“اَلـكَـابِـــرْ فـي الـخـيـْـر يــشَــمّْ يـــدُّه يَـــشْــبَــعْ، والـكـابــــِرْ فــي الجوع بمال الدنيا ما يـَقـْنَــعْ”

اَلـكَـابِـــرْ فـي الـخـيـْـر يــشَــمّْ يـــدُّه يَـــشْــبَــعْ، والـكـابــــِرْ فــي الجوع بمال الدنيا ما يـَقـْنَــعْ”،

مثل شعبي هذه روايتـه الـمغربية، وفـي الرواية الـمصرية استُبدل لفظ “الْكَابِرْ” بلفظ “الـَمْـتَـرَبّــي” وكلاهما يعني الـمترعرع، وفـي الرواية الليبية اكتُفِـــيَ بالشطر الأول من الرواية الـمصرية فقط، أي: “الـمتربـي على الخير يشم يده يشبع”. وقد تمت الإشارة فـي حلقات سابقة إلـى أن تواتر الأمثال فــي بلداننا العربية مؤشر علـى تقارب الثقافات الشعبية فـيها؛ تقارب لـمنظومة القيم الإسلامية إسهامٌ مركزي فيه، ناهيك عن تشابه الظروف الـمعيشية وتأثير الحياة البدوية فـي بلورة الشخصية الثقافية فـي مجتمعاتنا العربية، لا سيما فـي شمال إفريقيا.

يعالج الـمثل قضية مركزية فـي الـمنظومة القيمية الإنسانية عموما؛ إنه خُـلق “القناعة” أو الكنـز الذي لا يفنى كما توصف. والقناعة لغة من “قنِع” بكسر العين (الحرف الثاني)، يقنَع قُنوعًا وقناعةً وهـي الرضا باليسير من العطاء. والقُنُوع قد يكون بمعنى الرضا، والقانع أي الراضي لأنه يَقبل على الشيء الذي له راضياً. وفـي الاصطلاح، القناعة هي الرضا بما أعطى الله. يقول الإمام السيوطــــــي في تعريفها: “القناعة: الرضا بما دون الكفاية، وترك التشوُّف إلى الـمفقود، والاستغناء بالـموجود”. وقيل: القناعة هـي الاكتفاء بالبُلغة. وقيل سُكُونُ الجأْشِ عند أدنى الـمعاش. وقيل: “القناعة هـي الوقوف عند الكفاية”.

لله درُّ علمائنا الأجلاء، صفت منهم السرائر فأغدق الله الكريم الوهاب عليهم عطايا وفتوحات قلبية وفكرية تُرجمت حكمة وفهما عميقا وعلما نافعا أنار للناس الدروب. قالوا رحمهم الله: القناعة رضا (الرضا الذي لا يستحيل خنوعا وهوانا وقَبولا بالقِسمة الضيزى للأرزاق ومقدرات الأمة) بما دون الكفاية. والقناعة اكتفاء بالبُلغة في إحالة واضحة للحديث النبوي: “… بحسب ابن آدم أُكْلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه”. وكلها مُخرجات لتربية وتهذيب للنفس تُستمد من لفظ الـمثل “الكابر أو الـمْربّــي”، فمن نشأ فـي تربية سليمة أكسبته غنى النفس وأغنته عن الانشغال بزينة الحياة الدنيا وزخارفها، اشتغل بطلب الـمعالي وبابها العفة، ومن نشأ وترعرع في الجوع الـمعنوي والفاقة القيمية والخلقية أنّـــى له أن يرضى ولو بمال الدنيا كلها.

 

مثل بحمولة تربوية كبيرة يضع اليد علـى مكمن داء النفس البشرية، فإذا كانت القناعة من الـمحامد الخُلقية، فهي ولا شك عصارة تربية سليمة ترسّخ فــي النفس غنـى الروح بما هــي تسامٍ عن سفاسف الأمور وتجافٍ عن شهوات النفس وزخارف الحياة؛ فهـي من مقتضيات التقوى وتجلياتها. يقول الإمام علي كرم الله وجهه: “التقوى هـي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل”.

القناعة غنى النفس وتعفف عن السؤال. يقول الحق سبحانه مادحا الـمترفعين بعزة أنفسهم عن السؤال فـي سورة “البقرة”: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِـي الْأَرْضِ يَحْسِـبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. (الآية: 273). وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو كَدوحا في وجهه”.  قالوا: يا رسول الله، وما غناه؟ قال: “خمسون درهما، أو حسابها من الذهب”.

فشتان بين من نشأ متشبعا بقيم خيرية أغنته بالقليل حصره منطوق الـمثل فـي مجرد شم اليد، وبين من تعلق بحطام الدنيا وندب حياته وعمره ساعيا وراء سراب جمعها، فيصبح كمن يطلب الرواء ودفع العطش بماء البحر الـمالح، فيعيش حالة من الفاقة، ويصحبه شعور دائم بالفقر. يقول الشاعر أبو الطيب الـمتنبي:

ومنْ يُنفقِ الساعاتِ فـي جمع ماله       مخافةَ فقرٍ فالذي فعل الفقرُ

أجل، إن تسخير الحياة لجمع الأموال وتكديسها خوفا من الفقر هو الفقر بعينه. “ومن دافع الفقر بالذل قبل الفقر فقد تعجل الفقر”، على حد تعبير لقمان الحكيم. ومِن أروع ما قيل فـي هذا الـمعنى، قول أحدهم:

يُــخَوِّفُنِي بِالْفَقْرِ قَوْمِي وَمَا دَرَوْا         بِأَنَّ الَّذِي فِيهِ أَفَاضُوا هُـــــــوَ الْعُسْرُ
فَقُلْتُ لَهُمْ لَـمّا لَحَوْنِي وَأَكْثَرُوا:         أَلَا إِنَّ خَوْفَ الْفَقْرِ عِنْدِي هُوَ الْفَقْرُ

إذن هما مساران لا ثالث لهما، الأول يرقـى بالإنسان فيرفل فـي العزة وكرامة النفس لـما تتعفف عن السؤال، مهما كانت الحاجة، والثاني يهوي بالإنسان لـما يستسلم لسلطان الـمال ويتنكر لكل قيمة أو فضيلة معتقدا أن الـمال وحده يُكسِب صاحبه جاها ومكانة اجتماعية.

الـمثل يقترح نموذجين للغنى، غنى معنوي مفتاحه القناعة صونا للكرامة وترفعا عن ذل السؤال، وغنى مادي مجرد عن القيم والـمحامد يفتح على صاحبه باب التعاسة والشقاء دنيا وآخرة.

التربية إذن بوابة صلاح الفرد فلا يطمع فـي مال غيره، وبوابة صلاح الـمجتمع حيث تحُول قناعة النفس قبل صرامة القوانين دون التحايل بشتى الذرائع لنـهب الـمال العام تحت مسميات زائفة: تعويضات غير مستحقة أو ريع أو امتياز استغلال لنفوذ أو منصب أو قرابة حزبية كانت أو عائلية أو قبلية.

فطوبى لـمن حاز ـــــ توفيقا من الله تعالى ــــــــ حظا من القناعة وعفة النفس، ولْيبادرْ من رأى فـي نفسه انزياحا لجمع الـمال، يحبه حبا جما، ويسعـى لتكديس الثروات دون إتيان حقها زكاة وإنفاقا عاما لتدارك ما فات قبل الـممات، حيث لا تجدي “يا ليتني”.

هـي التربية والتنشئة السليمة القائمة على التوازن، تغرس فـي النفوس قيم الفضيلة والعفة والكرم وغيرها من مفردات منظومة قيمنا الدينية، وتنفر من الشح والبخل وكل صفة ذميمة قد تخدش فـي مروءة الإنسان عموما، والـمؤمن أو الـمؤمنة تحديدا فيعيش سعادة الدارين.

وإذا كانت القناعة بما هي وقوف عند الكفاية وما يسد الرمق محمدة وفضيلة، فهي حرمان فـي باب السعي لأعلى الدرجات الإيمانية والتشوف لـمقامات القُرب منه سبحانه بصالح الإعمال وسديد النيات، حتى قيل: القناعة من الله حِرمانٌ.

والحمد لله رب العالـمين.

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol