الأسطول الفرنسي يهاجم مدينة سلا (1268م)

ذ.إدريس كرم

تقديم:

في العقدين الأخيرين من القرن العشرين قمت بجمع عدد من الرسائل صنفتها تحت عنوان: (رسائل ليست كمثيلاتها) في ثلاث مجلدات، سبق نشر بعضها في نهاية القرن العشرين المنصرم، ببعض الجرائد بنفس العنوان، وبموقع (هوية بريس) في العقد الثاني من هذا القرن، وهذه واحدة مما في المجلدات الثلاثة وهي تتحدث عن مهاجمة اسطول فرنسي لسلا، منذ 275 سنة، وكيف رد السلاويون عليه، مع تسجيل خسائر الطرفين.

نص الرسالة:

الحمد لله وحده

وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
حفظ الله بمنه، وعمَّ بجميل ستره، مقام ولد عمتنا وابن عمنا الفقيهالأرضى، النزيه المرتضى، أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد العزيز الجعيدي الحسني، أحسن الله عاقبتك في الدارين.

سلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا أيده الله، كيف أنت وكيف هي الأحوال، أجراها المولى سبحانه على ما يسر البال وبعد:

(اعلم أعلمك الله خيرا، ووقاك ضيرا، أن يوم الثلاثة أول شهر صفر الخير، قدموا علينا مراكب النار، ومراكب قلاع، ومركبا آخر بعيد منهم، عدو الله الكافر الفرانصيص دمره الله وشتت شمله، وطلع القارب على العادة للمرسى عندهم ليعرفوا على ما حاق به، فدفع لأرباب القارب كتاب لقايد سلا وبنديرة، وهو يقول في كتابه يخاطب قايد سلا ويطلب منه سبعة آلاف ريال متاع الزرع كان انتهب له في عام قبل عام تاريخه، وتعلق البنديرة في السقالة وضَرَبَ أجَلاََ ثلاث ساعات فاجتمع أهل سلا بأجمعهم، وأرادوا أن يمزقوا البنديرة، فأبى قايد البلد، وقال إنه يولد من ذلك فتنة ما تمكن، إلى أن ردوا له الجواب، وقالوا له، أجل لأهل سلا عشرة أيام حتى يكتبوا لسيدنا أيده الله، والذي إمرهم به يفعلونه، فأجاب اللعين لذلك، وتفرقت العسة في الأبراج، وفي أبواب المدينة إلى أن صباح الله الصباح، وعمروا المدافع في كل موضع، من الأبراج، والناس على حذر من العدو، والكافر يعد العشرة من يوم الأربعاء، خرج علينا من مراكب النار دفعة واحدة ما يزيد على المائة كورَ، وبونبة، وقاما الفتنة بالمسلمين، وانغلقوا أبواب المدينة، والناس بسلاحهم في كل حومة، والمجاهدون يخرجون الكور من الأبراج، وعدو الله يخرج عليهم كذلك، حتى تهدم المسجد الأعظم، والسقالة الجديدة، حتى انهدمت بأساسها، وتهدموا بعض الديار، في الطالعة وغيرها، الطالعة أكثر، وماتوا من المجاهدين تسعة أنفس، رحمة الله تعالى علينا وعليهم، وماتوا أيضا في بعض الزقاق عشرة، وحضر لطف الله واشتغل عدو الله الكافر على ذلك حتى غربت الشمس بساعة، والمجاهدون مثبتون غاية الثبات، وغرقوا اثنين من اشكايف، ونزلت عليهم بومبة من عند الحاج احمد النجام في المركب الكبير كان فيهم كبيرهم، ومات دمره الله، وانقصم على نصفين، وتصدع المركب ولم يعرفوا ما ضاع من الكفار وما سلم منهم، وحين جل الليل رأوا الناس المراكب في البحر كلهم، يوقدون النار، وهم مجموعون، بعضهم بعضا، والعساسون في المدينة تطوف بالمدينة وبالأبراج، حتى صباح الله الصباح، فلم نر في المرسى تاش من الكفار، وبعد ذلك كتبوا لسيدنا أيده الله وأعلموه بما كان.

وأما أهل الرباط فلم يخرج منهم بخش واحد، وحين رأوا الوداية ذلك، فاجتمعوا وقاموا لأهل الرباط يعاتبونهم، على ذلك، فقالوا لهم، إن عدو الله الكافر جاء لأهل سلا، فقالوا لهم مسلمون، والعدوتين كلها سواء، فأبوا لذلك، فقاموا الوداية خرجوا خمسة مدافع من الرباط ونصبها في برج القايد.

ولما ورد كتاب سيدنا نصره الله لأهل سلا وهو يحمدهم على السلامة ويعزونهم فيما مات منهم، وأمر سيدنا نصره الله أن يفرقوا على الضعفاء والمساكين ألفين من المثاقيل وللمجاهدين أربعة أواقي لكل واحد في كل يوم، وأمر ببناء الأبراج على حسن المراد، وأمر أن يقيموا ما ضاع في المسجد وببنائه، فقوموا ذلك بأربعة آلاف وسيدي بنعاشير بمائة مثقال، وسيدي عبد الله بمائتين، وقوموا ما انهدم من كل دار، ومساجد ومكاتب، ووجهوا ذلك لسيدنا نصره الله، والناس ينتظرون الجواب، وقبل التاريخ بيومين، قدم مركب النار بتاع النكليز ومعه ثمانية من الأقوانصة لكل جنس، وهبطوا للمدينة، وقالوا وأنه أرادوا أن ينظروا ما تهدم من سلا، فقام أهل سلا واستعدوا أن يدخلوا لأبراجهم، فاجتمع أعيان سلا وفقاهاؤها، فأجمع رأيهم حتى ينظر أبراج الرباط، وعند ذلك ينظر أبراجنا، ففعلوا ذلك، ولما دخلوا لأبراجنا ورأوا ذلك بجماعتهم… ورأو الكور والبومب الذي نزل علينا، من عدو الله، منهم من تفرقعت في السماء ومنهم من نزلت إلى الأرض، ولم يتفرقع، فلما رأوا ذلك قالوا يعني القوانصة نزل عليكم من العدو نحو أربعة وثلاثون الفالح عقدوه مع عدو الله على من الكور، فقال لهم الحاج احمد النجام خرجنا عليهم نحو إثني عشر ماية من الكور وزوج من البومبة، فتعجبوا من ذلك، وقالوا أي القوانصة، فِيفَ لكُم، فعند ذلك أُخْبِرْنَا بما ضاع للعدو من نحو المائتين والميرانط الكبير وتصدع المراكب، والمجاريح ما يزيد على الثلاثين، هذا قولهم بأفواههم.

ويوم التاريخ ورد كتاب من طنجة من عند الأمين الخطيب وهو يقول في كتابه للقايد ولأهل سلا ويجازي أهل سلا بالنصر، والعافية، وقال وأن الصلح عقدوه مع عدو الله على عِزِّ للمسلمين، وبعثه لسيدنا أيَّده الله، والقايد فرجي بعثه سيدنا ليمد أهل سلا بجيش عظيم معه، والأخبار في ذلك كثيرة، ما صَحَّ ولم يصِحَّ.
وهذا ما نعلمك به باختصار، وربنا سبحانه وتعالى يحفظك بمنه ويرعاك
في عشية يوم الثلاثة من صفر الخير عام 1268هـ
ولد خالك التهامي أمنه الله وأصلحه
يتولى نشرها بحول الله وقوته الفقيه سيدي محمد بن عزوز الجعيدي الحسني بحومة العيون بفاس).

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol