع سكان البلد و تبلغ نسبة المهاجرين من  ذوي المستويات الجامعية 10.3 في المائة سنويا، زيادة على ان احصائيات منظمة العمل الدولية تسجل بان وتيرة خلق فرص العمل في المغرب ضعيفة و بعيدة كل البعد عن بلوغ وتائر نمو طلب العمل و تنذر بتفاقم البطالة( القطاع غير المهيكل بالمغرب يشغل ازيد من 2.4 مليون شخص سنة 2013)؛ كلها مقدمات ملائمة و شروط مواتية لاقدام الدولة على تدشين أعنف مرحلة من الهجوم على استقرار الوظيفة العمومية و نفض اليد من كل الخدمات الاجتماعية لتخصيص النفقات الموجهة لها لاداء ديون كريهة لم يقرر المغاربة اوجه انفاقها و لا مآلاتها؛ و عليه فان الزام المواطنين بالمزيد من التضحيات لانقاد وضع البؤس الراهن و ضمان استمرارية تدهوره و تحميل اعبائه لمن يعيش الفقر المدقع يحتاج بكل تأكيد لمؤسسات تشريعية شكلية تبارك قوانين مواصلة الانتهاك الوحشي لكل شروط العيش الكريم…

للعبودية قوانينها:

رغم ان وظيفة التشريع تعد اهم وظيفة يقوم بها البرلمان، اي وضع القواعد القانونية لتنظيم مختلف مجالات الحياة، و رغم التطبيل المبالغ فيه للدستور الممنوح بخصوص ما اسمي “تقوية المؤسسة التشريعية” بتحديد 30 ميدانا من ميادين تدخلها في الفصل 71 ناهيك عن صلاحية التصويت على قوانين الاطار بالاضافة الى ما اسند لها من مواد بفصول اخرى صريحة من الدستور، فالفصل 71 من الدستور يعطي لمجلس النواب صلاحية التشريع فيما يتعلق بالوظيفة العمومية، الا انها صلاحيات على الورق فقط  في حين ان الصلاحية الفعلية تعود للسلطة التنفيذية و التي هي في نهاية الامر مجرد قناة لتمرير حزمة اجراءات قررها البنك الدولي بعيدا عن الرأي العام المحلي و مراقبة البرلمان او مشاركة الحكومة و التي احتفظ لها بصلاحية واحدة و هي الاجتهاد في تغليف هذه القرارات بما يحفظ “هيبة و سيادة الدولة” المفتقدتين؛ فالمرسوم 2.15.770 الصادر في 9 غشت 2016 القاضي بتحديد شروط و كيفيات التشغيل بموجب عقود بالادارات العمومية ، ينص في المادة 3 منه على انه :” يتم التشغيل بموجب عقود، وفق احكام هذا المرسوم في حدود المناصب المالية الشاغرة، المحدثة بموجب قانون المالية. و لا يمكن في جميع الاحوال ان يؤدي هذا التشغيل الى ترسيم المتعاقد معه في اطر الادارة ” كما أن المادة 16 منه تنص على انه: “تخول للمتعاقد اجرة جزافية شهرية يتم تحديدها في العقد استنادا الى المقادير المحددة بقرار لرئيس الحكومة يتخد باقتراح مشترك للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالمالية و الوظيفة العمومية” في حين ان المادة 20 فهي تخول “لرئيس الادارة المعنية حق انهاء عقد التشغيل خلال سريانه شريطة الاخطار المحدد و اذا قضى المتعاقد مدة لا تقل عن اثني عشر شهرا من الخدمة الفعلية بالادارة المعنية جاز له الحصول على تعويض يحدد مقداره في اجرة شهر واحد” … و بذلك فكل صلاحيات البرلمان التشريعية بخصوص الوظيفة العمومية قد تم تفويتها للحكومة دفعة واحدة، واذا كان الفصل 78 من دستور 2011 يعطي الحق في المبادرة التشريعية لاعضاء مجلس النواب و مجلس المستشارين في كل المجالات المرتبطة بالفصل 71  فان السؤال المطروح بالتالي هو : لماذا لا يفعل البرلمانيون الصلاحيات الممنوحة لهم، بمن فيهم اولئك المحسوبون على النقابات العمالية؟ و ما جدوى الضجيج الذي يرفع ،لاستغباء الزبائن و تضليل الرأي العام، من طرف البعض خصوصا في معركة ملف الاساتذة المتدربين و بالتحديد في نقطة فصل التوظيف عن التكوين لاقرار التعاقد إذا لم تستطع هذه الكائنات تفعيل هذا الفصل من دستور لطالما طبلت له؟ و ما الفائدة من المشاركة في غرف منزوعة الصلاحيات؟ هذا من جهة، و من جهة اخرى فان المواد المومأ اليها اعلاه تكشف ثراء خيال الجهاز التنفيذي في الاجتهاد لتنفيذ تعليمات بل و نوايا المؤسسات المالية صانعة التوجهات الكبرى في البلد و مالكة قراره السياسي الحقيقي .

ارتباطا بما سلف، و في سياق تسجيل شلل الاحزاب المشاركة عن حسن نية في تنفيذ الارشادات الموجهة لها، فانها قد باركت موالاة و معارضة برلمانية كل مقتضيات الميثاق الطبقي لتخريب التعليم و الذي ينص من بين ما نص عليه من تراجعات و تفويت بالجملة لقطاع التعليم في المادة 135 – أ على :” تنويع اوضاع المدرسين الجدد بما في ذلك اللجوء الى التعاقد على مدد زمنية تدريجية قابلة للتجديد على صعيد المؤسسات و الاقاليم و الجهات” ، و هو ما اعادت التأكيد عليه المادة 59 من الرؤية الاستراتيجية 2015 – 2030 :” يتم على المدى المتوسط بالتدريج اعتماد تدبير جهوي للكفاءات البشرية في انسجام مع النهج اللامتركز لمنظومة التربية و التكوين و مع توجهات الجهوية المتقدمة مع تنويع اشكال توظيف مدرسي التعليم المدرسي … ” هذه الرؤية الاستراتيجية التي لم يتح للبرلمان مناقشتها و لا صياغتها و لا حتى استشارته بخصوصها، و هي الرؤية التي اثمرت عقود اذعان يمكن تركيزها في عبارة : وقع عليه كما هو او اتركه كما هو ان استطعت …

اقبله كما هو او اتركه كما هو…

بعد تمكن الاساتذة المتدربين فوج 2015-2016 من بتجميد تفعيل المرسوم 2-15-588 القاضي بفصل التكوين عن التوظيف عبر مباراة شكلية، و الذي كان يهدف من بين ما يهدف اليه تنزيل التعاقد بطريقة ملتوية بمبرر ضرورة التكوين بدرجة عالية لهيئة التدريس “لاسناد مسلسل الاصلاح”، فان الدولة المغربية في خطوة غير مستساغة لم تتردد في اللجوء للتعاقد في السنة الموالية مع 11000 استاذ(ة) دون ان يتلقوا و لو نصف ساعة من التكوين و 24000 استاذ(ة) في 2017 و 20000 استاذ(ة) في 2018 (تقدر الحاجات المستقبلية ما بين 2017 و 2030 الى ما يزيد عن 124500 مدرس)؛ مستغلة حاجتهم و وضعهم الاجتماعي الهش لتضعهم بين خيارين كلاهما جرم،  اما قبول جميع شروط العقود المنزلة قسرا عليهم و اما الاعتراض عليها او على البعض من  شروطها فترجح بذلك احتمال استمرارك تحت نير العطالة، اي ان المتعاقد لا يملك الا ان ياخد بتلك الشروط كما هي او يدعها كما هي.

تم تحضير احكام و شروط العقد من طرف وزارة التربية الوطنية و التكوين المهني و البحث العلمي، لتعمم في عقد نموذجي على الاكاديميات كمشغل جهوي في اطار تفعيل  مشروع الجهوية، بنود لم تتح للمتعاقدين فرصة التفاوض بشأنها او مناقشتها فكل ما خبروه من كون العقد هو توافق ارادتين على احداث اثر قانوني سواء كان ذلك الاثر هو انشاء التزام او نقله او انهاءه و ان العقد شريعة المتعاقدين ثم ازاحته جانبا ، فهم مدعوون للانقياد و الخضوع لبنود تم املاؤها من طرف الوزارة الوصية على القطاع و ما عليهم سوى التوقيع في المكان المخصص لذلك والمصادقة على التوقيع و ارجاع العقد للمشغل دون ان يتم مدهم و لو بنسخة من العقد، و رفض تلك الشروط تفويت لفرصة انتشالهم من مستنقع العطالة.

عموما اذا كان الاصل في التعاقد هو ان يكون المتعاقدان حران في اشتراط شروط عقدهما و ترتيب اثارها، فان عقود الاذعان هاته التي تم فرضها قسرا على هذه الفئة من الاساتذة لا ينبغي ان توصف بالصفة التعاقدية، فاذا كان الرضى موجود فانه مجرد رضى مفروض، اي رضى المذعن والاذعان في لسان العرب هو الاسراع مع الطاعة، اي الاسراع المصحوب باذلال صاحبه لقبول ما لا يمكن القبول به لو اتيحت للمذعن فرصة المناقشة و المفاوضة.

 و لانه ( اي عقد الاذعان) وليد ثورة الرأسمال فهو يعد عقدا حقيقيا، و بالتالي فان اي معركة ادارية قانونية لاسقاطه، لن تكون بكل تأكيد الا تحريفا للمعركة الحقيقية التي ينبغي ان تخاض في مواجهته، لان المعركة بشكلها الاول تحسم النزال سلفا للطرف الاقوى ما دام لعقد الاذعان ركنان تم احترامهما و هما : الرضا و السبب، حيث ان الايجاب موجه الى كل حاملي الاجازة في التخصصات الموافقة لكل مستوى و سلك من الاسلاك التعليمية المعنية و هو موحد في شروطه بالنسبة لهم جميعا و مستمر لمدة ممتدة طويلا وغير محددة ومتضمن لكل البيانات الجوهرية الضرورية و القبول به تسليم لشروط الموجب، و بتوافق الايجاب و القبول ينعقد العقد،  اما بخصوص الركن الثاني الذي هو السبب فهو مشروع و لا يوجد ما ينص على منعه قانونيا، و عليه فان تدخل القاضي في عقد الاذعان يكون اما بتعديل او الغاء شروطه التعسفية بما يرفع الضرر عن الطرف الضعيف و لا يضر الطرف الاقوى، اي ان انتهاك مبدأ سلطان الارادة و العقد شريعة المتعاقدين يتم في نطاق ضيق يقتصر على مجرد النظر في بعض البنود المشوشة و المبهمة و غير الواضحة بما  يحفظ الارادة المشتركة بين الطرفين ، و اذا كانت عبارات العقد واضحة فلا سلطة للقاضي في تغييرها مراعاة لروح العدالة و الانصاف وحفاظا على المعاملات من الاضطراب و عدم الاستقرار، اي ضرورة الحفاظ على اركان العبودية من كل تصدع و الاكتفاء بترميمها لاتقاء خطر سقوطها على رؤوس من يستظل بها …

شروط عمل أسوأ ومن دون اجور…

يعيش الاساتذة المتعاقدون وضعا اشبه بعبودية مأجورة من صنف جديد ، حيث ان معايناتنا اليومية من موقع ممارستنا النقابية و تقاسمنا لنفس اماكن العمل، مكنتنا من الوقوف على جملة من الخروقات التي تلحق هذه الفئة المهددة بالطرد في كل حين و آن لسبب أو من دونه، فهي تتلقى تكليفاتها للانتقال من مؤسسة لاخرى بالهاتف، و ما على الاستاذ المتعاقد الا ان يكون في الغد صباحا في مقر العمل الجديد و لو كان في اقصى نقطة في الاقليم، و هذه التنقيلات التعسفية المزاجية في كثير من الأحايين تتم على طول الموسم الدراسي بل و الأنكى من ذلك اننا صرنا نضيف لقاموس الشطط الاداري مفردات جديدة من قبيل الاعارة ما بين المديريات الاقليمية داخل الجهة، حيث تقوم احدى المديريات الاقليمية باعارة بعض من اساتذتها المتعاقدين لمديرية تستطيع بدورها التصرف فيهم بكل حرية باعارتهم لمديرية اخرى و كأنهم مجرد اشياء تقرض و تقايض بين المدراء الاقليميين، و كل من رفض الاذعان لهذه التجاوزات فلائحة الانتظار تعج بغابة من الايدي التي تنتظر جدبها من قعر بؤس يستبدل بالشقاء، فللادارة صلاحية الاستغناء عنهم دون ان يكون من حقهم الاحتجاج بحق مكتسب في البقاء في العمل فطبيعة عملهم مؤقتة و عارضة حسب تقدير الادارة، رغم ان الخصاص مهول و كارثي و طبيعة وظيفتهم الفعلية ليست موسمية او مرتبطة بزيادة في نشاط المقاولة/المدرسة .

و فيما يتعلق بهذا التهديد المتواصل بفزاعة الطرد بمبرر او من دونه، فقد اقدمت بعض الاكاديميات على فصل بعض الاساتذة شفويا بمبرر عدم معادلة شواهدهم للاجازة (حاملي دبلومات الباك زائد خمس سنوات بمن فيهم مهندسي الدولة) كما ان بعض المديريات مباشرة بعيد نهاية الاسدس الدراسي الاول اخطرت مجموعة من المتعاقدين بفسخ عقودهم بناء على تقاريرتحملهم مسؤولية ضعف تكوينهم البيداغوجي و الديداكتيكي،علما انهم لم يتلقوا اي تكوين بهذا الصدد لاكسابهم المهارات اللازمة و اعدادهم لتحمل مسؤولياتهم المهنية، حيث اسندت لهم الاقسام مباشرة بعد امضاء العقود دون ان يتلقوا اي تكوين نظري أو تطبيقي، و بقي الكلام المنمق و المتخم بالاباطيل بخصوص تدبير التكوين و التأهيل وفق المقاربة المبنية على التعاقد و المصاحبة الميدانية مجرد كلام موجه لتطمين أسر متوجسة من المقامرة بمصائر اطفالها؛ فالوزارة لا تتوفر على العدد الكافي من الاطر البيداغوجية المكلفة بالمصاحبة و التأطير الميداني لتنجح هذا الرهان، حيث ان المعدل الوطني الاجمالي للمؤطرين التربويين لا يتجاوز 1600 مفتش و مفتشة،  أي بمعدل 133 استاذ رسمي لكل اطار للتأطير و المراقبة، و يصل هذا المعدل في بعض الجهات مثلا الى اكثر من 145 استاذ لكل اطار من هيئة التأطير و المراقبة التربوية، و اذا قمنا بعملية حسابية بسيطة بخصوص عدد الاساتذة المتعاقدين لكل اطار تربوي مكلف بالتأطير انطلاقا من الارقام المتوفرة لدينا فان متوسط عدد الاساتذة لكل اطار سيتجاوز 34.375 ، و بالتالي تظهر استحالة القيام بما اسند لهذه الفئة من ادوار، بل يظهر حجم الاجرام المرتكب في حق المدرسة العمومية و محاولات حجبه بتسويق الاكاذيب و استغفال جمعيات الاباء و الاولياء، هذه الجمعيات المشلولة و التي تعد مستنقعا للنهب الميكروسكوبي لما تستخلصه من رسوم و ما تتلقاه من هبات.

بالاضافة الى ما سلف فالاساتذة المتعاقدون لا يمكنهم التأخر عن العمل طيلة الموسم الدراسي، مهما كانت ظروفهم كما انهم محرومون من الاصابة بالمرض، و كأن الاصابة بالمرض خيار ذاتي، و لا خوض اضراب من اجل تحسين شروط العمل او مواجهة بنود الاخضاع التي فرضت عليهم في عقود نموذجية تطرد من دون اخطار او انذار، لان من بين بنود عقود اخضاعهم عدم التغيب خمسة ايام طيلة الموسم الدراسي بالاضافة الى الالتزام بمقتضيات  مرسوم 5 فبراير 1958 و بالتحديد الفصل الخامس منه، اي منعهم عمليا من ممارسة حق الاضراب لتحسين شروط استغلالهم ، كما انهم بموجب هذه العقود محرومون من حرية الرأي و التعبير او نقل تفاصيل “الكانيبالية” التي تعاملهم بها الادارة و ذلك بمبرر ضرورة المحافظة على اسرار المهنة كما الزموا بذلك في عقود اخضاعهم .

و اذا كان الموظف يستفيد من مجموعة من الضمانات التأديبية و ذلك بتمكينه من الدفاع عن نفسه بنفسه او بواسطة ممثل نقابي او محام و الاطلاع على ملفه و توجيه استدعاء له و تمكينه من المثول امام مجلس تاديبي و تقديم دفوعاته و ملاحظاته و شهوده، بحكم كون الواجبات الوظيفية غير قابلة للحصر و هو الامر بالنسبة للاخطاء التي يمكن ارتكابها بمناسبة القيام بالواجبات الوظيفية، فان الاستاذ المتعاقد قد تم وضعه تحت رحمة الادارة فيما يخص تحديد الافعال التي تشكل اخطاء تاديبية و العقوبات المقررة لها بحيث تم تجريده من كل ضمانات حمايته من تعسف السلطة التأديبية .

و اذا كان من الثابت ان عقد العمل من عقود المعاوضة، لان كلا المتعاقدين يأخد مقابلا لما قدمه، الاجر مقابل الجهد المأجور فان الحق في تقاضي مرتب مضمون و بشكل دوري مقابل التفرغ للعمل لفائدة الادارة لا يطال وزارة التربية الوطنية، حيث ان اعدادا مهمة من الاساتذة المتعاقدين لازالت تنتظر الافراج عن مستحقاتها بعدما اغرقت في ديون التنقل من و الى مقر العمل و الكراء و الغذاء و الدواء… ناهيك عن تعسف الادارة المدرسية في بعض المناطق بالزامهم بانجاز حصص اضافية فوق السقف الزمني الرسمي المقرر و العمل خلال العطل البينية، و ارغامهم على نفخ نتائج المتعلمين للتعبير عن مردودية مفتقدة شروط بلوغها و حجب التدني المستمر لمستويات المتمدرسين التحصيلية، و عدم تمكينهم من أية وثيقة من المديريات التعليمية تثبت ارتباطهم بها بعلاقة شغل استمرارا للنهج الذي رسمته الاكاديمية بعدم تمكينهم من عقود العمل التي وقعوها معها، زيادة على عدم الاستقرار النفسي و الاجتماعي و تبخيس المحيط، حيث عرفت بعض المناطق سلسلة من المسيرات الاحتجاجية و احجام الساكنة عن ارسال ابنائها للمدارس بتعلة انهم يريدون اساتذة “حقيقيين” و ليس اساتذة لملء الفراغ، و المستقبل ينذر بالمزيد من تردي ظروف العمل …

هل أصبح أملنا الوحيد كارثيا؟

عرف المغرب ما بين سنتي 2014 و 2015 حوالي 16000 تظاهرة و احتجاج و العدد مرشح للاتساع بحراكات جديدة تبشر بالخير و التوفق في ابداع آليات تنظيمية قادرة على تدبير صمود و مقاومة الجماهير المكتوية بسياسات ترسخ اوضاعا مافيوزية في الاقتصاد و السياسة تقوم على تعميق الفساد و الاستبداد و الاستئثار بكل المقدرات مقابل تمطيط الفقر و البؤس و الفساد و هدم كل امكانيات أو اوهام الانتقال و التحول الديمقراطي السلس بدون ضرائب أليمة.

و في هذا السياق و بتأطير من مناضلين نقابيين كفاحيين تم تأسيس “تنسيقية للاساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” و التي اعلنت عن معركة وطنية ممركزة بالرباط بتاريخ 6 ماي 2018 للمطالبة بالادماج في الوظية العمومية لازيد من 55.000 استاذ(ة) متعاقد(ة)، و التي حاولت الوزارة نسفها مسبقا بتسريب مسودة غير رسمية عبر صفحات التواصل الاجتماعي لما اسمته النظام الاساسي لموظفي الاكاديميات قابلة لكل القراءات، و هو ما يطرح علينا ضرورة تسخير كل جهودنا ميدانيا في هذه المعركة التي تندرج في صلب معاركنا الاجتماعية و الطبقية و جبهة نضالنا السياسي و الديمقراطي ، و استثمارها في رفع الوعي الطبقي لعموم ضحايا خوصصة المدرسة العمومية عبر نقله من مستوى الادراك العفوي التجريبي و النفسي لمستوى الادراك المنظم و الاجتماعي، و ذلك بدفع هذه المعركة لبذر شعاراتها داخل الاحياء الشعبية للتظاهر ضد تخريب ما تبقى من مدرسة عمومية و خصخصة التعليم و انقاذ حق اطفال الكادحين من مخالب الرأسمال،لاحمين اقوالنا بافعالنا لمواجهة تفكيك الخدمات العموميات و تخريبها لخلق شروط الاستغناء عنها و تفويتها للخواص و هو ما سينعكس بدرجة اولى على مضمون التعليم الذي سيكون ضد كل القيم الاجتماعية و الثقافية و الانسانية.

ان هذا الانخراط الميداني في معركة المدرسة العمومية باحباط مخطط التعاقد هو في الوقت نفسه صد للهجوم العدواني المستهدف لشغيلة التعليم النظامية التي ستصير مستقبلا مهددة بالفصل و تجميد الاجور و افقاد مهنتها قيمتها الاعتبارية و اضعاف تنظيماتها النقابية، الامر الذي سيضعنا ايضا في مواجهة البيروقراطية النقابية المؤتمنة مخزنيا على تذرير وعي هذه الشرائح و تفريغ العمل النقابي من مضمونه الحقيقي لتشتيت النضالات و اضعافها في افق السطو عليها و اخمادها ، و هو ما يستلزم منا العمل على فضح دورها المأجور في لجم النضال و تفكيك وحدة الشغيلة و الرقابة على مبادراتها النضالية، و ذلك بجر كل الفروع و الاتحادات النقابية المحلية و الاقليمية و الجهوية للانخراط في هذه المعركة، هذه المعركة التي ينبغي ان تنفتح على كل القوى السياسية المناضلة و المكافحة من اجل التحرر الوطني و البناء الديمقراطي في جبهة نضالية موحدة للدفاع عن تعليم ذي نوعية جيدة في مناهجه و مؤسساته و نواتجه، موجه نحو تنمية المعارف و المواقف و مهارات التفكير النقدي و المواطنة في ابعادها اللازمة للعيش المشترك .