ديون المملكة: الحكومـة تهـدر أمـوال القـروض

المديونية نقطة سوداء في تدبير المالية العمومية

أكد عمر الكتاني، الخبير الاقتصادي، أن المديونية تعد إحدى النقاط السوداء في الاقتصاد الوطني، ولا تؤهل الحكومة التي نقول عنها إنها شكليا ذات طابع إسلامي أكثر منه حزبيا، لولوج نادي الدول الأكثر
تصنيعا، موضحا أن الإفراط في الاستدانة سيرهن مستقبل الجيل المقبل، مشددا في حوار مع “الصباح”، على هدر الحكومات المتعاقبة للقروض التي تحصل عليها. في ما يلي نص الحوار:

< ما تفسيرك لاعتماد الحكومة على الاستدانة لتمويل الاستثمارات أو العجز؟
< تعد المديونية إحدى النقاط السوداء في الاقتصاد الوطني ولا تؤهل الحكومة التي نقول عنها إنها شكليا ذات طابع إسلامي أكثر منه حزبيا لولوج نادي الدول الأكثر تصنيعا.
وإذا استمرت الحكومة في الاستدانة، فإنها سترهن مستقبل الجيل المقبل، إذ ستصرف ما اقترضته وتستهلكه، وستؤدي الأجيال المقبلة الفاتورة غالية بفوائدها دون أن تكون قد جنت من هذه المديونية شيئا، ومعنى ذلك أننا أمام حكومة ووزراء غير مسؤولين.

< ما الآثار السلبية للاستدانة على الوضع الاجتماعي؟
< أتساءل معك لماذا لم تطبق الحكومة سياسة التقشف وترشيد النفقات بعد الاستدانة، كيف يعقل أن دولا غنية غيرت من مسار طريقة إنفاقها في كل المجالات، وقلصت من نفقات إدارتها، بل إن وزراء لهم وزن في الحكومات الأوربية يسافرون حاليا في الدرجة الاقتصادية باقتناء تذاكر رخيصة، بينما تخصص وزراؤنا في التنافس على التباهي بأنهم يصرفون أكثر ويتنافسون في السفر عبر الطائرات في الدرجة الأولى والحجز في الفنادق الفخمة خمس نجوم، ليس للمبيت في غرفة، بل في جناح كامل وما يتطلبه من مصاريف إضافية، دون أن ننسى الحصول على بذل التنقل وعن اجتماعات المجالس الإدارية للمؤسسات التي يدبرونها، إضافة إلى التعويضات الأخرى.
وبكل بساطة فإن الوزراء يعيشون في بحبوحة من الغنى، على حساب حاجيات الطبقات الفقيرة. والدول الغنية تقتصد ونحن دولة يمكن أن نصفها ب” المستورة” ونتسابق للإنفاق التفاخري بدون فائدة على حساب عموم الشعب المغربي .

< أكدت الحكومة أنها لجأت إلى الاستدانة لسد العجز، ما هو ردك على ذلك؟
< يمكن وصف الأمر بأنه تعبير عن غياب الذاكرة أو فقدانها، إذ على المسؤولين الاقتصاد في مصاريف وترشيد نفقات عيش الإدارة، فكما ترى تصرف الملايير على سيارات الدولة فلماذا هذا البذخ في الوظيفة العمومية بشكل مضاعف لا يوازي قيمة المردودية المقدمة.
ولاننسى أن العجز التجاري وصل إلى 50 في المائة ومعناه استهلاك ضعفي طاقة الإنتاج بأموال أخرى متأتية من المديونية على حساب الاستثمارات، واستمرار عجز تغطية الصادرات بالواردات التي تضاعفت أيضا يعني فشل سياسة الحكومة. ولو كانت استثمارات ذات أهداف ومردودية فلماذا هناك عجز تجاري لا ينخفض، وإذا كانوا يبررون أنهم يرفعون من قيمة الاستثمار عن طريق المديونية، فلماذا لا يغطونها عبر استرداد أرباح تلك الاستثمارات.

< تؤكد الحكومة أنها تقترض ليس لوضع الأموال في جيوب وزرائها ولكن لأجل الاستثمار؟
< اقترض مثلا المكتب الوطني للسكك الحديدية 40 مليون دولار لشراء 30 قاطرة عربات ، وأدت قروضا إضافية على مدى 40 سنة، هل هذا معقول؟ فالمواطن سيستفيد طبعا من ركوب عربات نظيفة، لكن الجيل الذي سيأتي هو من سيؤدي فاتورة تلك العربات، وهذا خلل كبير في تدبير المؤسسات العمومية التي تستهلك أكبر حجم المديونية وعليها أن تؤدي ما عليها وتخفف عن خزينة الدولة.

< ما هو تعليقك على خطر تجاوز المديونية 65 % من الناتج الداخلي الخام؟
< تجاوزت فعلا المديونية الخط الأحمر بلا تصور ولا تحديد أفق لها كي تتراجع نحو الانحدار، وهذا ما يؤسف له. وقال وزير سابق حينما وجه له سؤال مباشر عن رأيه لو استمرت الحكومة في الاستدانة، فكان جوابه من حقها لأنه إذا عجزت الدولة برمتها عن عدم الوفاء بأداء الدين وخدمة الدين الداخلي والخارجي، فهل سيتم وضعها في السجن، الجواب طبعا لا.
فجواب الوزير السابق يدل على أن الوزراء يرفضون تحمل المسؤولية، رغم وجود تحديات كبرى تواجه المغرب، من قبيل ملف الصحراء المغربية، القضية الأولى التي تتطلب المزيد من المشاريع التنموية، وتكوين الموارد البشرية، وتحدي بطالة الشباب، والفقر بكل أنواعه، بما يقارب أزيد من 8 ملايين، وتحديات تقريب الخدمات الاجتماعية للمواطنين.

فقدنا القرار السيادي
< هل فقد المغرب قراره السيادي في تدبير المالية العمومية جراء الاستدانة؟
< نعم فقدنا القرار السيادي لخطورة نسبة المديونية، التي تجاوزت الخط الأحمر بالنسبة للناتج الداخلي الخام بأزيد من 90 في المائة، وإذا كانت الحكومة تفقد سيادتها في تدبير شؤونها المالية، فلماذا هذا الإفراط في الاستدانة أكثر، وحينما تدعي أنها تصرف ذلك في الاستثمارات فعليها أن تثبت المردودية.
ولكي يستوعب المسؤولون الأمر عليهم، إجراء مقارنة مع تركيا، إذ نرى أن المغرب يستثمر 35 في المائة من أمواله سنويا من الدخل الوطني، وهي نسبة عالية وجيدة جدا لكن ما جدوى ذلك إذا لم تتحسن أوضاع المواطنين.
والحقيقة أن الحكومة أخطأت لأنها توجهت نحو الرفع من “الاستثمار الرأسمالي” ولم تشجع ” الاستثمار الاجتماعي”، إذ تستفيد المقاولات الكبرى، ويضيع القطاع الاجتماعي الذي يهم التعليم والصحة والسكن والنقل، إذ كان من الممكن ضخ الأموال لإعادة تحويل المراكز القروية إلى مدن صغيرة بمعايير عصرية، بتنسيق مع 200 ألف جمعية مدنية، وعبر تحويل جزء من مداخيل الضريبة على القيمة المضافة المخصصة للمجالس الجهوية، حتى لا يضطر قاطنو القرى والجبال إلى الهجرة نحو المدن لتشكيل أحزمة فقر بدون تكوين ولا تعليم ولا تأهيل، ما يشكل خطرا على أنفسهم وعلى المجتمع.

 أجرى الحوار: أحمد الأرقام