كريم بنعبد السلام .. شاب مغربي تحدى إعاقة التوحد

على بعد أيام قليلة من تخليد اليوم العالمي للتوحد، الذي يصادف 02 أبريل من كل سنة، يتجدد طرح السؤال حول مدى كسب رهان تحقيق اندماج هذه الفئة الاجتماعية في مختلف مناحي الحياة العامة، وخاصة ما يتعلق بالولوج إلى التعليم والتشغيل، باعتبارهما أحد أبرز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأفراد.

ومع طرح هذا السؤال الجوهري الذي ما انفك يثير نقاشا مجتمعيا واسعا، تبرز تجربة كريم بنعبد السلام، أو الشاب المغربي المقدام الذي تحدى إعاقة التوحد وبلغ أسمى مراتب العلم.

وقد اكتشف والدا كريم، الذي يبلغ اليوم من العمر 27 ربيعا، إصابة طفلهما الأكبر بإعاقة التوحد وهو في سن الثانية والنصف.

في هذا الإطار، يوضح والد كريم، السيد محمد بنعبد السلام، الذي يشتغل كإطار في القطاع العام بالرباط، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه “ابتداء من السنة الثانية والنصف، لفت انتباهي أنا ووالدة كريم أن الأخير مختلف تماما عن باقي الأطفال في سنه (…) لم يكن يتواصل ولا يتجاوب مع المحيطين الأسري والخارجي كما ينبغي (…)”.

ويحكي كريم، الذي يحضر رسالة الدكتوراه في تخصص “العقيدة والأديان السماوية” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في تصريح مماثل، تجربته المريرة مع إعاقة التوحد، وخاصة في الشق المتعلق بالاندماج داخل الوسط التعليمي بمختلف أسلاكه.

ويتذكر كريم بحسرة بالغة عدم تقبل معظم زملائه له داخل الفصل الدراسي، مصرحا في هذا السياق، “عانيت كثيرا من رفض أقراني لي وعدم تقبلهم لإعاقتي خلال جميع مراحل مساري التعليمي (…) كنت أضطر للجلوس في المقاعد الأمامية للفصل، حتى أنأى بنفسي عن مضايقات زملائي وأظفر بحماية الأساتذة لي، وحتى أتفاعل مع الدروس بشكل أفضل ويكون استيعابي لها أكثر سلاسة”.

ويثني كريم ووالده السيد محمد بنعبد السلام كثيرا على المجهودات التي بذلتها وما فتئت تبذلها الأطر التعليمية التي صاحبت المسار الأكاديمي لهذا الشاب المغربي الطموح، والذي تكلل كده واجتهاده بالحصول على شهادة الباكلوريا في شعبة “الآداب العصرية”، سنة 2008، ثم دبلوم الإجازة في “أصول الدين” ودبلوم الماستر في “الدراسات الإسلامية العليا” بدار الحديث الحسنية بالرباط، وهو يعكف حاليا – بكل استماتة – على تحضير رسالة الدكتوراه، التي اختار لها موضوع “دعوة نبي الله عيسى عليه السلام في الكتب السماوية المقدسة: القرآن الكريم والإنجيل نموذجا”.

وفضلا عن مساره الأكاديمي اللامع والمتفرد، يمارس كريم بنعبد السلام، الذي يعمل حاليا بخزانة دار الحديث الحسنية بالرباط، عدة هوايات وأنشطة إبداعية، يتصدرها نظم الشعر وتحديدا القصيدة العمودية الكلاسيكية، زيادة على الموسيقى التي يدرس فنونها بالمعهد الموسيقي بالرباط، وكذا المطالعة خارج إطار البحث العلمي والأكاديمي.

وبالعودة إلى الصعوبات والتحديات التي يواجهها الآباء في التعامل مع تداعيات إصابة أطفالهم بإعاقة التوحد، والتي يصفها والد كريم ب”العصيبة”، يدعو السيد محمد بنعبد السلام هؤلاء الآباء إلى “التحلي بالصبر وطول النفس وعدم فقدان الأمل كيفما كانت حدة هذه الصعوبات، وذلك بغية تقديم الدعم والمساندة اللازمين لفلذات أكبادهم، التي شاءت الأقدار أن تلم بهم إعاقة التوحد في السنوات الأولى من حياتهم”.

ويبقى كريم بنعبد السلام نموذجا يحتدى لشاب فاق طموحه كل التوقعات وضرب عرض الحائط كل العوائق والتحديات، ليصل رغم إعاقته في العلم إلى أسمى المراتب والدرجات، ويحقق عظيم وكبير المنجزات.