اختراق أنصار التطبيع

أنس السبطي

تشهد محاولات المطبعين مع المحتل الصهيوني اختراق النسيج المجتمعي العربي والإسلامي تنوعا في الأساليب تناغما مع الكيانات المختلفة المستهدفة التي تتعدد أهدافها من الاختراق الكامل لتلك الكيانات وجرها إلى بيت الطاعة الصهيوني إلى تسجيل تقدم بنسب معينة عند الأجسام الأكثر مناعة بغية شق صفها أو على الأقل كسر إجماعها بخصوص العلاقة مع الصهاينةويمكن في هذا الصدد تقسيم الجبهات التي تم توجيه السهام إليها بالمجمل إلى ثلاث جبهات.

 

– الجبهة الرسمية:

تشمل جميع الأحزاب والجمعيات الرسمية وكل مثقفي البلاط وفقهاء السلاطين، حيث أن تطبيعهم تحصيل حاصل مهما تمسحوا بالقضية الفلسطينية فيما مضى، لأن قرارهم ليس بأيديهم فمتى قرر نظام بلدهم أن يدعموا تطبيعه فسيقومون بالاستجابةلهذا فإن الضغط الصهيوني العالي على الأنظمة كفيل بأن يلحق هاته النخب بمعسكر التطبيع عبر توريطهم بتسويغ موقف حكامهم.

ضرر هؤلاء على القضية الفلسطينية بالغ السوء، ففي حالة تضامنهم هم يقدمون دعاية رديئة عنها، حيث أن الفئات المظلومة والمحرومة على المستوى المحلي تعتبرهم منافقين وتضن بالتفاعل اللازم مع المظاهرات التضامنية مع القضية الفلسطينية بسببهم، ومنها من تتجرأ على التطاول على فلسطين من باب النكاية فيهم، فهم بمثابة المحامي السيء لقضية عادلة.

أما في حالة إدارة ظهرها للقضية الفلسطينية فهي تقوم بخلخلة توازن الصف المناهض للكيان الصهيوني خصوصا أن المنتسبين إليها قد تمكنوا من مزاحمة المناضلين الصادقين بل وتصدروا المشهد على حسابهم طيلة عقود الصراع، والنتيجة أنهم يفتنون جمهورهم ويؤثرون في قطاع مهم منه.

نحن اليوم أمام درس قاس لكنه ضروري من أجل القطع مع التضامن المغشوش، فلا يمكن دعم القضية الفلسطينية دون معارضة الأنظمة التي تآمرت عليها، ومن واجب نصرة الفلسطينيين ألا يسمح لأي طرف يحاول أن يمسك العصا من الوسط من اختراق جبهة دعم القضية الفلسطينية حتى لا تلدغ من نفس الجحر مرة أخرى.

– جبهة المعارضة:

دعم بعض القوى الشبابية بالتأطير والتدريب والتمويل الأجنبي من منظمات غربية خلق نخبة على المقاس يسهل توجيهها، ولئن احتفظ بعضها بشيء من مبدئيتها في مواجهة الاستبداد في بلدانها إلا أن الخوف من فقدان الدعم الخارجي جعلها تشطب القضية الفلسطينية من دائرة اهتمامها.

النتيجة أنه ولأول مرة ينفصل هم التحرر الداخلي عن هم القضية الفلسطينية، ففلسطين التي كانت تتغنى بها الجماهير حتى في معاركها النقابية والخبزية البسيطة حوروا بعض فئاتها عن وجهتها وأضحت مطالبها السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية مطالب ذات نفس ضيق، واعتقد أصحابها أن كسب ود القوى النافذة وعقد الصفقات معها ممكن من أجل تحقيق مطالبها، ولو على حساب القضية المركزية التي أصبحت تشكل ثقلا عليهم.

لا نهول من حجم تلك الفئات المطبعة لقلتها ولا نهون منها أيضا، فرغم عزلتها المجتمعية فهي لا تترك الفراغ، فهي كلما سنحت لها الفرصة للالتحام بالجماهير وتأطيرها والتواصل معها تكون حاضرة، وهذا ما لمسناه في الربيع العربي حين كان صوتهم مسموعا بفعل الدعم الإعلامي والحقوقي الذي يستفيدون منه دون غيرهموقد أدت جهودهم إلى تثبيت واقع التجزئة وإلى خلق التنافر بين الهم الفلسطيني وباقي الهموم المحلية، مما أسهم في إحداث شقوق في الجدار الذي صد جل المحاولات التطبيعية السابقة.

– جبهة الحركات الإسلامية:

أخطر ما حدث في مجال اختراق التطبيع هو تحول موقف جزء من الحركة الإسلامية من الكيان الصهيوني مثلما حدث لحزب العثماني وبنكيرانفإلى وقت قريب لم يكن واردا أن يحدث أي تغيير ولو بمستويات طفيفة عند من يعتبر تحرير فلسطين عقيدة غير قابلة للمساومة والتفريط.

الحقيقة أن الأمر تم تشربه بشكل تدريجي من طرف التيار الإسلامي، فقد نجح التقرب التركي والقطري من الإسلاميين عبر استقطاب نخبتهم الإعلامية والسياسية وعلى الانفتاح على جزء من دعايتهم في إحراجهم وفي سعيهم لإيجاد تبريرات لاصطفافهم الجديد مع حلفاء يكسرون إجماع الأمة في موضوع التطبيع مع المحتل الصهيوني، ومما زاد الأمور سوءا هي مخرجات الربيع العربي التي حولتهم رسميا إلى جنود مجندة للقطريين وللأتراك وإلى وقود لمعاركهم ومغامراتهم الإقليمية.

وقد أدى حماسهم المبالغ فيه لهذا المحور إلى الجرأة في تبرير ما لا يبرر حتى لو صادم أدبياتهم وصدم المزاج العربي سعيا لنيل رضا هذا المحور وظنا منهم أن خدمة مشروعهم لن تتم إلا بتزكية حلفائهم والتغطية على عيوبهم، وهكذا فإن أسوأ ما حدث في موضوع التماس الأعذار للمطبعين في قطر وتركيا هو كسر الجليد عن قضية التطبيع وتحويلها من قضية محسوم في رفضها إلى قضية يمكن تحت ظروف وإكراهات معينة القبول بها.

ولئن تم هذا بحسن النية من باب الاضطرار فإن القوس الذي فتحه البعض خلق تناقضا غير مبدئي جرأ البعض على الدخول إلى نادي المطبعين من أوسع أبوابه، ويمكن العودة إلى دعاية أنصار العدالة والتنمية المغربي واستثمارهم لهذه النقطة بالذاتوما يزيد في فداحة ما يجري داخل الساحة الإسلامية عدم اتخاذ موقف صارم من الحزب المطبع من طرف شركاء المرجعية بل إن العكس هو الحاصل، حيث أن أطيافا منهم سعوا بعد أن هدأت موجة الانتقاد اللاذع له إلى فك العزلة عنه وإعادة تلميع صورته باستضافة رموزه المطبعة والمشاركة في نشاطاته رغم أن اتفاق التطبيع ما زال ساريا ومن وقع عليه ما زال على رأس الحكومة، الشيء الذي يؤثر على أصالة هذا الاتجاه ويربك ريادته للفعل المقاوم ما دام متصالحا مع هذا التيار الدخيل الذي يبدد بمغامراته رصيده الكفاحي والمبدئي.

لم يترك أنصار التطبيع أي مجال إلا وحاولوا التوغل فيه بالقدر الممكن، فهم لا ييأسون ولا يرفعون الراية البيضاء، الشيء الذي يستدعي يقظة كبرى أمام تسرب دعايتهم، فالملاحظ أنهم لا يحققون أية نجاحات تذكر إلا بعد اللعب على وتر تناقضاتنا وهو ما يتطلب لمواجهتها التجرد التام والإخلاص للقضية الفلسطينية وطرح أية عصبية وأية حسابات مصلحية، بهذا فقط يمكن قطع الطريق على كل مؤامرة ترمي إلى صهينة مجتمعاتنا

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol