“وَكر الجواسيس”.. تفاصيل الصراع الاستخباراتي الذي “أفاض كأس” العلاقات المغربية الألمانية

في الوقت الذي مازال بلاغ وزارة الخارجية المغربية “المُسرب” والغير منشور في أي وسيلة إعلام رسمية، حول قطع المؤسسات الحكومية، لجميع أنواع التواصل مع السفارة الألمانية في الرباط، يثير الكثير من الجدل السياسي في المغرب وألمانيا، بحكم غموض “مُسبباته”، ورفض وزارة الخارجية المغربية أي توضيح في الأمر، و”استغراب” وزارة الخارجية الألمانية لِمضمونه، حصل موقع “الصحيفة” على العديد من المعطيات التي تشير إلى أنّ “خروج” العلاقة المغربية الألمانية، عن سكة “الهدوء” إلى “الضجيج الإعلامي”، مرده العديد من الأسباب الظاهرة، والكثير من المسببات التي تُلعب في كواليس العلاقات بين الدول.

في هذا السياق، جمّعنا في موقع “الصحيفة” من مصادر مغربية وأخرى غربية الكثير من المعطيات التي بيّنت أن تنافس كبير حصل، خلال الشهور الماضية، بين المغرب وألمانيا حول المجال الاستخباراتي في أوروبا ووصل مداه إلى المغرب أفضى إلى الكثير من “حوادث السير” الغير مرغوبة من الطرف الألماني، وكذا من الجانب المغربي.

المغرب الذي أسس لشبكة استخباراتية مهمة جدا في أوروبا على مدى العقد الأخير، وعزز حضوره الاستخباراتي في فرنسا، إسبانيا، هولندا، بلجيكا.. بدأ يشتغل منذ مدة ليست بالقصيرة على العديد من الدول في شرق أوروبا، لتعزيز حضوره، كما وضع أسس تواجده في ألمانيا، بعد أن ساهم بالمعلومات التي قدمها سنة 2018 لجهاز دائرة الاستخبارات الألمانية الخارجية (BND) حول خلية كانت تعد عملية إرهابية كبيرة في مدينة شتوتغارب.

وشاركت الاستخبارات المغربية، حينها، بعناصرها، في تحقيقات حول تخطيط 4 متطرفين لتنفيذ عمليات إرهابية في شتوتغارت، وذلك بعد أن فتحت النيابة العامة، حينها، تحقيقا في هذه القضية استنادا إلى معطيات وفرتها سلطات الرباط انطلاقا من معطيات حصلت عليها من خلال تتبع محادثات جرت بين شخص سوري وشابة مغربية، وفق ما أورده موقع صحيفة “شبيغل” الألمانية.

هذا التعاوان الاستخباراتي المغربي الألماني، جاء بعد “الفشل الذريع” للمخابرات الألمانية في تلقي معطيات من الاستخبارات المغربية سنة 2016، بوجود احتمال لتنفيذ هجمات من طرف 3 أشخاص يدينون بالولاء لتنظيم “داعش”، اثنان منهما يحملان الجنسية المغربية والثالث تونسي، والذي لن يكون إلا أنيس عمري، الذي نفذ يوم 19 دجنبر 2016 عملية دهس بواسطة شاحنة داخل سوق لاحتفالات رأس السنة في برلين ما أدى إلى قتل 12 شخصا، وهو ما كان من الممكن تفاديه لو لم تفضل المخابرات الداخلية الألمانية التثبت من المعلومات المغربية عبر وكالة الاستخبارات الأمريكية والتي لم ترد إلا بعد وقوع المأساة.

بنك المعلومات الذي تتوفره عليها المخابرات المغربية من خلال المكتب المركزي للأبحاث القضائية “DGST” التابع للإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني، التي يرأسها عبد اللطيف الحموشي، الذي يدير أيضا المديرية العامة للأمن الوطني، تعتبر بمثابة “كنز حماية” للعديد من الدول الأوروبية، خصوصا، لتفكيك “الخلايا النائمة” أو “الذئاب المنفردة” المتوغلة في المجتمعات الأوروبية، وهو برعت فيه، أيضا، الاستخبارات الخارجية المغربية المعروفة اختصارا بـ “La DGED” التي يرأسها ياسين المنصوري، والتي أنشأت العديد من مصادر تجميع المعطيات الاستخباراتية من خلال تجنيد العديد من العناصر في أوروبا، وتكوين شبكة مهمة لمصادر المعلومات تستند عليها العديد من الاستخبارات الأوروبية لتغطية بعض “الثقوب” في معطياتها عن الخلايا الإرهابية.

هذه الأهمية التي اكتستها الاستخبارات المغربية، وَتَمدد وجودها حتى في ألمانيا، كما في العديد من دول شرق أوروبا التي تعتبر أرضية خصبة للجريمة المنظمة العابرة للقارات، وسوق سوداء كبيرة للسلاح، وتبيض الأموال.. “ضايق” حسب المعطيات التي حصل عليها موقع “الصحيفة” كثيرا الاستخبارات الألمانية (BND) بحكم أن دول شرق أوروبا معروفة تاريخيا بـ”الملعب الخلفي” للاستخبارات الألمانية منذ سقوط جدار برلين سنة 1991، وكذا، هي ملعب كبير للاستخبارات الروسية، التي تغذي انطلاقا من هذه الدول العديد من المنظمات التي تشتغل في المنطقة السوداء دوليا.

هذا التنافس، الذي دخلته الاستخبارات المغربية، تقول مصادر “الصحيفة”، لحماية المملكة من الجريمة العابرة للقارات ولتقوية حضور المغرب في العديد من الدول التي تعتبر عمقا حيويا للأمن الدولي المرتبط أيضا بخيوط تربط هذه المنظمات بأخرى متواجدة داخل المملكة، جعل “خطوط التماس” تحتك مباشرة مع الاستخبارات الألمانية في بعض الملفات.

هذا الحضور الاستخباراتي المغربي – تضيف مصادر الصحيفة – تستفيد منه العديد من الدول الأوروبية، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال بنك المعلومات التي يتم تجميعها، وتصبح متاحة في إطار التعاون الأمني دوليا، لهذا – تضيف نفس المصادر- استغربت المملكة كيف أن الاستخبارات الألمانية أبدت انزعاجها من هذا الأمر وبدأت في “احتكاك مباشر” مع الاستخبارات المغربية.

في هذا السياق، أشارت معطيات متطابة أن الاستخبارات المغربية، تمددت في أوروبا الشرقية كذراع أمني يشتغل حتى على المصالح العليا للمملكة، كما هو حال قضية الوحدة الترابية للمغرب، من خلال دعم توجه العديد من الدول في أوروبا الشرقية للاعتراف بمغربية الصحراء من خلال نسج علاقات مصالح استخباراتية ودعم التعاون الأمني الذي يكون أرضية تُسّهل خلق تعاون سياسي رفيع بين الدول، وهي الاستراتيجية التي تعمل عليها الاستخبارات المغربية، لبناء أرضية تشتغل عليها الديبلوماسية المغربية لاستكمال هذا التوجه الذي يفترض أن يفتح شرخا كبيرا في أوروبا التي عليها أن تخرج من منطقة “الراحة السلبية” في علاقتها مع المغرب، كما وصفها وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة.

مع كل هذا “السوء فهم” بين الطرفين، جاء تقرير مجموعة العمل المالي (FATF)، التي وضعت المغرب ضمن القائمة الرمادية التي يجب زيادة مراقبتها في “مكافحة غسل الأموال”، بحكم أنه “يَفي جزئيا فقط بالقواعد الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال”، حسب ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال الأمريكية”.

المنظمة التي تُمَوِّل ألمانيا قرابة 60 في المائة من ميزانيتها، وتلعب دورا مهما في الضغط على العديد من دول العالم من خلال تقاريرها الدورية، أكدت المعطيات التي جمعها موقع “الصحيفة” أن هذه المنظمة التي يرأسها ماركوس بليير استهدفت المملكة بوضعها في المنطقة الرمادية، وفق تقرير أعدتها الاستخبارات الاقتصادية التابعة لجهاز المخابرات الخارجية الألماني، وجزء كبير من هذه المعطيات التي استندت عليها المنظمة، كان مصدره سفارة ألمانيا في الرباط.

هذا الاحتكاك في المصالح بين المغرب وألمانيا، والذي اعتبرته المملكة “غير مُبرر” دفع الرباط إلى التعبير عن “عدم رضاها” عن تحركات برلين ضد مصالح المغرب “بدون مبرر مقنع”، وهو ما جعل المغرب يَفتح أكثر من تواصل بخصوص هذا “الاحتكاك” طيلة الشهور الماضية، غير أن ألمانيا لم تتجاوب بـ”الشكل المطلوب”، حسب معطيات متطابقة جمعناها قبل إعداد هذا التحقيق.

وسط كل هذه المنطقة الضبابية التي أصبحت عليها العلاقة المغربية الألمانية، اضطرت الرباط إلى الخروج والتعبير عن احتجاجها علنا، بعدما لم تنجح القنوات الخلفية مع الألمان.

وهكذا، قامت وزارة الخارجية المغربية، بتسريب “وثيقة رسمية” لها مُوجّهة إلى رئيس الحكومة المغربي من أجل قطع أي تعاون بين مؤسسات الدولة والسفارة الألمانية في الرباط، كتعبير عن عدم رضاها عن منطق “الأستاذ والتلميذ” الذي سبق أن أشار إليه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، في حوار خص به وكالة أوروبا، حينما أكد أنه يتعين على أوروبا، في علاقتها مع الجوار الجنوبي للحوض المتوسطي، الخروج من منطق “الأستاذ والتلميذ”.

هذه الخطوة المغربية، وضعت برلين أمام أمر واقع، وهو إعادة تحديد الخطوط الحمراء في علاقتها مع الرباط، وإن كانت مستعدة للتعاون وفق منطق رابح/رابح أم أن المنطق الذي لعبته ألمانيا داخل لجان الاتحاد الأوربي علنا، والذي لم يكن وديا دائما اتجاه الرباط، خصوصا في قضية الصحراء، واتفاقية الصيد البحري والاتفاق الفلاحي، ستكرره في المجال الأمني، من خلال “معاكسة” المغرب في نسج علاقات تخدم مصالحه أمنيا واستراتيجيا؟

كلها أسئلة من بين أخرى تشير المصادر التي استقى موقع “الصحيفة” معطياته منها إلى أن المغرب يضغط علنا على ألمانيا، كما على إسبانيا، ويتوقع الأفضل مع فرنسا في قضية الصحراء، لأنها قضيته الأولى، ويستند في ذلك على الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وهو الاعتراف الذي جعل المملكة تنتقل إلى مرحلة ربط المصالح لتحديد علاقاتها مع الدول الأوروبية تحديدا، وجعل هذه الدول تخرج من المنطقة الضبابية التي ظلت من خلالها تستنزف المغرب ديبلوماسيا وماليا واقتصاديا دون حل لمشكل بالصحراء، أو مساندة فعلية للوحدة الترابية للمملكة.

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol