خطورة انتشار الفيروس : داء السعار الكلبي … “المعاشيون” ينافسون باستور

يضعون ضحايا داء السعار الكلبي في محاجز لـ22 يوما والوزارة تحذر من خطورة انتشار الفيروس وحقوقيون على الخط

فتحت وفاة طفل في ضيافة أحد المعاشيين (منطقة المعاشات بإقليم الجديدة) متأثرا بعضة كلب مسعور، باب النقاش مجددا حول التداوي بالطرق التقليدية بعدد من المناطق وتعرض مواطنين إلى خطر المضاعفات والموت، بسبب اعتقاد راسخ أن هذه الطرق هي الأنجع. فلماذا يلوذ سكان بالإقليم بـ”بركة” المعاشات لإنقاذ أبنائهم من داء السعار الكلبي؟ وما هو موقف الطب من هذه الممارسة، ولماذا لا تثق الأسر بلقاحات باستور، الجهة الوحيدة المكلفة بهذا الموضوع؟

عبد الله غيتومي (الجديدة)

على أصداء المتداول الشعبي: “بين لقاح باستور و”بخة” المعاشات .. الحياة مشات”، حملنا هذه التساؤلات، وتوجهنا إلى فيض المعاشات وهي قبة على ربوة عالية بتراب جماعة أولاد احسين التي تبعد بـ 30 كيلومترا عن الجديدة في اتجاه سيدي إسماعيل.

استقبلنا أحد المعاشيين وراح يسرد لنا تاريخهم. من خلال الحديث معه تبين أنهم لايعترفون بلويس باستور مخترع اللقاح، لكن يقولون إن جدهم سيدي علي بن معاشو دفين قبيلة الشياظمة من بني سبع هو الذي أعطاهم بركة مداواة “الجهل ” عن طريق سيدي سعيد معاشو دفين منطقة بن معاشو قرب جمعة فوكو ، وأن “البخان” أكثر فعالية من التلقيح مرددا بين الفينة والأخرى لازمة “دير النية وبات مع الحية”.

وقال “ننظم سنويا ركب المعاشات إلى ضريح جدنا بالشياظمة وأيضا إلى بن معاشو، من هناك نستمد البركة ونجددها”.

احتيال وطقوس

بالوصول إلى المعاشات، طلبت من مرافقي أن يتظاهر بأنه “معضوض” من قبل كلب مسعور. تقدم نحونا الشريف المعاشي وبإيماءة مني التفت إلى مرافقي ونظر مليا في عينيه ووجه له أسئلة كتلك التي يطرحها الطبيب، وخاصة تاريخ العضة ومكانها، قبل أن يعرض علينا الوصفة الشافية لداء الكلب، وتعتمد بالأساس على النية وضرورة دخول المصاب إلى خلوة يسمونها “الحجبة” في غرفة لا تقربها أشعة الشمس، وتمتد الإقامة الإجبارية في ضيافة الشرفاء 22 يوما، يتحاشون فيها اقتراب “المقيوس” من أشعة الشمس والماء البارد، دواؤهم المستمر له هو “القطران والبخان”.

يبادرنا المعاشي بالقول “الناس ديال هاذ الوقت مابقاتش دايرة النية، زمان لم تكن “الجلبة”، كنا نحن، نداوي المصابين ونأكل لحم الأبقار والخرفان المسعورة، ويأكلها معنا العوام شريطة أن نبخ عليها”.
ودعنا المعاشي بعد أن صارحناه بالحقيقة ومكناه من بعض النقود تندرج في باب ما يعرف بـ”البياض”.

للطب رأي آخر

عدنا هذه المرة إلى الجديدة نحمل معنا معلومات عن فيض المعاشات وبركة الجد سيدي علي بن معاشو. اتصلنا هاتفيا بالدكتور نبيل بن شامة، المندوب الإقليمي لوزارة الصحة بالنيابة لأخذ رأيه، فأكد لنا أنه لا مفر من اللقاح المضاد للسعار وفي حينه، مع تنظيف مكان العضة بالماء والصابون وأدوية أخرى.

واعتبر الحجبة لمدة 22 يوما دون لقاح توفير الوقت الكافي للفيروس كي يتطور إلى التهاب حاد في الدماغ يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويؤدي إلى نوبات جنون وغيبوبة فضيق في التنفس ثم الوفاة.
واستطرد بن شامة إذا كان الناس يعتقدون في البركة، فالأجدر أن نقوم بالتلقيح أولا ثم زيارة المعاشات، واقترح ضرورة القيام بحملات تحسيسية في الأسواق الأسبوعية والتجمعات السكنية خاصة بالوسط القروي، لتوعية المواطنين بأن داء الكلب فيروس قاتل ينتقل من الحيوانات من فصيلة الكلاب والقطط إلى الإنسان عن طريق العض، وأن الوسيلة الناجعة لصيانة أرواح المصابين هو ” اللقاح”، وأنه كلما كانت العضة في الوجه أوفي الرأس، تصبح خطيرة لقربها من الدماغ.

احتجاز قسري

عرضنا قضية “الحجبة” لمدة 22 يوما على حقوقيين، فاعتبروها تندرج ضمن “الاحتجاز القسري” لمواطنين وطالبوا بضرورة تدخل النيابة العامة، صونا لصحة وسلامة المواطنين، بعد واقعة وفاة طفل من جماعة أولاد زيد في ضيافة أحد المعاشيين بالشعيبات، الذي استمع له الدرك الملكي في محضر رسمي، على خلفية أن عدم التصريح بالسعار لدى السلطات والمصالح البيطرية طبقا للفصل الثالث من القانون 292 .75 .1 الصادر في 19 شتنبر 1977 يعد جريمة يعاقب عليها القانون.

تـقـصـيـر

يعتبر متتبعون دور الجماعات حاسما في التصدي لداء الكلب، عبر تنظيم حملات للقضاء على الكلاب الضالة في أماكن نفايات وأسواق أسبوعية، وأيضا عن طريق تخصيص اعتمادات في ميزانياتها لاقتناء اللقاح اللازم لتطويق العضات، قبل أن تتطور إلى المراحل التي تودي بحياة أبرياء، خاصة أن بعض الجماعات تبدو مقصرة في ذلك ولا تعير أهمية للقاح إلا إذا كان الشخص المعضوض متحدرا منها، إذ يتوفر إقليم الجديدة على 11 مركزا للتلقيح في خارطة ترابية مكونة من 27 جماعة.