المرصد الأورومتوسطي يرسم صورة قاتمة عن الوضع الحقوقي في المغرب ويتهم السلطات بـ”خنق الرأي الآخر”

«المرصد الأورومتوسطي» يكشف عن صور من مضايقة الصحافيين والمدونين والحقوقيين في المغرب

تقرير حسن برهون

قال “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”، الذي يوجد مقره في جنيف، إن السلطات المغربية تواصل منذ سنوات فرض قيود صارمة على حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير، مـن خلال الاسـتهداف المسـتمر للمؤسسات الصحافية المعارضة، ومضايقة الصحافيين والناشطين والحقوقيين بسبب تعبيرهم عن آرائهم، عبر تعريضهم للعنف واحتجازهــم تعسفياً وعرضهـم أمام محاكمات تهدف في النهاية إلى تقويض الحق في حرية التعبير عن الرأي وممارسة العمل الصحافي كونها تخالف سياسات الدولة أو تنتقدها.

وفي تقرير مفصل صدر أمس الإثنين، وحصلت “القدس العربي” على نسخة منه، قال المرصد المذكور إن سلطات الرباط ما زالت تحتجز أو تحاكم 21 صحافياً وناشطاً مدنياً وحقوقياً، بسبب التعبير عن آرائهم عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي.

ويحتل المغـرب المرتبـة 136 ضمـن 180 دولـة، بعـد أن كان يحتـل المرتبـة 133 فـي عـام 2020، وفقـاً للتصنيـف العالمي لحرية الصحافة الصادر عـن منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2021، وهـو ما يعني ـ بحسب “المرصد الأورومتوسطي” ـ زيادة في حدة وكمّ حوادث القمع والانتهاكات بحق الحريات الصحافيـة وحرية الـرأي والتعبيـر مقارنة بالعام الماضي.

الضغوط ما تزال قائمة

وأضاف التقرير الذي يحمل عنوان “المغرب: خنق الرأي الآخر” (46 صفحة) أنه على الرغم من المطالبات الحثيثة التي تقدمت بها مؤسسات حقوقية دولية وأخرى صحافية لوقف الاستهداف الممنهج لحرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير من قبل السلطات المغربية خلال السنوات الماضية، إلا أن موجة الضغوط على هذه الحريات ما تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالضغوط القضائية التي تستخدمها السلطات المغربية كأداة قمعية ضد العديد من النشطاء الإعلاميين والمدنيين والحقوقيين وغيرهم. فبالإضافة إلى المحاكمات التي استمرت لسنوات ضد هذه الفئات، انهالت المتابعات القضائية على الصحافيين والناشطين من جديد، وصدرت بحق البعض منهم أحكام قاسية، جعلتهم حتى هذه اللحظة يقبعون في سجون الدولة.

وفي الوقت الراهن، تحتجز السلطات المغربية وتحاكم ما لا يقل عن 21 صحافياً وناشطاً مدنياً وسياسياً وحقوقياً وآخرين متهمين بسبب تعبيرهم عن آرائهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، وفق “المرصد الأورومتوسطي”.

واعتبر التقرير أنه مما يعكس نية السلطات في الاستمرار بنهجها في ملاحقة وقمع حرية الرأي والعمل الصحافي، هو غياب التحقيقات فيما يتعلق بالمعلومات التي نشرتها منظمات حقوقية ودولية حول ما أقدمت عليه السلطات من مراقبة المحتويات شبكة الإنترنت، واستهداف الناشطين والصحافيين والحقوقيين من خلال برنامج تجسسي يدعي “بيغاسوس” تابع لشركة “إن إس أو” الإسرائيلية، وذلك عبر اعتراض الاتصالات والتجسس عليها وانتهاك الحق في الخصوصية، دون اعتبار للمعايير الدولية ذات الصلة ومبادئ الضرورة.

ويضيف التقرير، أدى غياب الضمانات الدستورية والقانونية الكافية لحماية الحق الأساسي في حرية الرأي التعبير والعمل الصحافي إلى تفاقم الانتهاكات والتجاوزات التي تتسم بها سياسة الدولة تجاه هذه الحريات، ويتجسد ذلك من خلال استمرار السلطات المغربية في اللجوء إلى القانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر لمتابعة الصحافيين والناشطين في التعبير عن آرائهم وتجريمها، بما في ذلك ما يتم نشره على منصات التواصل الاجتماعي. وسلط التقرير الضوء على طبيعة الانتهاكات التي قال إن السلطات المغربية تمارسها ضد أصحاب الرأي من نشطاء وحقوقيين، بالإضافة إلى العاملين في الحقل الصحافي، ويبرز المضايقات والإجراءات القضائية المتخذة بحقهم في سبيل ردعهم عن ممارسة حقوقهم كونها تأتي معارضة لسياسات الدولة ومنتقدة لها، ثم يناقش هذه الانتهاكات عبر عرض النصوص القانونية المحلية وكذلك الدولية التي تأتي في إطار حظر هذه الانتهاكات بشكل مطلق كونها تعدياً على الحريات الأساسية الواجب احترامها والتي يمنع المساس بها بأي شكل من الأشكال.

فحص التقرير ما وصفه بالأساليب القمعية والممارسات التضييقية التي تنتهجها السلطات المغربية بحق أصحاب الرأي من نشطاء مدنيين وحقوقيين وصحافيين بسبب تعبيرهم عن آرائهم المعارضة للسلطات، سواء من خلال المؤسسات الإعلامية بالنسبة للصحافيين، أو من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها بالنسبة للنشطاء المدنيين.

واعتمد التقرير على أشهر من البحث والتوثيق، بما فيه العمل الميداني الذي أجراه الفريق التابع “للمرصد الأورومتوسطي” في المغرب خلال الفترة من شباط/ فبراير 2020 وحتى حزيران/ يونيو 2021، حيث أجرى 15 مقابلة مع ذوي النشطاء والصحافيين المعتقلين في السجون المغربية، وبعض العاملين في مجال حقوق الإنسان والعمل الصحافي، وحصل من خلالها على معلومات تفصيلية حول حالة المعتقلين وطبيعة الانتهاكات والمضايقات التي تعرضوا لها، وأسباب هذه المضايقات والتي تتمحور بشكل أساسي حول حرية التعبير عن الرأي والعمل الصحافي الذي ينتقد أداء السلطات المغربية أو يعارضها، الأمر الذي دفع السلطات إلى محاولة تكميم أفواه المنتقدين من خلال مراقبتهم واعتقالهم وحبسهم وعرضهم أمام محاكمات جائرة بلوائح اتهام – على ما يبدو- معدة مسبقاً.

كما اعتمد “المرصد الأورومتوسطي” على المصادر الثانوية بجانب المصادر الأولية، تمثلت في تسجيل مجموعة من الشهادات لنشطاء معتقلين داخل السجون المغربية تم الحصول عليها من وكالات إعلامية مغربية بعد أن تعذر الحصول عليها من أقربائهم أو من أشخاص ذوي صلة، فضلاً عن مراجعة بعض التقارير الصادرة عن مؤسسات مغربية حقوقية مثل التقرير السنوي لعام 2019 حول وضع حقوق الإنسان في المغرب الصادر عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، والتقرير السنوي لعام 2020 حول وضع حقوق الإنسان في المغرب الصادر عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وكذلك تقرير الأمم المتحدة بشأن حالة وحيثيات اعتقال الناشط توفيق بوعشرين.

وأبرز التقرير تفاصيل معلوماتية وإحصائية لمعتقلي الرأي في السجون المغربية وأعدادهم، فضلاً عن تسليط الضوء على الانتهاكات التي قال إن النشطاء والصحافيين المعارضين يتعرضون لها في المغرب، والتي تتمثل ـ حسب “المرصد” المذكور ـ في الرقابة غير القانونية التي تنتهجها السلطات المغربية في سبيل تقويض حرية الرأي والتعبير والعمل الصحافي المعارض، والذي يتخذ أشكال التجسس وانتهاك الخصوصية والتشهير بالمؤسسات المعارضة، بالإضافة إلى الاستدعاءات على خلفية تدوينات أو آراء ناقدة ومعارضة تنتهي بالاحتجاز التعسفي دون تمكين المعتقل من حقوقه الأساسية القانونية في الدفاع، فضلاً عن المحاكمات الصورية والأحكام الجائرة الصادرة من القضاء بحق المعتقلين والتي لا تجري وفق القواعد القانونية المنصوص عليها في القوانين الوطنية والدولية.

تهم أخلاقية

وحسب منظمة “مراسلون بلا حدود”، فإنه وخلال السنوات الخمس الأخيرة، حاكمت السلطات المغربية ما لا يقل عن خمسة صحافيين؛ وهم توفيق بوعشرين، هاجر الريسوني، سليمان الريسوني، عمر الراضي، هشام المنصوري، عرف عنهم انتقاد السلطات المغربية في كتاباتهم وتصريحاتهم، حيث أدينوا جميعهم بتهم أخلاقية. وخلال الأعوام الماضية، كان – وفيما يبدو- اتهام الصحافيين بالتهم الأخلاقية أسلوباً معتمداً لدى السلطات المغربية بهدف ضرب مصداقية وسمعة الصحافيين المعارضين والحد من إمكانية دعمهم والتضامن معهم، حسب ما ذكر “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”.

ووثق الفريق الميداني إفادات لعائلات الصحافيين الثلاثة الذين ما يزالون رهن الاعتقال؛ وهم توفيق بوعشرين، وعمر راضي وسليمان الريسوني، حيث أكدت جميع الإفادات أن آراءهم المعارضة كانت السبب الرئيس وراء اعتقالهم وعرضهم أمام محاكمات تفتقر للأسس القانونية.
وأضاف التقرير أن التضييق الذي تمارسه السلطات المغربية لمنع الرأي الناقد شمل النشطاء والمدونين المعارضين، حيث شهد عام 2020 ملاحقة السلطات لمجموعة من النشطاء والمدونين المعارضين الذين عبّروا عن آرائهم المعارضة عبر منصات التواصل الاجتماعي والمدونات، حيث وصل حجم التضييق إلى الاعتقال في السجون وفرض غرامات مالية ثقيلة.
وسجل “المرصد الأورومتوسطي” بعض الشهادات والنماذج الموثقة لحوالي 11 مدوناً وناشطاً جرى اعتقالهم من قبل السلطات المغربية على خلفية حرية الرأي. وبحسب المعلومات التي حصل عليها، فإن الاعتقالات التي شنتها السلطات المغربية كانت تأتي على خلفية كتابات للمدونين والنشطاء المعارضين على منصات التواصل الاجتماعي، إذ إن بعض هذه الكتابات كانت تأتي إما اعتراضاً على قضايا متكررة داخل المغرب كالاختطاف والقتل والاغتصاب، وإما تأتي اعتراضاً على تعامل السلطات القمعية مع الاحتجاجات السلمية وما يترتب عليها من اعتقالات تعسفية واحتجازات غير قانونية تنتهي في غالب الأحيان بالسجن والغرامة، أو تأتي ناقدة لفساد السلطة أو لسياساتها أو للملك.

وأشار التقرير إلى أن الرقابة الشديدة التي تمارسها السلطات المغربية على محتوى التواصل الاجتماعي، جعلها قادرة على الوصول لأي محتوى معارض لسياسات الدولة، وهو ما يعكس حجم الاعتقالات المتزايد للمدونين والمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية.

حراك الريف

وسجل المرصد أنه خلال الثلاث سنوات الماضية أفرجت السلطات المغربية عن مجموعة من معتقلي حراك الريف ممن أمضي محكوميته، ثم جاء العفو الملكي الصادر عن العاهل المغربي محمد السادس بتاريخ 21 أيار/ مايو الماضي، ليفرج بموجبه عن 17 معتقلاً من معتقلي حراك الريف، إلا أن العفو استثنى 10 معتقلين من بينهم قائد الحراك، ناصر الزفزافي، ومحمد جلول ونبيل أحمجيق الذين ترى السلطات المغربية أنهم هم من قادوا حراك الريف، كما تتهمهم بالمشاركة بمؤامرة تمس أمن الدولة.

وبالرغم من التهم الجسيمة المنسوبة للمعتقلين الذين ما يزالون رهن الاعتقال، والتي تأتي في إطار الانتقام السياسي وتكميم الأفواه، فإن الاعتقال جاء في حقيقته ـ وفق تقدير أصحاب التقرير ـ ضمن سياق الاحتجاج السلمي والتعبير عن الرأي، وهو ما يضع المغرب ضمن قائمة الدول الأكثر تقييداً لحق الرأي التعبير، والذي ينعكس بشكل واضح على طبيعة التهم الملفقة المنسوبة للمعتقلين وحجم العقوبة المقررة بحقهم؛ يقول المصدر المذكور.

القيود المفروضة

ولخص “المرصد الأورومتوسطي” القيود المفروضة على حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير في المغرب في مراقبة ومتابعة جميع وسائل النشر المعارضة، سواء التقليدية أو الإلكترونية، بهدف منع انتشارها وإيقاع العقوبات عليها، من خلال فرض غرامات مالية باهظة تصدرها المؤسسة القضائية بحق المؤسسات الصحافية أو الناشطين والمدونين؛ وكذا متابعة الصحافيين والناشطين والمدونين بمقتضيات القانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر، كون أن القانون الجنائي على عكس قانون الصحافة والنشر يعاقب على جرائم التعبير السلمي ويتضمن عقوبات شديدة؛ فضلاً عن إدانة الصحافيين والنشطاء بتهم ملفقة عبر اختلاق أحداث ووقائع لا أساس لها من الصحة تهدف إلى إدانة المتهمين وتشويه سمعتهم، بجانب التضييق المالي على المؤسسات الإعلامية المستقلة عبر عدم تمكينها من الإعلانات عقاباً لها على خطها التحريري؛ وكذا حرمان الصحافيين والصحافيات تعسفياً من الحصول على بطاقات الاعتماد بسبب آرائهم المعارضة للسلطات. كما سجل التقرير استمرار نشاط التشهير بالمؤسسات الصحافية المعارضة والناشطين، من خلال التحريض عليهم وتشويه سمعتهم بهدف منعهم من التعبير عن آرائهم. `

وخلص إلى مجموعة من التوصيات، حيث طالب الحكومة المغربية بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي من صحافيين ونشطاء ومدونين، ممن احتجزوا تعسفياً على خلفية الرأي والتعبير، والعمل على وقف سياسة الاعتقال بكافة صورها بشكل نهائي. كما أكد على ضرورة اضطلاع القضاء المغربي بدوره الأساسي المنوط به لحماية الصحافة والناشطين السلميين من الاعتقال التعسفي والتجاوزات التي تتخللها، وحملات التشويه والتشهير التي يتعرضون لها.
وطالب أيضاً بالسماح للمقرر الخاص المعني بالاعتقال التعسفي والمنظمات الدولية بزيارة السجون المغربية للاطلاع على واقع المعتقلين، مشدداً على ضرورة احترام القوانين الوطنية المنظمة لحماية الحق في الرأي والتعبير، خاصة تلك الواردة في الدستور المغربي في الفصول من 21 إلى 29، بالإضافة إلى احترام القوانين الدولية التي صادق عليها المغرب والتي تحظر أي انتهاكات ماسة بحرية الرأي والتعبير. كما دعا إلى توفير المحاكمة الوجاهية العادلة للموقوفين، وتأمين الزيارات الدورية لعائلاتهم وتأمين  حق تعيين محامين لهم ومقابلتهم قبل محاكمتهم.

وناشد “المرصد الأورومتوسطي” المجتمع الدولي من أجل الاضطلاع بمسؤولياته، من خلال العمل مع السلطات المغربية عبر التواصل مع المسؤولين لوقف ممارسة الاعتقالات على خلفية حرية الرأي والتعبير، وإرسال فريق العمل الأممي الخاص المعني بمسألة تعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير لاتخاذ ما يلزم من إجراءات بناء على المعلومات المتعلقة بحالات المعتقلين على خلفية الرأي والتعبير. كما دعا الهيئات التعاقدية المنبثقة عن الاتفاقيات المتضمنة تكريس الحق في حرية الرأي وحظر انتهاكها، إلى تفعيل دورها الرقابي والعمل مع السلطات المغربية لوقف هذه الانتهاكات بموجب هذه الاتفاقيات.

يشار إلى أن التقرير يتضمن جدولاً بأسماء معتقلي الرأي في المغرب، وهم صحافيون ومدونون ونشطاء سياسيون وحقوقيون.

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol