حالات التلبس

 

ماذا تعرفون عن التلبس؟ وماهي حالاته؟ وماهي شروطه؟

تناولت التلبس في جزء من رسالتي لنيل شهادة الماستر تحت عنوان: الفاعلون الفنيون في مسرح الجريمة التحديات والصعوبات -مقاربة تقنية قانونية-
حالة التلبس
يعد التلبس بجنحة أو جناية من بين أخطر الحالات في قانون المسطرة الجنائية، حيث ينتج عن هذه الحالة تدابير خاصة قد تطال حقوق وحريات الأفراد، لذلك نظم المشرع حالات التلبس وجعلها على سبيل الحصر ووضع شروطا لصحة هذه الحالات.
لذلك سنتطرق للحديث عن تعريف التلبس (أولا)، ثم حالاته (ثانيا)، وشروط صحة حالات التلبس وخصائصها (ثالثا).

أولا: تعريف حالة التلبس
لم يعط المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية أي تعريف للتلبس أو للجريمة المتلبس بها، بل اكتفى بتعداد الحالات المكونة لها في المادة 56 من نفس القانون، هذا ما جعل الفقه يعطي مجموعة من التعريفات:
إذ يعرف الأستاذ أحمد الخمليشي الجريمة المتلبس بها أو المشهودة بكونها تلك الجريمة التي تضبط وقائعها أو فاعلها أثناء تنفيذ الفعل الإجرامي أو تضبط بعد تنفيذها في ظروف خاصة حددها القانون، أما الدكتور توفيق محمد الشاوي فيرى أن التلبس بالجريمة يقوم على وجود تقارب زمني بين لحظة ارتكاب الجريمة ولحظة اكتشافها، وبالنسبة للدكتورة أمال عثمان فالتلبس هو حالة يتم فيها اكتشاف الجريمة أثناء ارتكابها وعقب ارتكابها مباشرة، فالتقارب الزمني بين وقوع الجريمة وكشفها هو مدلول التلبس.
ومن خلال التعريفات السابقة يتضح أن التلبس هو وصف لحالة إجرائية وليس عنصرا في الجريمة أو متصلا بركن من أركانها، أي أنه مجرد وصف للحالة التي وقعت الجريمة في ظلها، وخصص المشرع هذه الوضعية باثنين وعشرين نصا من المادة 56 إلى المادة 77 من قانون المسطرة الجنائية.

ثانيا: حالات التلبس
قد أشار المشرع في المادة 56 إلى حالات التلبس والتي قسمها إلى أربع حالات:

الحالة الأولى: ضبط الفاعل أثناء ارتكابه الجريمة أو على إثر ارتكابها (التلبس الحقيقي)
هذه الحالة تهم وضعيتين:
* وضعية يعاين فيها ضابط الشرطة القضائية بنفسه ارتكاب الجريمة أو أشعر بها فورا من طرف الغير، وهذه المعاينة لا تفترض أن تكون برؤية العين فقط، بل يمكن أن تكون بحواس أخرى كالشم والسماع واللمس.
وضعية يضبط فيها الفاعل على إثر ارتكابه للجريمة، ويقصد من عبارة “على إثر ارتكاب الجريمة” أن الفعل الإجرامي قد تم تنفيذه بصورة قطعية وأن الجاني تم ضبطه مباشرة بعد انتهاء مشروعه الإجرامي.
وقد أثارت الحالة الثانية جدلا فقهيا مرده إلى الزمن الذي يدخل في إطارها، فيقول الأستاذ أحمد الخمليشي أنه يجب ترك تفسير المدة الزمنية المقصودة من عبارة “على إثر ارتكابها” للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، على أساس أنها من الوقائع بسبب تباين الملابسات التي ترافق ارتكاب الجرائم التي تختلف عناصرها المادية، في حين أن الأستاذ مشيشي علمي ارتأى بأن استعمال المشرع لعبارة “على إثر ارتكابها” الواردة في النص القانوني يمنع من اعتبار فاصل زمني بين الإنجاز واكتشاف الجريمة، وإنما يقصد حصول هذا الأخير في اللحظة التي يكون فيها الجاني يقوم بآخر عمل نهائي للجرم، إذن يمكن القول أن الأستاذ الخمليشي يؤمن بالسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع وليس لمحكمة النقض كمحكمة قانون أن تنظر في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع لاختلاف السلطة التقديرية لكل محكمة على حدة، وبالنسبة للأستاذ مشيشي علمي فلا يرى فرقا بين عبارتي “أثناء ارتكاب” و”على إثر ارتكاب” بل اعتبرهما في نفس اللحظة أو الفترة ذاتها، أما الأستاذ العلمي عبد الواحد فحاول أن يوفق بين الرأيين حيث يرى بأن مشاهدة الجريمة ” إثر إنجازها” الواردة في النص ولو أن المشرع قد صاغها بمرونة تسمح بالقول أنه ترك هامشا من الزمن يقدر القضاء في إطار سلطاته بين الإنجاز والمشاهدة، فإن الهامش ينبغي أن يكون من الضيق بحيث يشترط بأن يكون يسيرا جدا وإلا وقع إلغاء وضعية التلبس.
وبالنسبة لضبط الفاعل فهي لا تقتصر في هذه الحالة على ضابط الشرطة القضائية لوحده، بل يحق لكل شخص ضبط الفاعل وقدمه إلى أقرب ضابط للشرطة القضائية بقوة القانون كلما تعلق الأمر بحالة التلبس بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس، وذلك طبقا للمادة 76 من قانون المسطرة الجنائية وهي ما يعرف فقهيا بالتلبس المادي.

الحالة الثانية: إذا كان الفاعل مازال مطاردا بصياح الجمهور على إثر ارتكاب الجريمة (التلبس المفترض)
هذه الحالة تتجلى في مطاردة الجمهور لمرتكب الجريمة الذي أنهى فعله الجرمي، أو قطعه بعد شروعه فيه ويحاول مغادرة مسرح الجريمة، وتدخل هذه الحالة فيما اعتبره الفقه بحالة التلبس المفترض والتي يجب التعامل معها بحذر شديد وبحكمة، تجنبا للمطاردة الخاطئة كانضمام الجاني بدوره إلى الجمهور صائحا ومطالبا بضبط شخص يتهمه بارتكاب الجريمة بدلا منه، والحال أنه بريء منها، مما قد يدفع ببعض الجمهور المتهور إلى الاعتداء على شخص بريء دون تقدير عواقب تلك الأمور.

الحالة الثالثة: إذا وجد بعد مرور وقت قصير على ارتكاب الفعل حاملا لأسلحة أو أشياء أو وجد عليه أثر أو علامات تفيد ارتكابه الجريمة أو المشاركة فيها (التلبس المفترض)
هذه الحالة تتعلق بمرتكب الجريمة وليس بالجريمة نفسها، والذي يتم ضبطه من طرف ضابط الشرطة القضائية بعد زمن قصير حاملا لأشياء أو أدوات أو أسلحة نارية أو بيضاء ووجد عليه آثار أو علامات أو بقع دموية يستدل منها على ارتكابه الجريمة أو كونه مساهما أو مشاركا فيها، ولا تترك أي شك في نسبة هذه الجريمة إلى مرتكبها.
للإشارة فقط فإن حالة التلبس هنا تقتضي أن تضبط الأشياء والأدوات والأسلحة في يد مرتكب الجريمة نفسه، نفس الشيء بالنسبة للآثار والعلامات، يجب أن توجد على جسم وثياب الجاني أو أمتعته بعد تنفيذ الجريمة بزمن قصير، ويمكن الاستعانة هنا بالشرطة التقنية والعلمية لربط الأشياء، الأدوات، الأسلحة والآثار بمسرح جريمة ما، كمطابقة الأدوات المستعملة لاقتحام منزل لتلك التي في حوزة ذلك الشخص، أو السلاح الأبيض للجرح الذي اخترق جسم شخص ما، أو البقع الدموية لدم المجني عليه…
ويبقى لقاضي الموضوع وحده الصلاحية في تحديد وتقدير هذه المدة الزمنية التي تختلف من جريمة إلى أخرى وحسب ظروف وملابسات كل جريمة.

الحالة الرابعة: التماس مالك أو ساكن المنزل من النيابة العامة أو الشرطة القضائية معاينة وقوع الجريمة داخل منزله (التلبس الحكمي)
هذه الحالة تهم مالك أو ساكن المنزل الذي وقعت بداخله الجريمة، والذي يلتمس من النيابة العامة أو الشرطة القضائية معاينة الجريمة داخل منزله، حيث اعتبرها المشرع بمثابة تلبس بجناية أو جنحة، لأن التماس مالك أو ساكن المنزل يفيد أن معالم الجريمة ماتزال قائمة ويتعين معاينتها في الحال، كما لو سمع صوت تحطيم للزجاج بغية سرقة منزله أو صوت استغاثة الخادمة مثلا، أو اشتم رائحة نتنة منبعثة من جثة ما…لذلك فهذه الحالة من التلبس تقتضي شرطين ضروريين:
* أن يكون الالتماس من مالك أو ساكن المنزل، أو من يقوم مقامه؛
أن تكون الجريمة وقعت بمنزل طبقا للمفهوم المشار إليه بالفصل 511 من القانون الجنائي.

ثالثا: شروط صحة حالات التلبس بالجريمة وخصائصها
لقد حرص المشرع على إعطاء حالة التلبس معناها القانوني، واجتناب كل ما من شأنه أن يمس بالحريات الفردية للمشتبه فيهم، فقد أضاف المشرع شروطا أخرى حتى تكون حالة التلبس وفقا لما يتوخاه منها المشرع، ومن بين هذه الشروط:
* أن ترتبط حالة التلبس بجناية أو جنحة كشرط جوهري لذلك فالمشرع يستثني الجنح غير المعاقب عليها بالحبس، وكذلك المخالفات، حيث في هذه الحالة يتعين سلوك مسطرة البحث التمهيدي العادي، وذلك بالنظر إلى قلة خطورتها في معظم الأحوال لكونها لا تتطلب تدخلا قويا كما هو الشأن في مسطرة التلبس نظرا لضعف العقوبة المقررة لها.
* أن تتوفر حالات التلبس الأربعة السافة الذكر، حيث لا يمكن الحديث عن وصف التلبس إلا بتوفر إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة 56، خصوصا وأنها حالات أوردها المشرع على سبيل الحصر ولا يمكن التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، وبمفهوم المخالفة فإنه في حالة تعذر توفر إحدى هذه الحالات انتفت صفة التلبس وسقطت جميع الإجراءات والتدابير الاستثنائية الخاصة بها.
* ضبط وضعية التلبس يجب أن تقتصر فقط على ضابط للشرطة القضائية وفقا للمادة 57، الذي عليه أن ينتقل على الفور بعد إشعار النيابة العامة بذلك، لإجراء المعاينة الضرورية وهو يمارس اختصاصه في نطاق الحدود الترابية التي يزاول فيها وظيفته حسب المادة 22، وتحت مراقبة الغرفة الجنحية بمحكمة الاستيناف وفقا للمادة 29، وسلطة الوكيل العام لديها (المادتين 17 و29) وتسيير النيابة العامة (المادتين 16 و78)، وذلك تفاديا لما يمكن أن يصدر عن ضابط الشرطة القضائية من سلوك غير مشروع، أو تعسف لا مبرر له أثناء ممارس صلاحياته الخاصة بحالة التلبس، فمن الممكن أن يواجه مسؤولية تأديبية أو جنائية أو مدنية كلما وقع ما يبرر ذلك.
#أسامة_النجاري