الأوروعربية للصحافة

قطع الجزائر لعلاقاتها مع المغرب وراءه عقيدة عسكرية واستخباراتية تستهدف المؤسسة الملكية

عبد الرحمن مكاوي أستاذ العلاقات الدولية في المدرسة العسكرية بباريس، هو واحد من المهتمين بالملف الجزائري منذ الستينيات، حاولنا الاستعانة بخبرته في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، والعسكرية، لكي نفكك بعضا من خفايا القرار “الصادم” لحكام الجزائر بـ”قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب: ولنقف على الأسباب والدوافع الحقيقية التي دفعت جنرالات الجزائر إلى إعلان هذا القرار.

حسب الخبير المكاوي، فإن القرار الجزائري خلفه عقيدة عسكرية ونظرية تعود لستينيات القرن الماضي، وهي مازالت تدرس في الكليات العسكرية بالجزائر إلى الآن، أنتجها الجنرال عبد الحفيظ بوصوف، مؤسس الاستخبارات الجزائرية، التي تقول بأنه أمام الأزمات التي تعترض حكام الجزائر السياسية، لابد لهم من افتعال عدو داخلي وخارجي، وبالنسبة إليهم العدو الخارجي رقم واحد هو المغرب.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بالنسبة للخبير العسكري والأمني عبد الرحمن المكاوي، فقد حذر في حواره مع “اليوم 24″، من التهديد العسكري المحتمل لحكام الجزائر ضد المغرب عبر “الحرب المسيطر عليها”، كما حذر أيضا مما وصفه بـ”المسرحية والجريمة مكتملة الأركان”، لجنرالات الجزائر ومخابراتها، التي تركز الآن على استهداف والمساس بالمؤسسات الدستورية، والقيام بعمليات إرهابية محتملة، وفي مقدمة هذه الأفعال المساس بالمؤسسة الملكية التي هي جزء من الهوية المغربية، وهو الأمر الذي قال المكاوي “إنه  خطر على المغرب ولو على مستوى الدعاية والبروباغاندا”.

حاوره:  عادل الكرموسي

ماهو تعليقك على قرار حكام الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب؟ 

منذ الستينيات عودتنا الجزائر على أنها عندما تواجه منعرجات خطيرة ومشاكل داخلية معقدة، فإنها تبحث عن عدو داخلي وخارجي، ويقصدون بالعدو الخارجي دائما المغرب، وهذه النظرية تدخل في صلب وعمق العقيدة العسكرية والاستخباراتية، التي أسسها العقيد عبد الحفيظ بوصوف، مؤسس الاستخبارات الجزائرية.

بوصوف كان يؤكد على أن الجزائر هي مجموعة من الشعوب والاثنيات والأقليات المتناثرة والمتناقضة، وحتى يتمكنوا من تلحيمها وترصيصها لابد من البحث لهم عن عدو داخلي وخارجي، وهي نظرية تدرس الآن في الأكاديمية العسكرية بشرشال.
الجنرال بوصوف، الذي أسس الاستخبارات الجزائرية في سنة 1959، كان دائما ينصح القادة كلما وقع انسداد ومشاكل داخلية، بضرورة إيجاد عدو خارجي وداخلي، وهي عقيدة بدأت في سنة 1963، عندما تمرد الزعيم القبائلي حسين آيت أحمد على بن بلا وهواري بومدين، هؤلاء لجؤوا، إلى افتعال مناوشات عسكرية، في منطقة فكيك، تحت شعار”المغاربة احتقرونا”، مما دفع بالجيش الثالث الذي كان يقوده الزعيم البربري والقبائلي الحسين آيت أحمد، بالانضمام إلى هواري بومدين، لمقاتلة ومحاربة المغرب.

فهي نظرية أساسها هو عندما تكون أزمة خانقة في الجزائر، عليهم إيجاد عدو. وكما نعلم هناك أزمات كبيرة متلاحقة ومتشابكة مرت منها الجزائر، كأزمة السيولة والكهرباء، والمياه، والحرائق، بالإضافة إلى الأزمات السياسية والاقتصادية، آخرها أزمة الشرعية السياسية، فكلها تداخلت فيما بينها جعلت القيادة العسكرية وخاصة المخابرات، تدفع بالواجهة السياسية المتمثلة في مطران العمامرة، وعبد المجيد تبون، للإعلان عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب.

في اعتقادك هل السلطات المغربية واعية بخطورة هذه العقيدة العسكرية؟

هذا الميكانيزم يعرفه المسؤولون المغاربة جيدا، وتعودوا عليه مع الأشقاء في الجزائر، نتمنى أن يكون قرارهم مجرد سحابة صيف.

هل تتفق مع من يقول بأن لتاريخ إعلان قطع العلاقات مع المغرب دلالة معينة في أذهان جنرالات الجزائر؟

نعم، لقد اختاروا يوم 24 غشت وهو تاريخ أحداث آسني بمراكش، سنة 1994، وكل هذه الأحداث هي عبارة عن مسرحية دراماتيكية محبوكة، من الحرائق إلى العلاقة مع حركتي” الماك  ورشاد”  إلى التضحية بشاب من الحراك جمال بن اسماعيل، لإثارة الرأي العام، فكل هذا يدل ويشير إلى أن الأمر يتعلق بمسرحية وجريمة كاملة الأركان، تقودها المؤسسة العسكرية الجزائرية التي هي مهددة بالسقوط خاصة أن الشعب الجزائري يتهمها بنعوت سيئة، ويطالب برحيلها وعودتها إلى الثكنات، وهذا ما يقلق قادة الجيش الوطني الشعبي، الذين بحثوا عن سيناريو، قد يخرجهم من هذه الأزمات المعقدة والمتراكمة، والمتداخلة، فافتعلوا قرارات ضد المغرب.

هذا ما ينبغي الحذر منه، لأن القادة العسكريين يوجدون في وضعية هروب إلى الأمام، وقد يقدمون على خطوات أخرى أكثر فظاعة، ينبغي التنبيه لها، فالكل يتابع الوضع عن كثب، لأن هذه المجموعة من العسكريين، بالنسبة للشعب الجزائري خاصة والشعب المغاربي قاطبة، هم مجموعة من المغامرين، والكذابين والقتلة، وهم لا يتراجعون عن الإقدام عن أي فعلة قد تضر بمصلحتهم ومصلحة الجزائر، وقد تضر كذلك بشمال إفريقيا قاطبة.

لماذا حاول حكام الجزائر في بيان خارجيتهم استحضار معطيات تاريخية قديمة وقاموا بتأويلها ضد المغرب؟

القادة العسكريون والسياسيون في النظام الجزائري يحاولون تزوير التاريخ، وكلما صادفوا أزمات معينة، يحاولون الركون إلى التاريخ عن طريق التزوير، وافتعال أحداث غير صحيحة، وكما نعلم أن رمطان العمامرة، وزير الخارجية الجزائري، هو من تلامذة الجنرال “توفيق”، “صانع الرؤساء”، والمطاطرة  يعلم أن بقاءهم في الحكم لابد أن يمر عبر خلق عداوة وهمية مع الجارة المغرب.

بالموازاة مع هذا التحذير الذي أطلقته كيف يمكن للمغرب أن يستشرف مستقبل علاقته مع الجزائر خصوصا مع القرارات الحمقاء والمتهورة التي بدأ يتعامل بها حكامها العسكريون؟

من الضروري أن نكون حذرين ويقظين، لأن من شيمهم الغدر، والقيام بأعمال ضد المغرب، فرأيي الشخصي، أنه بالرغم من الضغوطات الدولية عليهم من طرف الدول التي تتابع الموقف عن كثب، وبصفة مباشرة، نظرا لأن الكثير منها لها مصالح ضخمة في الجزائر والمغرب، والتي  تحاول فرملة المغامرة الجزائرية، ولكن هذه القيادات المتهورة قد تلجأ إلى أساليب استخباراتية، كما قاموا بها في سنة 1994، وهذا باعتراف ضباط المخابرات الجزائرية، الهاربين في لندن أو في باريس، أو في ألمانيا.

وبالتالي، فإنهم فنانون في الكذب والمراوغة، والبروباغاندا، وبالتالي نتمنى أن يكون هناك عقلاء في القيادة العسكرية الجزائرية وخاصة قيادات المخابرات، لأن فيهم ضباط جزائريون، قد يلجمون هذه العقلية المعقدة القديمة التي يشتغل عليها قائد الأركان الفريق سعيد الشنقريحة، أو اللواء نور الدين محفوظ، مدير المخابرات، وكذلك اللواء غاني راشدي، وضباط آخرون، الذين يسعون أمام فشلهم في تلبية المطالب الاجتماعية والسياسية للشعب الجزائري، الذي يطالب بالإصلاحات وتقرير مصيره، وإنهاء حكم العسكر، إلى افتعال الأزمات مع المغرب. وبالتالي فدور العقلاء من الجنرالات وضباط المخابرات بالجزائر هو العمل على إيقاف هذا النزيف، والقرارات التي يصدرها هؤلاء الجنرالات.

لأنه في رأيي قرار قطع العلاقات مع المغرب، ليس قرارا للدبلوماسية أو هو قرار للعمامرة أو تبون؟! بل هو قرار يبحث عن إيجاد بكارة شرعية سياسية جديدة، للنظام العسكري الحالي، وللبلوغ إلى هذا الهدف فإن المتطرفين من القيادة العسكرية والمخابرات، قد يدفعون البلد إلى الحرب مع كل الأطراف.

هل تتوقعون أن النظام الجزائري الحالي بإمكانه أن يهدد المغرب عسكريا؟

في اعتقادي أن التهديد العسكري ضد المغرب والهجوم عليه وارد، المناوشات العسكرية أو ما يسمونها علماء الاستراتيجية، بـ”الحرب المسيطر عليها” وارد حدوثها، وكذلك القيام بالعمليات الإرهابية القذرة واردة أيضا.

ومن خلال دراستي للجزائر وهذه الطغمة العسكرية منذ الستينيات إلى الآن، فهذه المرة تشير كل المعطيات إلى أنهم يتوفرون على أجندة لتفكيك المغرب، وضرب مؤسساته ورموزه، عكس ما عليه ضباطهم في السابق، فهم كانوا يحاولون إضعاف المغرب دون المساس بمؤسساته، الآن يركزون على المؤسسات الدستورية، ويركزون على المؤسسة الملكية التي هي جزء من الهوية المغربية، وهذا خطر ولو على مستوى الدعاية والبروباغندا.

لماذا انزعج حكام الجزائر من الاتفاق المغربى الأمريكي والإسرائيلي؟

هذا الموضوع اتخذه حكام النظام الجزائري، مجرد مطية، فالعلاقات الجزائرية الإسرائيلية العلمية والسرية معروفة، وأحد أحفاد الأمير عبد القادر، مدفون في تل أبيب، وأبناؤه ضباط في الموساد، ولهذا فهم يحاولون التغطية على علاقاتهم السرية والعلنية الإسرائيلية، لكنها ثابتة فقها وقضاء، وبالأدلة والحجج، وقد كشفت في مقال سابق  نشرته في جريدة “القدس العربي” لأزيد من عشر سنوات، طبيعة هذه العلاقة السرية للنظام الجزائري مع إسرائيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.