جريدة بريس ميديا الأوروعربية للصحافة PRESS Medias Euro Arabe
المدير برهون حسن 00212661078323

سبتة “لؤلؤة الشمال” .. من “الاغتصاب الإسباني” إلى حضن الوطن الغالي

سبتة "لؤلؤة الشمال" .. من "الاغتصاب الإسباني" إلى حضن الوطن الغالي

منال جدير 

تتطور المعرفة، تعنى بالإنسان بشكل شامل، تضمن سلامة جسده وعقله؛ لكن يظل للتاريخ طعم “أب العلوم والمعارف”، فهو الذي يرفع راية الحقائق، وتحتاجه كل العلوم لتثبت وجودها، وتطورها، وكينونتها.

هنا المملكة المغربية الشريفة، هنا المغرب.

بين الفينة والأخرى، ترتفع أصوات تطالب بإعادة فتح ملف المدينتين المغربيتين السليبتين: سبتة ومليلية، ثم ارتفعت وتيرة إثارة الموضوع منذ اعترفت أمريكا بمغربية صحرائه.

مشعل الوثيقة التاريخية

سنحاول في النص التالي سرد وتلخيص أهم الحقائق التاريخية التي تطرق لها كتاب ”سبتة، لماذا وكيف اغتصبتها إسبانيا؟”، لصاحبه الراحل محمد بن عزوز حكيم، عميد المؤرخين المغاربة؛ وهي حقائق حاولت الجارة الشمالية طمسها لسنوات طوال. ونعود لتسليط الضوء على حياة الرجل لأنه جدير بذلك، هو الذي تمكن قيد حياته من تجميع وثائق تاريخية ومخطوطات نادرة وسرية واحتفظ بها في مكتبة بيته الخاصة لينير دهاليز التاريخ الذي حاولت إسبانيا، الدولة الاستعمارية، أن تبقيها في ظلمة؛ فتبقى مجهولة من لدن المغاربة، وغير المغاربة أيضا.

ولعل الغرض الأول من كتابة محمد بن عزوز الحكيم للمؤلَف ”سبتة، متى وكيف اغتصبتها إسبانيا؟” تفنيد ودحض مختلف المغالطات التي لطالما تغنى بها الطرف الآخر (إسبانيا).

وفي اختيار الكاتب كلمة ”اغتصاب” بدل كلمة ”استعمار” ما يدل على فحوى الأطروحة التي يدافع عنها الكتاب: لم تستعمر إسبانيا مدينة سبتة قط.

نعم، قد يظن بعض المغاربة أن وجود إسبانيا في مدينة سبتة ”يرجع عهده إلى عصور غابرة”. والحقيقة هي أن إسبانيا لم تستعمر مدينة سبتة قط، لقد استولت عليها بعدما خان أحد ملوكها العهد الذي قطعه على نفسه. فكيف تم الاغتصاب، وما مراحله، والنتائج؟.

دفاع المتهمة إسبانيا ومحاكمتها

لطالما ادعت المتهمة الماثلة أمامكم، إسبانيا، أن وجودها في سبتة يزيد عن خمسة قرون ونصف، والحقيقة أنها لم ”تغتصب” مدينة سبتة إلا سنة 1641، أي إن وجودها لم يمر عليه سوى 380 سنة؛ وبالتالي فقد سبق الوجود الإسباني في سبتة نظيره البريطاني في جبل طارق ”بثلاث وستين سنة فقط”.

ومن بين المغالطات الأخرى التي تروج لها الجارة الشمالية أنها استولت على مدينة سبتة في زمن لم تكن تأسست فيه دولة المغرب بعد. والحقيقة أن المولى إدريس الأول كان أسس المملكة المغربية سنة 788. أي قبل أن تصبح إسبانيا نفسها دولة معترف بها بما يزيد عن 700 سنة؛ فهل نسيت أو تناست هذه الجارة أنها لم تصبح دولة قائمة بذاتها إلا سنة 1492؟ ألم تكن خاضعة لحكم المرابطين، والموحدين، والمرينيين فيما بين سنتي 788 و1492؟.

ثم إذا كانت إسبانيا تدعي أن سبتة التي تقع على التراب المغربي في الضفة الأخرى جزء لا يتجزأ من ترابها فكيف لها أن تحتج على استعمار بريطانيا لجبل طارق الواقع على الأراضي الإسبانية. ألا يحكم المبدأ ذاته كلا الملفين؟ أولسنا هنا أمام المبدأ ذاته، مبدأ الامتداد الجغرافي؟ أوليس ”الامتداد الجغرافي الذي يوجد بين أرض إسبانيا وجبل طارق هو الامتداد الجغرافي نفسه بين أرض المغرب وسبتة ومليلية”؟.

والمدينتان تحملان الهوية ذاتها. لقد أنشأ المغاربة مدينة جبل طارق (التي سميت كذلك تيمنا بالقائد المغربي طارق بن زياد؛ فاتح الأندلس) ”بأمر صادر عن سلطان المغرب الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي الكومي سنة 1160م”.

وعرفت المدينة باسم جبل الفتح. أما مدينة سبتة فتعتبر من أولى المدن التي فتحها الإسلام. ومن سبتة نفسها انطلقت رحلة فتح الأندلس التي توجت وتكللت بانتصار طارق بن زياد في معركة الخندق على الملك القوطي دون رودريگو سنة 711م.

ومنذ ذلك الحين ظلت المدينة تخضع للحكم الإسلامي وبعدها لحكم سلاطين المغرب بعدما أنشأ إدريس الأول الدولة المغربية. والمدينتان شكلتا صلة وصل بين بين المغرب والأندلس لما يزيد عن سبعة قرون ونصف القرن.

كرونولوجيا اغتصاب سبتة

بدأت القصة عندما قام السلطان المريني أحمد بن إبراهيم بن علي بالتخلي عن جبل طارق لصالح ملك غرناطة ابن الأحمر سنة 1874م. فوجد الملك البرتغالي خوان الأول، بعد ذلك بأربعين سنة، يعقد العزم على شن أول حملة صليبية على المغرب؛ وهي حملة استعانت فيها البرتغال بأسطول ”يتألف من 220 سفينة حربية وجيش لا يقل قوامه عن 50 ألف مقاتل”، وانتهت بسقوط مدينة سبتة في يد البرتغال.

حينئذ، كان المغرب يتخبط في مشاكله الداخلية وحروبه الأهلية الطاحنة، ما مكن البرتغال من احتلال مدن مغربية أخرى، سيتمكن المغاربة من استرجاع وتحرير جلها قبل أن يعتلي الدون سيباستيان عرش البرتغال. ولم تعد في حوزة هذه الدولة الاستعمارية في تلك الحقبة سوى ثلاث مدن مغربية فقط؛ طنجة وسبتة ومازاكان.

وشن الدون سيباستيان بدوره حملة صليبية على المغرب، كان يطمع من خلالها في الاستيلاء على كل أراضي المملكة؛ لقد شن الحرب وترأسها بنفسه بصفته ملك البرتغال، وليقينه الكامل بقوة بلاده وضعف البلد الخصم؛ وساعدته في تنظيم الحملة كل الدول المسيحية، كما باركها البابا گريگوريو الثالث عشر.

وكان المغرب تخلص آنذاك من مشاكله الداخلية، وكان المولى عبد المالك السعدي اعتلى العرش في المغرب.

والظاهر أن الدون سيباستيان دخل حربا غير محسومة النتائج سلفا لأن الحاسم في الحرب هو حسن إدارتها والمرونة، ثم إنها دارت على أرض المغرب، وهو أدرى بشعابها؛ فانتصر المغاربة على الجيش الغازي على ضفة وادي المخازن، ولقي الدون حتفه في المعركة، وترك ”عرش البرتغال شاغرا”.

وهكذا، اتجهت أطماع ملك قشتالة فيليبي الثاني إلى العرش الذي تركه ابن أخته الدون سيباستيان، وأصر على بسط نفوذه على المدن المغربية التي احتلتها البرتغال، فسارع وأرسل إلى حكام لشبونة رسالة يطمئنهم فيها بأنه سيقوم بكل ما في وسعه لمنع السلطان مولاي أحمد المنصور من استرجاع هذه المدن وأنه سيحافظ على نصرانيتها. والحقيقة أن العاهل الإسباني كان ينوي الاستيلاء على البرتغال نفسها.

مكائد الصدف

ومن حسن حظ إسبانيا وسوء حظ البرتغال، توفي الوصي على عرش البرتغال الأمير غون إنريكي سنة 1580م، فاجتازت الجيوش القشتالية الحدود البرتغالية بأمر من الملك القشتالي، بعدما توجهت أطماع البابا گريگوريو الثالث عشر نفسه وملوك آخرين إلى العرش البرتغالي؛ فبويع فيليبي الثاني الإسباني ملكا على البرتغال سنة 1581، بعدما أقسم أمام مجلس الكورطيس بأنه ”سيحافظ على جميع القوانين، والامتيازات، والعادات والتقاليد البرتغالية الجاري بها العمل في المملكة البرتغالية”، على أن تظل حاميات مدن ما وراء البحار التي احتلتها البرتغال خاضعة لحكم البرتغاليين دون سواهم؛ أي إن مجلس الكورطيس البرتغالي لم يوافق على مبايعة فيليبي الثاني إلا بعدما أقسم أمامه على عدم الإخلال بشروط المبايعة المتفق عليها من قبل، سنة 1580. وهكذا أصبح فيليبي الثاني ملكا على إسبانيا والبرتغال.

وكان الحكام البرتغاليون للمدن المغربية المحتلة آنذاك رفضوا الامتثال لسلطة فيليبي الثاني وامتنعوا عن مبايعته، رافضين الواقع الذي فرض على البرتغال.

وعمدت إسبانيا، كلما هاجم المغاربة وحاصروا سبتة وطنجة لتحريرهما، إلى إرسال كتائبها إلى سبتة ”بدعوى تعزيز الحامية البرتغالية”؛ ثم جعلت من عملية هجرة المدنيين الإسبان من الأندلس إلى سبتة وطنجة أمرا سهلا. وسرعان ما أصبح في المدينتين جنود إسبان وبرتغال، في غياب تام لأي اعتراض من حكام لشبونة المغلوبين على أمرهم. وتنفيذا لسياسة دق آخر مسمار في نعش الاحتلال البرتغالي بسبتة، وتمهيدا لتفويت المدينة للاحتلال الإسباني، أرسل البلاط الإسباني الكونت دي اسيفطار إلى المدينة تحت ذريعة تفقد ساكنتها وإشعارها ”بالعطف الفائق الذي تحظى به لدى جلالة الملك”.

وفي وقت تمكنت البرتغال من استعادة استقلالها بعد مرور ستين سنة من الاحتلال الإسباني، وأحبطت محاولات الملك الإسباني فيليبي الرابع للقضاء على حركتها التحريرية، أعلن حكام سبتة وطنجة ومازاگان البرتغاليون مبايعتهم للملك البرتغالي الجديد خوان الرابع.

وإذا كان إعلان حاكم مازاگان البرتغالي مبايعته لخوان الرابع مر مرور الكرام على الإسبان فإن الوضع في سبتة صار داميا. لقد حاصر الجنود الإسبان ومعهم المدنيون قصر حاكم سبتة البرتغالي (فرانسيسكو دي المايدة) فارضين بذلك مبايعتهم للملك الإسباني على الحاكم البرتغالي، وألقوا القبض على الجنود البرتغاليين، ثم التمسوا المساعدة من حاكم جبل طارق الإسباني.. واستجاب هذا الأخير لمطلبهم ونزل إلى سبتة، وألقى القبض على حاكمها وطرده منها وطرد معه الجنود البرتغاليين.

إن ما حصل في سبتة سنة 1640 ”انقلاب عسكري قامت به الحامية العسكرية الإسبانية التي كانت موجودة بسبتة بصفة غير مشروعة”، ومخالفة صارخة للوعود التي قطعها فيليبي الثاني على نفسه عندما طمع في عرش ابن أخته.

مكائد المغتصب الإسباني

تشهد بعض المصادر الإسبانية أن الملك البرتغالي خوان الرابع أغضبته المؤامرة التي دبرتها إسبانيا بـمدينتي سبتة وطنجة، فأمر بمحاكمة أربعة من رؤساء المؤامرة (وهم لويس دي نورونها، وميگيل دي منيسيس، ودييگو دي بريطو، وملشور كوريا ذا فرانكا)، وحكم عليهم بالإعدام ونفذ في حقهم الحكم؛ كما أمر بمصادرة ممتلكات الخونة البرتغاليين الذين فروا إلى إسبانيا.

والظاهر أن إسبانيا كانت تبالغ في ”مداعبة وترضية” ساكنة سبتة، فكانت تصدر مراسيم تعفي المأكولات التي تأتي من سبتة من أداء الواجبات الجمركية، ومراسيم تمنح سبتة المغربية دون غيرها امتيازات وإعفاءات أخرى لم تمنحها ”للمدن الإسبانية نفسها”. وقد منحت إسبانيا الخونة البرتغاليين كذلك تعويضات ”عما صودر منهم بوطنهم” كعربون شكر على المؤامرة التي حاكوها والانقلاب الذي أيدوه.

وأصدر العاهل الإسباني سنة 1656 مرسوما يقول فيه إنه يعتبر سبتة ”كأنها توجد ضمن المدن الأخرى التي تكوّن إسبانيا، وكأنها في الحقيقة والواقع توجد داخل حدود إسبانيا”، أما عن سكان المدينة فقال إنه يعتبرهم ”كأنهم في الحقيقة والواقع ولدوا في إسبانيا”.

والمرسوم خير جواب عن تصريحات إسبانيا، فلو كانت سبتة إسبانية كما تدعي الجارة الشمالية لما قال عنها العاهل الإسباني آنذاك إنه ”يعتبرها وكأنها إسبانية”.

لِصَّان تخاصما..

لقد دام النزاع حول مدينة سبتة بين البرتغال وإسبانيا ثمان وعشرين سنة، إلى أن توفق ملك بريطانيا العظمى كارلوس الثاني في حث ألفونسو السادس (ملك البرتغال)، وكارلوس الثاني (ملك إسبانيا) على إبرام معاهدة الصلح بين البلدين (سنة 1668)، والاتفاق على أن مدينة سبتة ”يجب أن تبقى في يد الملك الإسباني لأسباب وقع المناقشة في شأنها”.

وإثر هذا الاتفاق، وجهت الملكة ضونيا ماريا أم كارلوس الثاني سنة 1668 مرسوما لسكان سبتة، تخبرهم فيه أنها قررت ضم المدينة إلى تاج قشتالة كعربون شكر على خدمتهم لابنها، لكنها رفضت الطلب الذي قدموه لها؛ لقد كانوا يريدون الحصول على حق التمثيل في مجلس الكورطيس، وفي رفضها لمطلبهم دليل قوي على أن إسبانيا لا تعتبر مدينة سبتة مدينة إسبانية، وبالتالي لم تمتعها بنفس حق التمثيل في البرلمان الذي تتمتع به المدن الإسبانية الأخرى. كما رفض كارلوس الثاني مزاولة السبتاويين لوظائف خاصة بالإسبانيين، إلا إن هم ”غادروا مدينتهم سبتة واستقروا بصفة نهائية فوق التراب الإسباني”.

وعاد صاحب الدار..

هذا ما يقوله التاريخ، وتصدح به الوثائق..

ويقول إن ملوك المغرب والمغاربة حاصروا سبتة عشرات المرات على امتداد القرون الثلاثة ونصف القرن، منذ اغتصابها، وما تركوا للمغتصب فرصة الانفراد “بالغنيمة”. وكانت مفاوضات حول سبتة (وأختها مليلية).

ويقال: من يريد الكذب فليكذب على الأموات، إذ تؤكد إسبانيا وكثير من زعمائها اليوم، كما في السابق، أن سبتة كانت إسبانية قبل نشوء الدولة المغربية، بل قبل بداية حكم العلويين!..

والمغاربة، ورثة المجد الإمبراطوري باقون ها هنا، وأحياء يرزقون ويفكرون، وما ناموا قديما على ضيم فهل ينامون الآن؟..

هم ينضجون الفاكهة سبتة، وأختها مليلية.. وحان قطافهما.. وإنهم لأصحابهما.

صناعة البديل، والحصار الذكي، والضربات الموجعة، ورداء الأستاذ بعد خلع وزرة التلميذ، والنفس الطويل.. كل ذلك كفيل بإغلاق قوسي الاغتصاب، وفتح باب الحرية، واسترجاع الحق.