التنظيم القضائي …صراعات ودسائس خفية بين السلطتين القضائية والتنفيذية

قرار المحكمة الدستورية لقن المؤسسة البرلمانية بعض المبادئ الأولية في الصناعة التشريعية سيما الإجرائية منها

صراعات ودسائس خفية بين السلطتين القضائية والتنفيذية أبقته رهين القراءات والتعديلات

بعد استقلال السلطة القضائية، كان من المفترض أن تعرف مجموعة من القوانين ذات صلة، تغييرات تواكب ذلك الاستقلال، في إطار التنزيل الفعلي لمضامين الدستور، غير أن الواقع كشف غير ذلك وظلت تلك القوانين حبيسة الرفوف، بل حتى التي كتب لها أن تشهد تعديلا كما هو الشأن بالنسبة إلى التنظيم القضائي، ظلت رهينة التعديلات لسنوات بين غرفتي البرلمان، قبل المصادقة النهائية عليها نهاية العام الماضي، غير أن تلك المصادقة لم تعرف طريقها إلى النشر في الجريدة الرسمية بعد أن أحال رئيس الحكومة المشروع على المحكمة الدستورية، في 16 يناير الماضي، يطلب منها أن تبت، استنادا إلى أحكام الفصل 132 من الدستور، في مطابقة القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي للدستور، لتنطلق مرحلة أخرى من مراحل ذلك القانون، وتؤكد بعد دراسته أنه غير دستوري في عدد من النقاط بل تعدتها إلى أخرى لم تكن مطروحة عليها.

التنظيم القضائي الذي كان يفترض فيه أن يصدر بشكل متواز مع قوانين السلطة القضائية، لارتباطها الفعلي في طريقة تدبير المحاكم وغيرها من النقاط المهمة، لا يعرف السبب وراء بقائه رهين القراءات والتعديلات، التي يلاحظ أنها تصب في خانة إثبات الذات بين السلطتين القضائية والتنفيذية، والتي ازدادت غموضا مع قرار المحكمة الدستورية، وهي صراعات لا شك أن من سيدفع ثمنها في الأول والأخير هو المتقاضي الحلقة الأضعف والغائب عن النقاش.
إنجاز: كريمة مصلي

أبرباش: نزع الصفة التقريرية عن الكاتب العام

أكد أن قرار المحكمة الدستورية دعوة لإعادة النظر في القوانين المنظمة لعمل هيأة كتابة الضبط
أكد أحمد أبرباش، رئيس ودادية موظفي العدل، أن قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون التنظيم القضائي أثار جدلا واسعا بين رجال القانون عامة ومهنيي قطاع العدالة بشكل خاص، وتباينت التحليلات بتباين طبيعة المقاربات التي احتكمت إلى تصورات قبلية مختلفة، خاصة أمام مستجدات متلاحقة، ما بعد الوثيقة الدستورية لسنة 2011، عنوانها البارز استقلال السلطة القضائية.

وأشار رئيس الودادية إلى أن استقلال السلطة القضائية يحتاج حتما إلى أجرأة بتعاون بين السلط، وفق مبادئ الدستور، خاصة السلطة المكلفة بالعدل امتدادا للسلطة التنفيذية، مشيرا إلى أن غياب التوافق حول مجموعة من المقتضيات بين السلطتين أنتج ما يسمى الصراع حول الصلاحيات.

وبخصوص مفهوم الإدارة القضائية، التي هي منطقة تماس على مستوى المحاكم بين الكاتب العام والمسؤول القضائي كان الأولى حسبه أن يكون التدبير مؤسساتيا من خلال مكتب المحكمة وضبط صلاحيات المسؤول القضائي لئلا يخضع لمحاسبة الأجهزة الرقابية، خشية التأثير على مبدأ الاستقلالية، مشيرا إلى أن مفهوم الإدارة القضائية لا يمكن التدقيق في عناصره ومقومات تعريفه في غياب تام لصلاحيات هيأة كتابة الضبط والتمييز بين المهام الإدارية والقضائية والشبه قضائية، وحتما لن يتم ذلك في غياب مراجعة شاملة لقوانين الشكل، بعد توافقات كبرى خدمة للنجاعة القضائية وقربا من المواطن للوصول تلقائيا إلى توصيف دقيق للمهام والكفاءات.

وبخصوص الكاتب العام للمحكمة، أكد أبرباش أن المحكمة لم تعقب على الكاتب العام إطار جديدا من حيث طبيعة وجوده القانونية بقدر ما انصب عملها على صلاحياته من داخل مكتب المحكمة فنزعت منه الصفة التقريرية كلما تعلق الأمر بمناقشة الشؤون القضائية، وبمفهوم المخالفة فإن هاته الصفة التقريرية سيحتفظ بها إذا تعلق الأمر بتدبير مالي او إداري. وهو ما يشكل تناقضا مع طبيعة المهام القضائية الموسومة بها هيأة كتابة الضبط بمنطوق قرار المحكمة الدستورية نفسه، فكيف يستقيم أن تثبت الصفة القضائية للمرؤوس وتنزعها عن الرئيس؟ وكيف يمكن للكاتب العام أن يؤثر على استقلال السلطة القضائية من موقعه المتواضع ومن خلال مشاريع قرارات متوقفة على مصادقة الجمعية العمومية وهي غير مثأترة في موقع أعظم، ألا وهو تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟

ولم يخف رئيس الودادية أن صياغة المادة في نصها الأصلي كانت محكمة ورافعة لكل لبس، طالما أنها أناطت ممارسة مهامه تحت إشراف المسؤول القضائي وأضفت على عمله الصبغة التقريرية، طالما يمثل جهازا موارده البشرية هي عماد المحكمة بمهامهم المتنوعة القضائية منها والإدارية والمالية والتقنية والاجتماعية والتواصلية. ولعل هاته المهام تمتد لتشمل النيابة العامة من داخل المحاكم بنفس الهوية ومن خلال التكوين نفسه و الإطار نفسه الإداري، فالخصوصية إذن عامة لموظفي هيأة كتابة الضبط وليس لموظفي النيابة العامة، فكان من الأولى الحديث عن خصوصية عمل النيابة العامة وهو معلوم، أما إسقاط ذلك على موظفي هيأة تابعة لوزارة العدل فقرار غامض وصعب أجرأته، إلا من خلال مراجعة شاملة للقوانين المنظمة ومن خلال حوار شفاف من داخل آليات التنسيق المشترك أفقيا وعموديا ومن خلال ضبط علاقة هيأة كتابة الضبط بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة.

وقفة تأمل

أكد أبرباش أن حصر مجال اشتغال المفتشية العامة لوزارة العدل، في مراقبة التدبير الإداري والمالي حرمان للعدالة من تجربة احترافية لنخبة من أطر هيأة كتابة الضبط، خاصة فيما يتعلق بمراقبة عمل صناديق المحاكم و ووحدات التبليغ والتحصيل وشعب التبليغ والتنفيذ، إذ أن الكثير من المهام متعلقة بالإجراءات والتي يغلب عليها الطابع التقني والإداري فضلا عن الخلفية القانونية القضائية التي تتمتع بها أيضا هيأة كتابة الضبط، مؤكدا على وقفة تأمل تحلل فيها بعمق بعيدا عن الفئوية وخطاب الاستقواء، لتعيد النظر في فلسفة الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، خدمة للمواطن البسيط الذي يتطلع لخدمة قضائية ناجعة وحكم قضائي عادل.

تعيين القضاة

اعتبر قرار المحكمة الدستورية أن تعيين القضاة في المهام القضائية يكون بقرار للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وليس قرار رئيسه المنتدب، إذ أكدت المحكمة ان المجلس الأعلى للسلطة القضائية يصدر قراراته بهيأة جماعية كمجلس ورئيسه المنتدب جزء من المجلس، ولا يمكنه الحلول محله في اختصاصاته وصلاحياته، طالما أن المجلس هو المختص وحده بتعيين القضاة في المحاكم والمسؤوليات والمناصب القضائية، وهو الساهر على تدبير الوضعية الفردية للقضاة، ولا يختص الرئيس المنتدب إلا في ما خصه المشرع به .

وتبعا لذلك اعتبر ” أن الضمانات الممنوحة للقضاة، وحماية استقلالهم، وتدبير وضعياتهم الفردية من تعيين وترقية وتقاعد وتأديب، لا تندرج في الصلاحيات المخولة للرئيس المنتدب، لا بحكم الدستور ولا بمقتضى القانونين التنظيميين المتعلقين بالسلطة القضائية، وإنما في الاختصاصات الموكولة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية”. وأضاف القرار “حيث إن كفالة استقلالية القضاة، سيما المعينين منهم لأداء مهام لمدد محددة، يقتضي تعيينهم من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بالنظر للضمانات التي تقدمها المساطر المتبعة لاتخاذ قراراته، وكذا ما يتيحه إدراج هذه التعيينات ضمن أشغال المجلس، من تَمكين الملك من الاطلاع عليها بصفته، الضامن لاستقلال السلطة القضائية، طبقا للفقرة الثانية من الفصل 107 من الدستور”.

وسجل القرار أنه “بناء على ما سبق، يكون إسناد تعيين قضاة الأسرة المكلفين بالزواج، والقضاة المكلفين بالتوثيق، والقضاة المكلفين بشؤون القاصرين، والقضاة المكلفين بالتحقيق، وقضاة الأحداث، وقضاة تطبيق العقوبات (بالنسبة إلى المحاكم الابتدائية)، والمستشارين المكلفين بالأحداث والقضاة المكلفين بالتحقيق (بالنسبة إلى محاكم الاستئناف)، إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية غير مطابق للدستور ولأحكام القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة”.

الهيني: الشأن القضائي خاص بالسلطة القضائية

أكد أنه لا يمكن للكاتب العام التابع لسلطة وزارة العدل أن يتمتع بأي اختصاص يتصل بالإدارة القضائية

أكد محمد الهيني المحامي بهيأة تطوان، أن قرار المحكمة الدستورية بشأن مدى دستورية التنظيم القضائي، المحال عليها، سجل نقاطا مهمة، أبرزها أن الشأن القضائي خاص بالسلطة القضائية ولا علاقة للكاتب العام للمحكمة أو وزارة العدل به، مشيرا إلى أن المحكمة الدستورية أقرت بأن الشأن القضائي في عمل المحاكم هو اختصاص تنفرد به السلطة القضائية، وهو مجال خاص بالقضاة، فيا يتعلق بالعمل القضائي، وخاص بالمسؤولين القضائيين، في ما يتعلق بالإدارة القضائية احتراما لمبدأ استقلال القضاء المكرس دستوريا.

وتبعا لذلك لا يمكن للكاتب العام للمحكمة مكونا من كتابة الضبط وبصفته رئيسا تسلسليا لها تابعا لسلطة وزارة العدل أن يتمتع بأي اختصاص يتصل بالإدارة القضائية، له ارتباط أصيل بالشق القضائي، فأقر بعدم دستورية هذا التوجه، مما يتعين فصل مهامه عن الإدارة القضائية أو عدم اخضاعه لسلطة وزارة العدل وجعله على رقابة وسلطة المسؤولين القضائية.

وهكذا جاء في حيثيات قرارها ” إن الشأن القضائي ليس بالموضوع المشترك أو القابل للتنسيق بين السلطتين التنفيذية والقضائية، بل هو اختصاص تنفرد به السلطة القضائية، ويمارسه قضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة بكل استقلالية، دون أي تدخل من سلطة دستورية أخرى، احتراما لمبدأ استقلال السلطة القضائية المكرس دستوريا”، وأن تخويل الكاتب العام، الموضوع تحت سلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل، أداء مهام كتابة الضبط المندرجة في الشأن القضائي، دون إخضاعه لسلطة ومراقبة المسؤول القضائي خلال مزاولة تلك المهام، مخالف للدستور”.

وأشار المحامي إلى أن من بين النقاط المهمة التي وقف عليها قرار المحكمة الدستورية عدم دستورية حضور الكاتب العام للمحكمة لاجتماعات مكتب المحكمة المتصلة بالشأن القضائي. وهو ما اعتبره أمرا طبيعيا ربطا للمقدمات بالنتائج، في عدم دستورية مباشرة الكاتب العام للمحكمة لأي اختصاصات ذات طبيعة إدارية قضائية، وأن يحظر عليه قضاة المحكمة الدستورية حضور اجتماعات مكتب المحكمة في الجوانب المتصلة بالشق القضائي أو الإدارة القضائية البحثة، مادام أنه لا يتبع للمسؤول القضائي، وإنما يتبع لسلطة وزير العدل ، ولا خلاف في حضوره للجوانب الإدارية والمالية المتصلة بعمل المكتب المذكور.

وخلافا للجدل المثار بشأن قرار المحكمة الدستورية في الشق المتعلق بتبعية كتاب الضبط بالنيابة العامة للمسؤولين القضائيين، وهو ما يرفضه كتاب الضبط، فالمحامي الهيني يرى أن هناك حاجة لاستقلال كتابة النيابة العامة وعدم دستورية توحيد هيأة كتابة الضبط، لأن السلطة القضائية في شقها المؤسساتي القضائي تنقسم دستوريا إلى قضاء حكم وقضاء نيابة عامة، وبالنظر لخصوصية الأعمال القضائية للمؤسستين فإن استقلالهما عن بعضهما تتفرع عنه ضرورة استقلال كتابة الضبط الخاصة بكل منهما، لتتمكن كل مؤسسة من أداء دورها المنوط بها دستوريا وقانونيا، وبالتالي كان مسلك توحيد كتابة الضبط غير دستوري وفقا لما انتهت اليه المحكمة الدستورية، حسب قوله.

كتابة الضبط ليست هيأة واحدة

أكدت المحكمة الدستورية أن قضاة النيابة العامة، يمارسون السلطة القضائية، إلى جانب قضاة الأحكام، طبقا للمادة الثانية من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، من خلال مهامهم القضائية بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي.

وأقرت أن العمل القضائي للنيابة العامة، يتوقف على عمل كتابة الضبط لتدبير الشكايات الواردة عليها ولتحرير محاضرها، ولتنفيذ الأوامر الصادرة عنها، وهو عمل يقتضي، من جهة، مراعاة طبيعة عمل كتابة الضبط لدى النيابة العامة المستمدة من خصوصية عمل هذه الأخيرة، ومن جهة أخرى، تبعية موظفي النيابة العامة للمسؤولين القضائيين، بحكم أن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة موكول، طبقا للمادة 110 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لجهة قضائية تتمثل في الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة”، ولذلك فإن عدم مراعاة طبيعة عمل كتابة النيابة العامة، في تنظيم كتابة الضبط في هيأة واحدة، مخالف للدستور.

العودة إلى نقطة الصفر

قرار المحكمة الدستورية لقن المؤسسة البرلمانية بعض المبادئ الأولية في الصناعة التشريعية سيما الإجرائية منها
أشار عبد الرحمان الشرقاوي، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق السويسي-جامعة محمد الخامس بالرباط، إلى أن قرار المحكمة الدستورية أجاب عن أهم التساؤلات التي شغلت مختلف الفاعلين في الحقل الحقوقي والمهتمين بالتنظيم القضائي للمملكة المغربية، سيما في الجوانب والنقط التي لها علاقة باستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل، مما يتعين معه القول، بأنه من حيث المبدأ، جاء قرار المحكمة الدستورية في مجمله منسجما مع مقتضيات الفصل 132 من الدستور.

واعتبر الأستاذ الجامعي أن هناك العديد من المؤشرات التي تؤكد بأن إعداد مشروع قانون التنظيم القضائي تميز بخاصيتين أساسيتين؛ الأولى هي الغموض، والثانية تتمثل في التردد. فلا أحد يمكنه أن يتجاهل الغموض، المتسم بطول المدة، الذي طغى على إعداد ومناقشة مشروع قانون التنظيم القضائي سيما في مرحلته قبل الأخيرة، على غرار العديد من مشاريع القوانين الأخرى؛ الأمر الذي صعب على المتتبعين والمهتمين بالشأن القضائي معرفة توجه ورؤية الجهة التي بادرت إلى التقدم بهذا المشروع وعرضه على أنظار المجلس الحكومي، ثم مجلسي البرلمان، ثم المحكمة الدستورية.

وقد يكون السبب الرئيسي في ذلك، حسب الشرقاوي، هو الطريقة التي طبعت إعداد ومناقشة هذا المشروع، خاصة في ما يتعلق بتجاهلها للعديد من الآراء التي تقدم بها الكثير من المهتمين والفاعلين في المجال القضائي، “ومن ثم، لا غرابة في أن تكون الحكومة هي نفسها التي بادرت في نهاية المطاف إلى عرض القانون رقم 38.15 على المحكمة الدستورية لتبت في دستوريته؛ بما يوحي بظنها، حتى لا نجزم بيقينها، بعدم دستورية هذا القانون، على الأقل في بعض مقتضياته، وهو الأمر الذي يؤكد الارتجالية والتردد اللذين طبعا هذا القانون منذ بدايته”.

وأكد الأستاذ الجامعي أن الارتباك التشريعي، الذي ساد هذا القانون منذ أن كان عبارة عن مسودة مشروع قانون، أثر بصورة سلبية على استكمال المملكة المغربية لمشروعها الهادف إلى إصلاح منظومة العدالة بصورة شمولية.

ولم يخف الشرقاوي في تحليله لقرار المحكمة الدستورية أن هذا الأخير حاول الفصل في بعض النقطة الجوهرية، والتي أثارت نقاشا عميقا، طيلة مرحلة إعداد ومناقشة مشروع قانون التنظيم القضائي؛ من أهمها تلك المتمثلة في صلاحيات واختصاصات الكاتب العام مؤسسة تم إحداثها بمقتضى هذا القانون، ومن خلاله حدود مهام هيأة كتابة الضبط ومسؤوليتها، وكان يتعين حسبه منذ البداية الفصل بين المهام الإدارية والمالية لكتابة الضبط ومهامها القضائية، فإذا كانت المهام الأولى يمكن اعتبارها من صميم عمل هيأة كتابة الضبط مؤسسة تتولى التدبير الإداري والمالي، فإن ما يتعلق بالمهام القضائية الصرفة من تقييد المقالات وحضور الجلسات وتحرير المحاضر والاستدعاءات والقيام بمهام التبليغ ومهام التنفيذ تندرج في إطار الشأن القضائي، الذي ينبغي أن يخضع لسلطة المسؤولين القضائيين، مادام أن هؤلاء يتحملون المسؤولية القانونية عن مختلف الاختلالات التي يمكن أن تقع في هذا الصدد.

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن مثل هذا الغموض والتردد في سن النصوص التشريعية، من شأنه أن يؤثر سلبيا على الثقة التي ينبغي أن تبعثها هذه النصوص في نفوس المخاطبين بالقاعدة القانونية، بل يجعل هؤلاء غير قادرين على فهم واستيعاب توقع الرؤية التشريعية للعديد من المجالات الحساسة، كما هو الشأن بالنسبة إلى موضوع استقلال السلطة القضائية؛ بل إن ذلك قد يؤدي إلى إحداث شرخ عميق بين مكونات الحقل القضائي المغربي، كما وقع في الأسابيع الأخيرة؛ والمتضرر في نهاية المطاف هو المواطن، باعتبار أن القضاء هو الذي يتولى حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، تطبيقا للفصل 117 من الدستور؛ ولا يمكنه بلوغ ذلك إلا إذا كان يتمتع باستقلال تام عن السلطة التنفيذية.

ثغرة دستورية في النقطة الخلافية

أكد عبد الرحمان الشرقاوي، أن هناك بعض النقط التي تتعين معالجتها، تبعا لقرار المحكمة الدستورية، من أهمها اختصاصات المفتشية العامة للوزارة المكلفة بالعدل، وأيضا الانتظارات التي يفرضها قرار المحكمة الدستورية؛ إذ أن مضمون هذا القرار يفرض على السلطة الحكومية إعادة مشروع القانون إلى مجلسي البرلمان؛ مع ما يستتبع ذلك من رهانات دستورية تخص التنظيم القضائي للمملكة. أضف إلى ذلك أن التمعن في مضامين القرار الدستوري يؤكد بالملموس وجود ثغرة دستورية في ما يتعلق بالنقطة الخلافية المتمثلة في إسناد الاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية، وقد يكون هذا أحد الأسباب التي كانت وراء الغموض الذي هيمن على مختلف النقاشات التي رافقت أو تلت مشروع قانون التنظيم القضائي، قبل إحالته على المحكمة الدستورية وبعد صدور قرارها.

من نصدق!

وزير العدل قال إنه استند على قرار المجلس الدستوري أساسا للتعديلات والمحكمة الدستورية تقول بغير ذلك

لم تكتمل فرحة محمد أوجار، وزير العدل الذي كان يتحدث عن أهمية التنظيم القضائي المصادق عليه في إطار القراءة الثانية، والتي جهر بها بعد ساعات قليلة على المصادقة في حفل تعيين المسؤولين القضائيين أخيرا، إذ لم يكن الوزير يظن أن الحكومة سيستقر رأيها على إحالة ذلك القانون العادي على المحكمة الدستورية، وهو القانون الذي صودق عليه بالأغلبية.

بين قرار الحكومة إحالته على المحكمة الدستورية وقرار المحكمة في شأن مخالفته للدستور، تطرح مجموعة من التساؤلات حول ما صرح به الوزير ساعتها، والذي قال فيه إنه استند على قرار المجلس الدستوري الصادر لمناسبة فحص دستورية القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية أساسا للتعديلات التي أدخلت على مشروع قانون التنظيم القضائي، فضلا عن إعمال مبدأ التشارك، والتوسع في الإنصات لجميع الأطراف، وفي مقدمتها مؤسسات السلطة القضائية والمسؤولون القضائيون والإداريون بالمحاكم، والجمعيات المهنية للقضاة و نقابات الموظفين، والانفتاح على مجموع اقتراحاتهم إلى أبعد الحدود، فإذا كان ما قاله صحيحا فلماذا أقرت المحكمة الدستورية بمخالفة مضامينه للدستور، خاصة أن الوزير أكد غير ما مرة أنه أنه في مرحلة تقديم التعديلات في الشروع في البت فيها أمام مجلس المستشارين حرص على الحفاظ على الروح والخارطة نفسيهما، وفق ما تقتضيه الضرورة وتتيحه الامكانات، وعلى بناء توافقات مع جميع الأطراف، مع تغليب روح الدستور والمصلحة العليا للوطن عند وجود أي خلاف، مشيرا إلى أنه تمت المصادقة على التنظيم القضائي بما يعد بمثابة إجماع من قبل ممثلي الأمة، وقال “إن وزارة العدل تؤكد من جانبها، وفي إطار الصلاحيات التي يمنحها إياها القانون، التزامها باتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنزيل مقتضياته بكل سلاسة وانسياب، بما يضمن التسيير الإداري العادي للمحاكم، بتعاون وثيق مع المسؤولين القضائيين الذين أوكل لهم القانون مهام الإشراف على المسؤولين الإداريين”.

وأكد أوجار حينها أن صدور قانون التنظيم القضائي يشكل منعطفا حاسما في مسار منظومة العدالة، و يستعجل أخذ زمام المبادرة لتمكين مقتضياته من أن تتكرس واقعا عمليا على أرضية التعاون والتنسيق المشترك بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، تعاون وتنسيق وتوافق وانسجام يطمح إلى نقل روحه من مستوى القيادة بينه وبين الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس النيابة العامة إلى مستوى القاعدة العريضة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الشراكة في تدبير منظومة العدالة متقدمة وتسير وفق تخطيط مشترك وإحساس متبادل بالهموم المشتركة، واحترام تام وقاطع وجازم لاستقلال القضاء وسلطته التي لا تقبل النقاش ولا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة و لا أي مسوغ، “فالضامن لاستقلاله هو جلالة الملك، والمؤتمن على ممارسته السلطة القضائية، وهو حق من حقوق المواطنة التي يعتبر التعدي عليها من أشنع و أفظع الانتهاكات الممارسة في حق الوطن والمواطنين”.

الشنتوف: الوقوع في التناقض

رئيس نادي القضاة قال إن المحكمة الدستورية أبدت رأيها في مواد قانونية طالبت بحذفها من قانون التنظيم القضائي

أكد عبد اللطيف الشنتوف، رئيس نادي قضاة المغرب، أن المحكمة الدستورية صرحت في قرارها بشأن التنظيم القضائي، بأن مجموعة من المواد والفقرات التي تضمنها القانون غير مطابقة للدستور،
وتساءل في حوار مع “الصباح”، من سيراقب تقيد البرلمان بالملاحظات الدستورية للمحكمة، ما دامت الإحالة لمراقبة المحكمة الدستورية في القانون العادي هي اختيارية وليست إجبارية كما هو الحال في القانون التنظيمي؟

< أثارت مسألة إحالة التنظيم القضائي على المحكمة الدستورية جدلا، استمر حتى بعد صدور قرارها في الموضوع، في نظركم ماسبب وراء ذلك؟

< إحالة الحكومة لقانون التنظيم القضائي على المحكمة الدستورية للبت في دستوريته بشكل اختياري هو موقف جيد، لأن هذا القانون من القوانين المهمة جدا في عملية التقاضي، ومن الأفضل ألا يخرج لحيز الوجود إلا وقد استنفد كافة السبيل الدستورية المتاحة ومنها رأي المحكمة الدستورية فيه. وسبق لي في عدة تصريحات إعلامية أن قلت بأن هذا القانون كان على المشرع الدستوري أن يرقى به إلى مستوى القانون التنظيمي ليخضع لمراقبة المحكمة الدستورية التلقائية. وأما عن موقفنا من القرار، فإننا من الناحية المبدئية نحترمه كيف ما كان، لأنه صدر عن مؤسسة دستورية أجاب عن تطلعاتنا كلها أم لم يفعل؟ ولكن ذلك لا يمنع من التعليق عليه من الناحية العلمية وفق ما جرى به العمل.

< ما دمتم تحدثتم عن التعليق، ما هي أهم النقاط التي اعتبرتها المحكمة تشكل مخالفة دستورية؟
< نعم، صرحت المحكمة الدستورية في قرارها الذي نحن بصدده بأن مجموعة من المواد والفقرات التي تضمنها قانون التنظيم القضائي غير مطابقة للدستور، فيما أكدت بالمقابل على دستورية مواد وفقرات أخرى، اعتبرتها غير ماسة باستقلال السلطة القضائية رغم النقاش حولها.

ومن هذه المواضيع المادة 19 (الفقرة الأولى)، وقد تمثلت المخالفة هنا في عدم مراعاة طبيعة عمل النيابة العامة في تنظيم كتابة الضبط في قانون التنظيم القضائي، والمادة 23 (الفقرة الثالثة) التي خوّلت الكاتب العام أداء مهام كتابة الضبط، و المواد 27 (الفقرة الأولى) و28 (الفقرة الأولى) و93، والتي منحت الكاتب العام صلاحيات تقريرية في أشغال مكتب المحكمة المتعلقة بالشأن القضائي.

أضف إلى ذلك المواد 27 (الفقرة الثانية) و28 (الفقرة الثانية) و60 و78، والتي نصت على تعيين وكيل الملك والوكيل العام للملك ممثلين لهم للقيام بمهام النيابة العامة لدى المحاكم الابتدائية التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية، ثم المواد 32 (الفقرة الأخيرة) و35 و96 (الفقرة الثالثة) والتي أغفلت تحديد المسطرة المتبعة في حالة عدم تمكن الجمعية العامة من عقد اجتماعها، بسبب عدم حضور ثلث الأعضاء وحالة عدم مصادقة الجمعية العامة خلال اجتماعها الثاني على مشروع برنامج عمل المحكمة، والمادتين 49 (الفقرة الأخيرة) و72 (الفقرة الأخيرة) واللتين أسندتا للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية صلاحية تعيين قضاة الأسرة المكلفين بالزواج، والقضاة المكلفين بالتوثيق، والقضاة المكلفين بشؤون القاصرين، والقضاة المكلفين بالتحقيق، وقضاة الأحداث، وقضاة تطبيق العقوبات، بالنسبة إلى المحاكم الابتدائية، والمستشارين المكلفين بالأحداث والقضاة المكلفين بالتحقيق لدى محاكم الاستئناف والمادة 52 فيما أوكلته من مهام قضائية لمكتب المساعدة الاجتماعية، غير مطابقة للدستور.

< بعد هذا السرد للمواد المخالفة، ماهي النقاط التي لم تجب عنها المحكمة الدستورية؟
< لم تتطرق المحكمة بتفصيل للعديد من النقاط التي سبق لنادي قضاة المغرب أن أثارها في مذكرته، ومنها الديمقراطية الحقيقية في تسيير المحاكم بإشراك القضاة في الجمعيات العامة، عن طريق نقاش جدول الأعمال وليس فقط المصادقة على اقتراحات مكتب المحكمة المثقل بمكونات تتبع لإدارة المحكمة في أغلبها، وقضية تفرد الحكومة وحدها عبر تقنية المراسيم في الإحداث الجغرافي للمراكز القضائية والمحاكم العادية والمتخصصة وتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وعدم تفصيل موضوع الخطأ القضائي وشروط ممارسته وحدود مسؤولية القضاة فيه، وإدراج بعض المقتضيات التي تهم القضاة في هذا القانون، مع أن وضعية القضاة منظمة حصرا بقانون تنظيمي وغيرها من المواضيع.

< يرى البعض أن قرار المحكمة الدستورية تضمن نوعا من التناقض في شأن بعض المواد؟
< انصبت هذه التفسيرات حتى لا نقول تناقضات، على مواد وفقرات قانون التنظيم القضائي خاصة تلك المتعلقة بالتفتيش والتي تهم مضمون المواد من 102 إلى 109 والتي اعتبرت المحكمة أنها تكتسي طابعا تنظيميا وأن مضمونها ليس فيه ما يخالف الدستور مع مراعاة التفسيرات المقدمة بشأنها.

وقد اعتبرت المحكمة في موقف مفاجئ هنا أن المواد من 102 إلى 109 من قانون التنظيم القضائي الجديد والتي تهم التفتيش الإداري والمالي للمحاكم أنه لا مبرر لتنظيمه بواسطة قانون، بل يحتاج فقط لمرسوم تنظيمي، على غرار باقي مفتشيات الوزارات الأخرى.

لكن الغريب هو أن المحكمة الدستورية وإن خلصت إلى أن المفتشية العامة لوزارة العدل يجب أن تنظم بمرسوم فقط، إلا أنها مع ذلك أبدت رأيها في قضية أثارت الكثير من النقاش، وهي المنصوص عليها في المادة 107 من قانون التنظيم القضائي، المتعلقة باستماع المفتشين الإداريين التابعين لوزارة العدل إلى المسؤولين القضائيين، وهم قضاة لديهم مفتشية خاصة بهم تتبع للسلطة القضائية، إذ صرحت المحكمة أن الاستماع الى المسؤولين فيما له علاقة بالتدبير الإداري والمالي للمحاكم وليس الشأن القضائي لا يخالف الدستور، بحكم الصلاحيات التي يملكونها في هذا المجال. وبهذا يبدو أن المحكمة هنا أبدت رأيها في مواد قانونية طالبت بحذفها من قانون التنظيم القضائي.

مآل القانون

بعد صدور قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون التنظيم القضائي، فإنه سوف يعاد للبرلمان قصد ملاءمة المواد التي اعتبرتها المحكمة غير دستورية. وهذا ما يتأتى عن تطبيق المادة 27 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية. فوفق هذه المادة، نكون أمام فرضيتن، الأولى أن المادة أو المواد أو جزء منها غير دستوري وفق قرار المحكمة، ويمكن فصل تلك المادة أو المواد أو الجزء عن القانون الأصلي دون تأثير عليه. ففي هذه الحالة يتم إصدار الأمر (الظهير) بتنفيذ القانون مباشرة، دون الحاجة لأن يعود للبرلمان. والفرضية الثانية أنه لا يمكن فصل المواد التي تم إبطالها عن القانون من دون التأثير عليه. ففي هذه الحالة يعاد القانون للبرلمان لغاية التقيد بملاحظات المحكمة الدستورية وإعادة ترتيب القانون.
لكن السؤال الذي يطرح هنا، ولا يجيب عنه النص القانوني هو من سيراقب في هذه الفرضية الأخيرة تقيّد البرلمان بالملاحظات الدستورية للمحكمة، والقول بتقيده بها من عدمه، ما دامت الإحالة لمراقبة المحكمة الدستورية في القانون العادي هي اختيارية، وليست اجبارية، كما هو الحال في القانون التنظيمي؟