الحب

بقلم: نجيب جهان   تخصص الفلسفة والشأن العام.

عادة ما يبدو هناك تلازم بين الفناء والبقاء، بين الوجود والغياب بين الحب والكره. إلخ.. وإذا تأملنا جيدا في مفهوم كل واحد منهما لوجدنا أن وحدة الشهود هي تسمية أخرى للفناء ووحدة الوجود هي تسمية أخرى للبقاء باعتبار أن الفناء والبقاء هما وجهان لعملة واحدة.

إن تجربة الصوفي ليست بالسهلة، وأن تظل رهين الفناء فهذا يعني أن تبدو لك عظمة الواحد فتنسيك كل جراحك وتغيبك عن كل شيء سوى الواحد {الذي ليس كمثله شيء} وليس معه شيء هو شهود الحق بلا خلق، كما أن البقاء هو شهود خلق بحق، فمن عرف الحق شهده في كل شيء ولم يرَ معه شيئا لنفوذ بصيرته من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح، ومن شهود عالم الملك إلى شهود فضاء الملكوت، ومن فني به وانجذب إلى حضرته غاب في شهود نوره عن كل شيء ولم يثبت مع الله شيئا.

إنها حالة غياب عن العالم، وقبل أن يعود الصوفي إلى أرض الواقع تماما، في هذه الحالة لا يكون الصوفي باقيا في شهود الله وحده، ولا في شهود العالم وحده، إنه في البين {البرزخ}، بل في شهودهما معا، فيرى الله في كل شيء ويرى كل شيء في الله أو كما قال ابن عربي، “يا من يراني ولا أراه، كم ذا أراه ولا يراني”.

وعلى هذا الأساس، يمكن التمييز بين أطوار ثلاثة من التجربة الصوفية، {الفناء والبقاء والتفرقة}. في الفناء يقول المتيم الصوفي هو هو، وفي البقاء يقول أنا هو، وفي التفرقة {البقاء في عالم الشهود} أنا، أنا وهو هو. يقول في بداية تقديمه ابن عربي لكتابه الحب والمحبة الإلهية. “الحمد لله الذي جعل الهوى حرصا تهج إليه قلوب الأدبا وكعبة تطوف بها أسرار ألباب الظرفا، وجعل الفراق أمر كأس تذاق وجعل التلاق عذب الجنى طيب المذاق، تجلى اسمه الجميل سبحانه فألهى الألباب فلما غرقت في بحر حبه أغلق دونها الباب وأمر أجناد الهوى أن يضربوها بسيوف النوى، فلما طاشت العقول وقيدها الثقيل ودعاها داعي الاشتياق، وحركاتها دواعي الأشواق، رامت الخروج إليه عشقا، فلم تستطع فذابت في أماكنها الضيقة ومسالكها الوعرة جدا…”

على الرغم من المحاولات الصوفية التي تحاول وضع حدود فكرية لمفهوم التجربة العرفانية فإن ذلك لا يمنع من كونها رؤية ذاتية تختلف من واحد لآخر ما دامت التجربة الصوفية تجربة ذوقية فردية بالدرجة الأولى، تتباين من صوفي إلى آخر، ومن عاشق إلى آخر.
ولهذا قال القشيري رحمه الله تعالى وتكلم الناس في التصوف: ما معناه؟ وفي الصوفي من هو؟ فكل عبر بما وقع له.

تبدو التجربة الصوفية في حقيقتها محاولة لتجاوز حيز التجربة الدينية العادية التي تكتفي بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي من خلال تجاوز حدود الإيمان للولوج إلى حقيقة الإحسان.

إنها تجربة المحبة الصوفية التي وصفها الحق سبحانه وتعالى بنفسه مادام الحب مقاما إلهيا. فالحب أصل سبب وجود العالم والسماع سبب كونه، وبهذا الحب وقع التنفس، وأظهر العالم نفس الرحمن، لإزالة حكم الحكم، وتنفس ما يجد المحب وخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق الذي يريد أن يتعرف إليهم ليعرفوه، فكان العماء المسمى بالحق المخلوق به فكان ذلك العماء جوهر العالم… فالعماء من تنفسه والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة كن، فالمحبة مقامها شريف، وهي أصل الوجود.

إن قيمة الحب الإلهي، هو أن يحبنا الله تعالى لنا ولنفسه، أما حبه إيانا لنفسه فهو قوله: “أحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني، فما خلقنا إلا لنفسه حتى نعرفه”
ومن هنا يظهر العرفان ميزة تمتاز بها المعرفة الصوفية لأنه تجسيد لفكرة الباطن الذي يقول به الصوفية، وهو بعيد عن العلم الذي لا يعبر إلا عن معرفة بالظاهر، ومن هنا فالتجربة الصوفية تفرق بين صنفين من المعرفة: “معرفة تكتسب بالحس أو بالعقل، أو بهما معا ومعرفة تحصل بالكشف والعيان. ولذلك جعل الصوفية العرفان في أعلى درجة يتميز بها عن بقية أنواع المعرفة الأخرى، إنه تأمل في ما فوق طور العقل مثل المعرفة البيانية أو المعرفة البرهانية ما دام الأخيران مصدرا من مصادر المعرفة الحسية العقلية الذي يرجع إليها أهل السلطة الفقهية والكلامية…
إن خير التجربة الصوفية يصير من هنا منحصرا في الإرادة والوجدان وتصبح هذه التجربة تتعالى على الوعي العقلي، أو قل تجربة وعي سام.

لذلك قال ابن عربي في رسالته إلى الإمام الرازي: فالعقول تعرف الله من حيث كونه موجودا، ومن حيث السلب لا من حيث الإثبات، فالعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري.

 

1 – نسبة الحب إلى الانسان

الحب ذوق ولا تدري حقيقته، أليس ذا عجب والله والله، وأليس هذا ما أشار إليه ابن عربي؟
“اعلم أن الحب معقول المعنى وإن كان لا يحد، فهو مدرك بالذوق غير مجهول، ولكنه عزيز التصور، فإن الأمور المعلومات على قسمين، منها ما يحد ومنها ما لا يحد والمحبة عند العلماء بما المتكلمين فيها من الأمور التي لا تحد فيعرفها من قامت به ومن كانت صفته ولا يعرف ما هي ولا ينكر وجودها”
إن الحب تجربة معيشية محضة، وجب على صاحبها تذوقها ليحكي عنها، فلا أحد للحب يعرف به ذاتيا ولكن يحد بالحدود الرسمية واللفظية، “فمن حد الحب ما عرفه ومن لم يذقه شربا ما عرفه، ومن قال رويت منه ما عرفه، فالحب شرب بلا ري”

“الحب أوله نحب وأوسطه

موت وليس له حد فينكشف”.

إن تجربة الحب الصوفية لا تكون مرتبطة بعيان مشاهد، كان ممن من شأنه أن يعانق، فيحب عناقه أو ينكح فيحب نكاحه، أو يجالس مجالسته، فما تعلق حبه إلا بمعدوم زائف، فإذا كان يحب شخصه أو وجوده في عينه فلا فائدة لمتعلق الحب، فإذا قلت “إنا كنا نحب مجالسة شخص أو تقبيله أو عناقه أو تأنيسه أو حديثه ثم نرى تحصل ذلك، فهذا اعتقاد خاطئ، مادام الحب لا يزول مع وجود العناق والوصال”
إن من حقائق المحبة ألا تقبل الاشتراك، فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلا، لأن القلب لا يسعهما. فإن قلت “هذا يمكن أن يصح في حب المخلوق، وأما في حب الخالق فلا، فإنه قال: “يحبهم”، فأحب كثيرين، قلنا الحب مجهول النسبة إلى الله تعالى، فإن الله ليس كمثله شيء، فلا يعرف نسبة الحب إلى الحق إلا من يعرف ذات الحق”
ومن هنا فسح الصوفية المجال للقلب، إذ جعلوه السبيل الأوحد للوصول إلى الحقيقة وهو محل المعرفة والنور والتقوى، وهو عند ابن عربي بيت الله وموضع النظر، وحضرة أسراره ومهبط ملائكته وخزانة أنواره وكعبته المقصودة وعرفاته المشهودة… وبصلاحه صلاح الجسد وبفساده فساد الجسد، ليس لعضو ولا جارحة حركة ولا ظهور ولا كون ولا حكم ولا تأثير إلا عن أمره، وهو محل القبض والبسط والرجاء والخوف والشكر والصبر، فهو محل الإيمان والتوحيد ومحل التنزيه والتجريد، وهو الموصوف بالسكر والمحو والإثبات والمحق والإسراء والنزول، هو ذو الجلال والجمال والأنسب والهيبة والتجلي والحق، هو صاحب الهمة والمكر… هو حامل المعاني ومدبر المغاني. ولأنه أيضا موضع التجلي والمعرفة التي وسعت الحق، وبه تنكشف صورة الحق العارف في كل شيء حتى لا يصير إلا في الله وبالله.

 

2 – الحب يعمي ويصم

واعلم أن كل حب لا يحكم على صاحبه بحيث أن يصمه عن كل مسموع سوى ما يسمع من كلام محبوبه، وذكر من يحب محبوبه ويختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه ويرمي قفله على خزانة خياله، فلا يتخيل سوى محبوبه، وإلا فليس بحب ولا صاحبه بمحب، فإن الأصل في المحبة أن تكون أنت عين محبوبك وتغيب فيه عنك فيكون هو.
حينما نتكلم عن التجربة الصوفية، فنحن نقصد ذوبان الذات في الموضوع ولا سيما إذا كانت هذه الذات، هي الذات الصوفية التي تبتغي الوصول إلى الله، فإذا ما سلكت سبيلها إلى الله {الموضوع}، فإنها إذاك تنسلخ من ذاتها فلا يكون حينئذ إلا الموضوع ولا يظهر حديث الذات الصوفية إلا حديث ما يصدر عن الموضوع. {الواحد الحق}
لقد اتخذ ابن عربي من الحب العذري كممارسة روحية طريقا له إلى الهيام بالله تعالى رامزًا إلى اللطائف الروحانية بصفات المرأة، أو ما شاكلها من حسن مما يتصف به الظبي أو الغزال من صفات تروق الإنسان إذا ما نظر إليها.

 

3 – مقام رؤية الحق في الخلق

حبب لرسول الله {ص} النساء فإن الحب أعظم شهوة وأكملها، والشهوة آلة النفس تعلو بعلو المشتهي، وتسفل باستفال المشتهي، وكل صفة لنا نحو عنصرها تطلبه مثل الشوق يعلو نحو عنصره الذي هو الشوق الأعظم.
إن قصة الحب الحقيقية التي عاشها ابن عربي، تمثل أولى تجاربه المتميزة في تصويره لواعجه الروحية، حينما تعلقت ذاته بالله تعالى، فتراه لا يستحضر الذات الإلهية إلا ويستحضر معها صفات الحسن والجمل المادية التي استهوته في عز شبابه والتي جسدتها له بامتياز محبوبته النظام، بحسنها وجمالها. يقول:
يا صاحبي بمهجتي خمصانة
أسدت إلي أياديا وعوارفها.

نظمت نظام الشمل، فهي نظامنا عربية عجما تلهي العارفا.
ويوضح ابن عربي: “إنها أوقفني حصولها على معرفة ذاتي بذاتي لربي ولذاتي فجمعتني علي وجمعتني بربي فانتظم شملي بنظمها فهي عربية بي مني وعجماء فيها عرفتني فيما عرفتني من ربي لأن المعرفة الإلهية إجمالية لا يمكن فيها تفصيل وإذا انتفى التفصيل فلا إجمال”… وقوله: “تلهي العارفا يعني عن معرفته وعن نفسه بمشاهدته لأن العلم بالشيء وشهوده لا يجتمعان”.

فمن عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن بل من كمال العارف حبهن، فإنه ميراث نبوي وحب إلهي، قال رسول الله: “وحبب إلي من دنياكم تلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة”. قال الله تعالى لنبيه: “لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بصف من أزواج، ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا”. سورة الأحزاب آية 52.

فحنين الرجل إلى المرأة حنين الشيء إلى نفسه، فإن حواء خلقت واشتقت من آدم وحنين المرأة إلى الرجل حنين الشيء إلى وطنه، فالمرأة خلقت منفعة عن الرجل ليحن إليها حنين من ظهرت سيادته بها، فهو يحبها محبة من أعطاه درجة السيادة وهي تحن إليه حنين الجزء إلى الكل وهو حنين الوطن لأنه وطنها، مع ما يضاف إلى ذلك من كون كل موضعا لشهوته والتذاذه.
فحب المرأة، يشغل الحب عنها، موجها نظره إلى المعشوق الأول {الحق الواحد} لهو ألطف ما يكون.
إن المرحلة الأولى لابن عربي، كانت بعشقه المفتون بالنظام الذي كان جسرا مر من خلاله لحبه بالله، ولذلك يبدو حب الصوفي ابن عربي قد امتزج وتداخل مع حبه الإلهي في معظم قصائد الديوان. وهكذا جاءت اللغة الصوفية في ترجمان الأشواق تكشف عن مضامين روحية، تستلهم جوانية العشق الإنساني لتحاور بها روحانية العشق الإلهي، وقد يكون الاهتداء بهذه الاستعارة من طريق التغني والحب، وهذا ما كابده ابن عربي في رؤاه البشرية.

 

4 – السكر من شراب الحب

“اعلم أن الحب شرابا هو تجل متوسط بين تجليين، وهو التجلي الدائم الذي لا ينقطع وهو أعلى مقام يتجلى الحق فيه لعبادة العارفين، وأوله تجلي الذوق ومن لم يذقه شربا ما عرفه”.
إن التجلي هنا الذي يقع به الري فهو لأصحاب الضيق، فغاية شربهم ري وما أهمل السعة فلا ري لشربهم، فإنه من قال “رويت من الحب ما عرفه، فالحب شرب بلا ري”.
إن قيمة الحب هنا كامنة في ذاته بمعنى كأس شراب الحب هو القلب من الحب لا عقله ولا حسه، فإن القلب يتقلب من حال إلى حال، مادام الله هو المحبوب، فإنه كل يوم هو في شأن، فيتنوع المحب في تعلق حبه بتنوع المحبوب في أفعاله، فلون المحب لون محبوبه وليس هذا إلا للقلب، فإن العقل من عالم التقييد والحصر والهندسة الرقمية، بخلاف القلب وذلك أن الحب له أحكام مختلفة متضادة فلا يقبلها إلا من قوته الانقلاب معه فيها وذلك لا يكون إلا للقلب.
إن حالة التضاد التي يعيشها القلب في تجربته الصوفية، تعكس ضرورة الاتصاف بالنقيضين إذا اتفق أن يكون أحدهما محبوبا للمحبوب مما يكرهه المحب، لكون الحب لا يطلبه ولا يقتديه، فمن أوصاف المحبة أن يجمع المحب في حبه بين الضدين، ليصح كونه على الصورة لما فيه من الاختيار وهذا هو الفرق بين الحب الطبيعي والروحاني.
وعلى هذا الأساس يقسم ابن عربي في كتابه الفتوحات المكية للحب إلى تلاث مراتب:
• الحب الطبيعي، 2- الحب الروحاني، 3- الحب الإلهي.
حينما رأى أن “الحب مقام إلهي، أي صفة إلهية وصف بها الحق نفسه أولا وقبل كل شيء، غير أن القرآن ألحقها الإنسان بل بباقي الكائنات ويؤكد بأن الحب الإلهي {المنسوب إلى الله} هو الدافع إلى خلق العالم. وبذلك ميز ابن عربي بين نوعين من الحب الإلهي:

• حب الله للعالم والموجودات وهنا يكون الحب صفة أزلية.
• حب الصوفي لله، وهنا يظهر الحب صفة إنسانية غايتها التعلق بالألوهية نفسه.

إن الحب من صفاته اللازمة لوجب الاتصال بالمحبوب، ومن صفاته اللازمة حب ما يحبه المحبوب، فيحب المحبوب الهجر، فإن أحب المحبوب الهجر وقد فعل ما تقتديه المحبة، لأن المحبة تطلب الاتصال وإن أحب الاتصال فقد فعل ما لا تقتديه المحبة فإن المحب يحب ما يحب محبوبه {…} وغاية الجمع بينهما أن يحب حب المحبوب للهجر لا الهجر، ويحب الاتصال لأن الهجر ما هو عين حب المحبوب للهجر.

والمحب الإلهي إذا تجلت له صور التجلي، أحاطت به الأشواق ولزمته سواء في حال البعد أو القرب، فيوصف بالشوق إلى هذه التجليات المثالية، فإن الشوق للمحبة ومن لازم وموصوف بالصبر لأن حياة الدنيا ليست بمحل اللقاء.
إن حب الله للعالم يكمن في مبدأي التجلي الجمالي للخالق في مخلوقاته فالجلال والجمال لله وصف ذاتي في نفسه وفي صنعه، فالجمال هو نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية باسمه الجميل وهو الجمال الذي له الجلال المشهود في العالم، وأما الجلال فهو نعوت القهر من الحضرة الإلهية الذي يكون عنده الوجود والهيبة التي هي من أثر الجمال والأنس الذي هو من أثر الجلال، نعتان للمخلوق لا الخالق، ولا لما يوصف به فإن الأنس مشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب، وهو جلال الجمال، فلا محب إلى الله عز وجل فما في الوجود إلا الحضرة الإلهية، وهي ذاته وصفاته وأفعاله.

وكما سبق للعروي أن عبر على التصوف كونه تجربة فردية ذهنية تتلخص في تمثل الحرية المطلقة بعد الانسلاخ عن كل المؤثرات الخارجية للطبيعة الاجتماعية والنفسانية ، ولأن هذه التجربة الذاتية تقتدي التعبير عن كل ما يحيط من عشق وحب وهيام وشوق، ويورث الفناء عند المشاهدة وهي التي تكمن في آثار الجمال. ولهذا هام في الحق العارفون، وتحقق بمحبته المحققون، ولهذا اعتبر العالم من منظور ابن عربي مرآة الحق، فما رأى العارفون فيه إلا صورة الحق، وهو سبحانه الجميل والجمال محبوب لذاته والهيبة له في قلوب الناظرين إليه ذاتية، فأورث المحبة والهيبة فهو تعالى المتجلي في كل وجه.

إن تجربة حب الواحد الصوفية، تدفع معشوقه إلى التعبير عن مختلف مكنوناته ومشاعره، بجراحها وحزنها وفرحها وهيامها وغرامها وصبرها…

إن الغرام هو الاستهلاك في المحبوب بملازمة الكمد، لملازمة شهود المحبوب فإن الغريم هو الذي لزمه الدين، وبه سمي غريما، فلما لازم الحب قلوب المحبين والشوق قلوب المشتاقين والأرق نفوس الأرقين وكل صفة الحب موصوفها منها سمي صاحب هذه الملازمات كلها مغرما وسيمتح صفته غراما. والكمد هو أشد حزن القلب لا يجري معه دمع إلا أن صاحبه يكون كثير التأوه والتنهد، وهو حزن غير مبرر، ليس له سبب إلا الحب خاصة وليس له دواء سوى وصال المحبوب، أما الهيام فهو عشق الجمال والحيرة في الوجود التي يريد أن يتقلب فيها القلب، فالمحبون لله أولى بصفة الهيام على وجوههم من غير قصد جهة مخصومة، أما أصعب المحبة وهو الشعور بالحزن، فهو مأخوذ من الوعر وهو ينزل بالمحب إذا ارتفع صبره ورحل عنه، فلا تسأل عن شدة ما لقي المحب، جراء فراق المحبوب، لما غاب شخصه وبقي الخيال وتذكرت النفس ليال الأنس وبالتالي ما على المحب سوى الصبر كخاصية أخرى تميز خصائص العشق الإلهي، فالصبر يكون لعزة الحضرة الإلهية وامتناعها عن التجلي للمحب، فيحبس نفسه عن الشكوى ويقوم الحزن في قلب المحب من فراق التجليات الإلهية.

إن قلب العارف بالله، قدر له رحمة الله به وهو أوسع منها، إن تجليات الكمد والذل والهيام والعشق، جزء ضئيل من رحمه الله على قلب العارف، لأن رحمته التي يطلبها قلب العاشق منه هي دليل سعة صحبة الخالق عز وجل مادامت المحبة حكما توجب رحمة الموصوف بها بنفسه ولذا يجد المتنفس راحة في نفسه، فبروز المتنفس عين رحمته بنفسه، فكان مقام المحبة الإلهي أول مرحوم، فخلق الخلق وهو نفس الرحمن. يقول “إن رحمته وسعت كل شيء فوسعت الحق فهي أوسع من القلب أو مساوية له في السعة… ثم لتعلم أن الحق تعالى كما تبث في الصحيح يتحول في الصور عند التجلي وأن الحق تعالى إذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات فكأنه يملأه، ومعنى هذا أنه إذا نظر إلى الحق عند تجليه له لا يمكن أن ينظر معه إلى غيره”.

إن معنى ما سبق، هو أن رحمة الله تسع قلب العارف وغيره، غير أن قلب العاشق والمغرم بالله محبته له تصرفه عن خلقه، مادام القلب لا يسعهما، ومادام الحب لا يقبل الاشتراك حسب ابن عربي.

يدعونا هذا الأمر أن نميز بين خاصيتين: خاصية التجلي الإلهي {محبته للخلق}، وحب المخلوق للخالق.
“إن الحب مقام إلهي وصف الحق تعالى به نفسه”. وهو سبب وجوده وسبب وجود الخلق، ورد في الحديث الصحيح كشفا عن غير الثابت، نقلا عن رسول الله {ص} عن ربه عز وجل أنه قال ما هذا معناه، “كنت كنزًا لم أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني.” وذكر الله نفسه بنفسه الرحمن فلما ذكر المحبة علمنا من حقيقة الحب ولوازمه مما يجده المحب في نفسه، وأن الحب لا يتعلق إلا بمعدوم يصح وجوده وهو غير موجود في الحال والعالم محدث، والله كان ولا شيء معه، وبالتالي كان الحب أصل سبب وجود العالم والسماع سبب كونه، وبهذا الحب وقع التنفس {التجلي، الخلق} وأظهر العالم نفس الرحمن لإزالة حكم الحب وتنفس ما يجد المحب، وخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق الذي يريد أن يتعرف إليهم ليعرفوه، فكان العماء المسمى بالحق للمخلوق به فكان ذلك العماء جوهر العالم فقبل صور العالم وأرواحه وطبائعه كلها، وهو قابل لا يتناهى، فالعماء من تنفسه، والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة “كن”، فالمحبة مقامها شريف، وهي أصل الوجود.

ولما كانت المحبة هي أصل العالم، كان جمال العالم وصنيعه سبب هيام وعشق العارفين فالحب جميل والجمال سبب وهو الأساس، والله جميل يحب الجمال، فالعالم جمال الله فهو تعالى الجميل، المحب للجمال، ورد في الخبر الصحيح في صحيح المسلم عن رسول الله {ص} أنه قال: “إن الله جميل يحب الجمال، فأوجد الله العالم في غاية الجمال والكلام خلقا وإبداعا، فإنه تعالى يحب الجمال، وما تمّة جميل إلا هو، فأحب نفسه، ثم أحب أن يرى نفسه، في غيره فخلق العالم على صورة جماله”، ويضيف، “اعلم وفقك الله أن الحب سببان: الجمال والإحسان، إن الله جميل يحب الجمال، فتنبهنا بقوله جميل أن نحبه وغدر المحبين بهذا الخبر، لأن المحب لا يرى محبوبه إلا الأجمل للعالم في عينه، فما أحب إلا ما هو جمال عنده، لابد من حكم ذلك فإنه لا شك أن الجمال محبوب لذاته وهو تعالى صانع العالم.”

وعلى هذا الأساس، كان الحب عند العارف لا يقبل الاشتراك مع مخلوقات الواحد، فجمال الواحد المعدوم، والظاهر في تجلياته، تصرفه عن حب زائف لمخلوق آخر. فحب الاشتراك يصح في حب المخلوق، وأما في حب الخالق، “فلا يعرف نسبة الحب إلى الحق إلا من يعرف ذات الحق”

إذا كان الحق يتنوع تجليه في الصور، فبالضرورة يتسع القلب ويضيف بحسب الصورة التي يقع فيها التجلي الإلهي، فإنه لا يفضل شيء عن صورة ما، يقع فيها التجلي. يقول ابن عربي: “فإن صور التجلي ما لها نهاية تقف عندها، وكذلك العلم بالله ماله غاية في العارف يقف عندها، بل هو العارف في كل زمان يطلب الزيادة من العلم به… رب زدني علمًا.. فالأمر لا يتناهى من الطرفين.”

إن العقل في هذه الحالة قيّد، فيحصر الأمر في نعت واحد والحقيقة تأبى الحصر في نفس الأمر فإيمان العارف لا يسعه عقله للإخلاص في حبه، فالأمر يحتاج ما فوق طور العقل وهو الكامن في القلب. فمن أراد أن يعرف النفس الإلهي فليعرف العالم فإنه من عرف نفسه عرف ربه الذي ظهر فيه، أي العالم ظهر في نفس الرحمن الذي نفس الله به عن الأسماء الإلهية ما تجده من عدم ظهور آثارها، فامتّن على نفسه بما أوجده في نفسه فأول أثر كان للنفس إنما كان في ذلك الانحباب، ثم لم يزل الأمر ينزل بتنفيس العموم إلى آخر ما وجد.

فما دام الخالق كرم الناس وفضلهم على سائر الكائنات بقوله، “فلمّا أبان أنه نفخ فيه من روحه فما اشتاق إلا لنفسه، ألا تراه خلقه على صورته لأنه من روحه؟ ولمّا كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسماة في جسده أخلاطا حدث عن نفخه اشتعال بما في جسده من الرطوبة فكان روح الإنسان نارا لأجل نشأته… فبطن نفس الرحمن فبما كان به الإنسان إنسانا.”، جاز لقلب العارف الانصراف عن ملذات الدنيا في انغماس ذهنه في جمال خلقه وعظمته إنها حالة موت وحياة، عدم ووجود، إنه في عالم برزخي شبه قاس، لأن الحياة فيه شبه منعدمة، في طور بلوغ مرحلة أخرى جديدة من الحياة، إنها الولادة الجديدة التي تمر عبر الموت والفناء الذي يكون بالذوبان خوفا من أنوار وسطوات الهيبة، كما يموت المحب ويقاسي الآلام بين طلب الوصل بالمحبوب وبين عزة المحبوب ومنعته، بمعنى في عالم الفناء، فعين السعادة، لم تزل تلاحظه من قبل الأزل فهو في عالم الصور معنا وفي عالم الأرواح يشاهد المعنى، فلما أفناه موجده عن وجوده، بما حباه من طوله وجوده، تحيط جوهر روحانيته في عرض إنسانيته وطمعت في الخلاص الأرواح، من حصر أقفاص الأشباح، هتفت بها هواتف الأقدار بالعشي والإبكار.

فلما كان للمرأة {الأنثى}، نصيب من خلق الخالق، فقد خصص لها ابن عربي حيزا مهما من “صوفياته”، ما دامت محبوبته النظام تذكرنا بأجمل تجربة عاشها ابن عربي حيث كانت هي الوصل الأول بينه وبين الواحد. يقول، “…ثم اشتق له منه {يقصد الرجل} شخصا على صورته سماه امرأة فظهرت بصورته فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه، فحببت إليه النساء فإن الله أحب من خلقه على صورته وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم وعلو نشأتهم الطبيعية، فمن هناك وقعت المناسبة، والصورة أعظم مناسبة وأجلها وأكملها، فإنها زوج أي شفعت وجود الحق، كما كانت المرأة شفعت بوجودها للرجل فصيرته زوجا فظاهرت الثلاثة حق ورجل وامرأة، فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه.”

فحبب إليه ربه النساء، كما أحب الله من هو على صورته فما وقع الحب إلا لمن تكون عنه وقد كان حبه لمن تكون منه وهو الحق ولهذا قال “حبب” ولم يقل أحببت من نفسه، لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب الله إياه وتخلقا إلهيا، ولما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة، أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أمر بالاغتسال منه فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة. فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فطهره بالغسل ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه. إذ لا يكون إلا ذلك.

فلهذا أحب {ص} النساء لكمال شهود الحق فيهن إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا، فإن الله بالذات غني عن العالمين، وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا ولم تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله.

 

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol