الأوروعربية للصحافة

فهارس علماء تطوان.. حياة الشيخ أحمد بن عجيبة

القسم الأول: حياة الشيخ الطينية:

بدأ الشيخ أحمد بن عجيبة هذا القسم بتحديد أصله ونسبه فهو: أحمد بن محمد بن المهدي بن الحسين بن محمد بن عجيبة الحجوجي بن سيدي عبد الله بن عجيبة إلى أن يصل إلى مولاي إدريس الأكبر، ويتصل نسبه بالولي الصالح، العالم القطب الواضح، ذي الكرامات العديدة، والمآثر الحميدة سيدي الحسين الحجوجي.

وقد جاهد الشيخ في إبراز نسبه الشريف، وتحقيق انتسابه إليه، محتجا في ذلك بشهادات لعلماء معاصرين له، وحين تعوزه الحجه وينقصه الدليل يتوسل بالمنامات والمكاشفات وهي من التأثيرات السلبية لعصره التي تسربت إلى بعض كتاباته. لكن التساؤل الذي يطرح هو: لماذا يصر الشيخ ابن عجيبة على إبراز نسه الشريف رغم تعارضه مع روح المبادئ الدرقاوية التي ترفض وتنكر أي تمييز طبقي واجتماعي لمريديها، وتعتبر أن أساس التفاضل هو التقوى؟. يجيب عن هذا التساؤل الباحث عبد المجيد الصغير بقوله: “إن الشعور أو الوعي بالشرف ليس وعيا بعامل عنصري، بل هو بالأولى وقبل ذلك وبعده وعي بالمسؤولية الأخلاقية والقيادية، وهذا هو سبب محاولة ابن عجيبة ورغبته الأكيدة في تحقيق نسبه الحسني هذا النسب الذي أصبح مؤكدا حينما أكده شيخه محمد البوزيدي وأستاذ شيخه العربي الدرقاوي”.

وبعد أن أصل الشيخ ابن عجيبة لنسبه الشريف انتقل إلى الكلام عن نشاته وما يميزها من مظاهر النقاء والصلاح، فقد غلب عليه منذ الطفولة الميل إلى العزلة والانفراد والتعفف من المساوئ وتجنب الذنوب وعدم اقتراف المبيقات، ومحبة العلم وحسن الأخلاق. فكان لا يعطل شيئا من الأيام. يقول واصفا تلك المرحلة من حياته: ” فإذا كان يوم الخميس اشتغلت بالكتابة أو قراءة المتون وكذلك أيام العواشر لا أخليها من قراءة العلم. فقرأت مع القرآن مقدمة الأجرومية، والألفية، وابن عاشر، والخراز، وجزءا من حرز الأماني وغير  ذلك من التآليف”، مع ميل واضح للخلوة والوحدة فكان لا يلعب مع الصبيان ولا يلتفت إلى ما هم فيه.

هذا النفس الصوفي لم يكن غريبا عن عائلة الشيخ ابن عجيبة التي ذاع صيتها بالزهد والتقوى والصلاح والكرامات، فأبوه رجل صالح صموت خلوي لا يجلس في الغالب إلا وحده، مشتغلا بما يعنيه، فقيرا من الدنيا يحرث مع الناس بالنهار، ويأتي بحزمة حطب يبيت يقرأ عليها القرآن لأن لم يحفظه في صغره فندم عليه بعد كبره. أما والدته “رحمة” فكانت تتسم بالزهد والتقشف والتقوى والصلاح، شديدة الخوف من الله تعالى، تقرأ الزروقية بكرة وعشية وتصلية ابن مشيش وأورادا أخرى، مع عمارة جل أوقاتها بطكر الله، حريصة على فعل الخير، متخلقة بالجود والكرم والحلم والشفقة والرحمة على الجميع الخلق، تؤثر على نفسها وتعطي. وهب مدلاسته الأولى التي رشف منها التعاليم الدينية الولى عمليا، وغرست في فؤاده بذور حب الصلاة والمواظبة عليها في أوقاتها، حيث أكد: “ومنذ أخذت عقلي ما تركت الصلاة في وقتها قط فيما أعقل”.

والمتتبع للخيوط العريضة لهذه الفترة من حياته بجد أنها قيست على حياة غالبية أهل التصوف، “فمن العناصر التي توجد فيها كما توجد في غيرها من حيوات المتصوفة، رعي الغنم وما من نبي قال الشيخ إلا ورعى الغنم… ومن مظاهر التشابه كذلك كثرة الحفظ، وصفاء الذهن والتعرض للشدائد، وحدوث الخوارق في الصبا”.

وتحدت بعد عن الأشواط التي قطعها في مسيرته التعليمية، وهب لا تخرج عن عما كان معهودا في عصره، إذا تبتدأ بحفظ القرآن وإتقانه رسما وتجويدا، وحفظ المتون العلمية والأدبية والنحوية، ويتم كل هذا في نفس المدشر الذي يقيم فيه بيت الطالب، قبل أن ينتقل إلى المدن الكبيرة القريبة من قريته ليعمق تحصيله العلمي وكانت هذه المدن هي تطوان وفاس والقصر الكبير.

ولما انتهت مرحلة الطلب هيئ نفسه للعلوم اللدنية والانتقال للتجرد والعبادة فقال: ” ولما حصلنا بفضل الله ما قسم الله لنا من العلم الظاهر، انتقلنا إلى التهيؤ للعلم الباطن”. وقد تحقق هذا الانتقال باتخاذه شيخين للتربية وكان هما مولاي العربي الدرقاوي ومحمد البوزيدي، ولم ينسى الشيخ أن يذكر في سيرته ما تزوج من النساء، وما أنجب من الأولاد. ومجموع ما كان أنجب من الأولاد حتى عام (1224هـ) واحد وثلاثون، والأحياء منهم في التاريخ المذكور تسعة، من بينهم خليفته في الطريقة ولده شيخ الشيوخ، وإمام أهل الرسوخ، القطب سيدي الحاج عبد القادر ولد في صفر الخير، عام (1224هـ) وقد توفي عام (1313هـ) عن 89 سنة.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: عدنان الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع