كتاب جديد يعيد بناء قصة خراب مدينة تامدولت المفقودة بأقصى الجنوب الشرقي المغربي

انشغل ناصر بوطعام بالتاريخ المحلي وثقافاته المشتتة في المتداول الشعبي من حكايات تنوب عن التاريخ الذي لم يجد الوقت واللغة لتدوين ما شكّل أحداثا بعيدة عن البلاطات والعواصم. وقد أصدر كتابين في هذا السياق، الأول بعنوان ” “أراتن في أخبار أكرض أوفقير وجيرانه”، وهي المنطقة التي ينتمي إلى المؤلف، دُوَّار صغير من مئات النسمات، يقع بجماعة آيت أوفقا ناحية تافراوت، إقليم تيزنيت، ضمن مشيخة آيت عبد الله أوسعيد التي تضم ثمانية دواوير. كما يضم “جمعية أكرض أوفقير للتنمية والتعاون” التي تسهر على العمل التنموي والثقافي؛ أما الكتاب الثاني فهو “قصة خراب تامدولت أوقا، بين التاريخي والأسطوري والأدبي(مطبعة المعارف – الرباط، 2018، 158 صفحة).

 

ويُعرّف المؤلف نفسه بكلمات محدودة على ظهر الغلاف، تقول: “عصامي قضى عقودا في مطالعة الكتب، ثم انتقل إلى التأليف.” وهو ما يدفع إلى الاهتمام بهذه الكتابات التي تشي بطموح ذات تُخفي خلفها أصوات القرى والمداشر التي ظلت غائبة عن المؤرخين والأدباء؛ لذلك فإن كتابه ” خراب تامدولت” هو وثيقة تعكس البُعدين الذاتي والجمعي في نص يتأرجح بين التخييل والحكاية الشفوية، فقد كتبه في شكل سرد روائي من إحدى عشر فصلا، أبدع في صوغ حكاية خراب مدينة مغربية تأسست في القرن التاسع الميلادي على عهد دولة الأدارسة (عبد الله بن إدريس الثاني) في هذا المكان بواد نون، باب الصحراء، للتحكم في طريق القوافل المتوجهة نحو عمق الصحراء وبلاد السودان الغنية بأصناف الموارد التجارية، وستنتهي بخرابها في القرن الرابع عشر بعد وفاة السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق وظهور بعض التفكك في عدد من المناطق من بينها الطرق التجارية المتصلة بالممالك السودانية وبعد وصول القبائل العربية المعقلية والحسانيين وما شاع عنهم من فتنة وتخريب.

 

إن حكاية خراب تامدولت مثل بناء بأبواب لامحدودة كل باب يروي حكاية هي ليست الحقيقة الكاملة ولكنها جزء من باقي الحكايات الضائعة، لكن المؤلف ناصر بوطعام اختار الحكاية التي صاغها الوعي الشعبي في قصيدة طويلة يتغنى بها المنشدون وتروى القصة التي عَمِل المؤلف على كتابتها بأسلوب شيق متحدثا عن علي بويونس وبناته وهم يقيمون في بستان بتمدولت، لكن ما تتعرض له ابنته الشاعرة فاضمة جعله يستفتي جماعة من أصدقائه من الغاضبين على ما آل إلى الوضع الأمني والأخلاقي، ولأنهم لا قدرة لهم على التغيير والانتفاض فقد اختاروا الاستنجاد بامْحمّد أوعلي أمنصاك، القائد المريني الشهير، بتيزلمي إفران، وفعلا سيجد هذا القائد الفرصة للانتقام من قائد تامدولت، بلقاسم بوتابيا، وتتوالى الأحداث لترسم الخراب وإلى جانبه حكايات الحياة اليومية والوجدانية للكثير من الشخصيات الواردة في هذه الحكاية.

 

برعَ ناصر بوطعام في ترجمة القصيدة الأمازيغية وملْء كل الثغرات بسرد تخييلي يستعين بلغة أقرب إلى التوثيق، وقد نجح في إقناع القارئ بنص عن مدينة من ذهب اندرست تحت التراب وتفرق أهلها دون أن يحملوا معهم سوى جروح وحكاية خفية آن الأوان لتخرج إلى الوجود.

تجدر الإشارة إلى ورود تامدولت في عدد من الكتابات التاريخية وإلى ما أنجزه اليوتنان كولونيل جوستينار سنة 1933 وتوثيقه للقصيدة الشعرية حول تامدولت بالإضافة إلى كتابات أخرى مثل كتاب محمد حنداين (تامدولت: تاريخ ملتقى الحضارة المغربية والطوارقية).

 

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol