الأوروعربية للصحافة

“العنف الانتخابي” يتخلل حملات الأحزاب السياسية قبيل “اقتراع 8 شتنبر”

شهدت مجموعة من الدوائر الانتخابية المحلية، على امتداد الأيام الماضية، شجارات عنيفة بين قوافل الأحزاب السياسية، الأمر الذي كان محلّ تنديد وطني من طرف الفعاليات الحقوقية والمدنية، وكذا من لدن القيادات المركزية التي وصفت تلك الممارسات بأنها “أحداث معزولة”.

وساءل هذا السلوك الانتخابي، المنحصر في المجالات القروية في أغلب الأحايين، الثقافة السياسية التي تشبّع بها مرشّحو الأحزاب المعنيون بتلك الأحداث، معيداً ظاهرة “العنف الانتخابي” إلى واجهة المشهد السياسي، ما يستدعي ضرورة إدارته بشكل أمثل في الفترة المقبلة.

مشاهد انتخابية

انطلقت الحملة الانتخابية في أجواء هادئة بجهة الدار البيضاء-سطات منذ أيام، قبل أن تقع صدامات عنيفة بين قوافل حزبين بجماعة “أولاد عزوز” في إقليم النواصر، حيث أسفرت عن “تخريب” سيارات المشاركين في الحملة التي تسبق “انتخابات 8 شتنبر”.

وعرفت إحدى الجماعات القروية بمدينة الصويرة اشتباكات بالأيدي بين مرشّحي بعض الأحزاب السياسية قبيل بداية الحملة الانتخابية، ليتم توقيف الأشخاص المسؤولين عن أحداث العنف من طرف النيابة العامة. وفي السياق نفسه، اشتكى بعض مرشّحي الأحزاب من استعمال “العنف اللفظي” من طرف المنافسين.

وبرزت إلى العلن شكايات خاصة بالعنف ضد النساء في الحملة الانتخابية، وهو ما انتقدته الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، بتأكيدها أن العديد من النساء المشاركات في الانتخابات تعرّضن لـ”المضايقات” و”العنف”، معتبرة أن ذلك يندرج ضمن “الممارسات التمييزية” بالمغرب.

ثقافة مجتمعية

ترى قراءات سوسيولوجية لأحداث العنف الانتخابي، على المستوى التنظيري، أن هذه الممارسات ليست عبارة عن سلوك انتخابي فقط، بل يتعلق الأمر بثقافة مجتمعية؛ معطى أكده محسن بنزاكور، الباحث في علم النفس الاجتماعي، بإيراده أن “المجتمع كرّس ثقافة المواجهة داخل الأسرة والمدرسة والشارع”.

وأوضح بنزاكور، في تصريح أدلى به لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “أول ما يتبادر إلى ذهن المواطنين أثناء إدارة المواقف هو العنف، الذي يبتدئ بصيغته اللفظية وينتهي بشكله الجسدي، وقد يتخذ بعدا نفسيا بعدها”، مبرزاً أن “سلوك المواجهة تشكل عند المغاربة في المواجهة السياسية والاقتصادية والأسرية”.

وختم الباحث الاجتماعي إفادته بالقول إن “العنف سيّد المواقف لدى المغاربة في كل المواجهات كيفما كان نوعها، حيث تُترجم على شاكلة رشوة وعنف انتخابي في المشهد السياسي”، معتبراً أن “هذه الممارسات ترتبط بطبيعة السلوك التربوي الذي تلقّاه التلميذ في المحيط الاجتماعي”.

عنف رقمي

مع استعانة التنظيمات الحزبية بـ”العالم الرقمي” من أجل إدارة الحملة الانتخابية، تبعاً لتوجيهات وزارة الداخلية التي قلّصت الحضور الميداني في ظل تفشي فيروس “كورونا” المستجد بالبلد، لُوحظ أن مناصري بعض الأحزاب يدخلون في مناوشات كلامية للتعبير عن توجهاتهم السياسية.

وبشأن منسوب “العنف الرقمي” في ظل الحملة الانتخابية، أفاد مروان هرماش، الخبير الرقمي في شبكات التواصل الاجتماعي، بأن “العنف الرقمي قائم، لكن تغيب وسيلة رسمية لتتبع منسوبه، عبر دراسة منشورات فروع الأحزاب السياسية بالجهات والأقاليم”.

وأورد هرماش، في حديث لهسبريس، أن “العنف الجسدي واضح للعيان، لكن العنف الرقمي خفي نسبياً، حيث يمكن تتبعه بواسطة التعاليق والمنشورات الصادرة من طرف الفصائل الرقمية الممولة على مدار السنة”، ثم زاد شارحاً: “تعمل تلك الوحدات على مراقبة صفحات وحسابات شخصية بعينها على موقع ‘فيسبوك’، ثم يشرع المناصرون في انتقادها بحدة، ويصل الأمر إلى الإبلاغ عنها بغية إغلاقها”.

نزعة قبلية

اندلعت أغلب أحداث العنف بالمجال القروي وشبه القروي، سواء في الحملة الانتخابية الحالية أو السابقة، ما مرده إلى سيطرة “القبلية” و”الشخصنة” على المرشّحين، بتعبير محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي، الذي أشار إلى “غياب النقاش السياسي والتنافس الفكري”.

وأورد شقير، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الأمر يتعلق بنعرات قبلية وخصومات شخصية بالدرجة الأولى، ثم سرعان ما يتحول الأمر إلى تبادل للعنف بين المرشحين والأنصار”، لافتاً إلى أن “غياب الحصانة الفكرية يكون سببا في انتشار هذه السلوكيات”.

وتابع الباحث عينه بأن “غياب المرجعية الفكرية في برامج الأحزاب يفاقم أحداث العنف السياسي، إذ يصبح التنافس على المقاعد بمثابة غنيمة، ما يُحوّل الأنصار إلى كتائب تسعى إلى فرض رأيها على المنافسين، بل وإزاحتهم من المشهد الانتخابي، ما يعكس طبيعة الثقافة السياسية التي لا تفهم أن المجال الانتخابي عبارة عن مجال مشترك بين الأحزاب”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.