من دبلوماسية الانفعال.. إلى دبلوماسية الإنزال الجماهيري!

بقلم  محمد الشرقاوي أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة سابقا.

هل ضاعت بوصلةُ الحكمة والحسابات الدقيقة في نسق الدبلوماسية المغربية، أم أن مزاج التشنج والارتجال السياسي أصبح لسان حال الرباط في التعامل مع دول الجوار الأوروبي. فلم تنفرج بعدُ أزمة القطيعة مع السفارة الألمانية ودراما الأوامر التي وجهها وزير الخارجية إلى رئيس الحكومة بمنع التواصل معها ومع خمس مؤسسات ألمانية تعمل في المغرب واستدعاء السفيرة المغربية من برلين حتى بدأ السيرك الجديد واستخدام آلاف المغاربة بمثابة كومبارس العرض غير الدبلوماسي في مسرحية “ليلة الانتقام من مدريد”.

هي مفارقةٌ مدوية في زمن الأقزام عندما أصبح البعض يقحم في دبلوماسية المغرب ألاعيب “حابا”، و”غميّضة”، و”كاش كاش”، و”دينفري” في محاولة تحدّيه لعواصم أوروبية معينة. وقد صحت قارات العالم هذا الصباح على مشاهد إنزال 7000 من المغاربة من الفئات غير الميسورة، من بينهم 1500 من الأطفال، على ساحل سبتة. ويستغرب الأمريكيون والأوروبيون والأسيويون وغيرهم من الغاية من هذه الموجة المفتعلة للهجرة غير النظامية، ومدى اتساق ذلك المشهد مع القواعد المتعارف عليه في إدارة الخلافات بين الدول. وكم من أزمة تم تفاديها بشكل استباقي أو الخروج منها من خلال النَفَس الدبلوماسي الملتزم بإيجاد حلول ولو عبر خطوط هاتفية ساخنة إذا تعذرت اللقاءات وجها لوجه.

قد يقول بعض التبريريين إن رئيس تركيا أردوغان لعب ورقة هجرة السوريين إزاء دول الاتحاد الأوروبي وحصل على بضعة مليارات دولار مقابل منعهم من العبور إلى أراضيها، وبالتالي يجوز الاقتباس منه. لكن أردوغان لم يرسل أتراكا من بني جلدته، ولم يستهتر بمستقبل ألف وخمسمائة من أبناء وأحفاد مواطنيه في مساومة رخيصة أخلاقيا وإنسانيا وسياسيا، ناهيك عن أنّ المغرب لم تتدفق إليه ثلاثة ملايين من اللاجئين السوريين. ولا أميز بين قيمة الأتراك والسوريين والمغاربة خاصة عندما يتحملون تكاليف خلافات أو أزمات سياسية ليس لديهم يد فيها من الأساس.

هناك حد فاصل بين الضغط السياسي والإسفاف اللانساني. وضخُّ 7000 من الراغبين في الهجرة وأيضا ممن هجّرتهم الدولة إلى سبتة للضغط بشبح الهجرة غير النظامية لن يحرج مدريد أو الاتحاد الأوروبي في بروكسيل، بقدر ما يستعرض فشل حكومة الرباط في احتواء أزمة الاحتباس المعيشي ومعدلات البطالة المرتفعة بين سكان الفنيدق وبقية المناطق المتضررة من إغلاق باب سبتة وإيقاف الحركة التجارية في حقبة كورونا. هو افتعال أزمة خارجية مع جيران الشمال للتمويه عن أزمة داخلية متدهورة وتعثر ما كان ينبغي أن يكون التقرير الجديد للجنة النموذج التنموي وتأجل صدوره لقرابة العام. فماذا وضعت الرباط وعمالة الفنيدق من خطط استباقية للحد من معاناة السكان المحليين مع شظف العيش وانسداد الآفاق.

هي بدعة سياسية مغربية: طاحت الصمعة، نعلّقو الحجام”. ويجوز بها القفز إلى الأمام وتصدير المسؤولية من فشل التنمية إلى تفعيل الهجرة. وأسوء ما في مشاهد الإنزال البشري على ساحل سبتة هو توظيف 1500 من الأطفال الأبرياء من جيل كان من المفترض أن تحرص الدولة على ضمان وصولهم إلى فصول الدراسة ومراكز صقل مواهبهم وتعزيز مهاراتهم، وإلهامهم بمستقبل مغربي وقناعات مغربية، بدلا من تسخيرهم بضاعة سياسية للانتقام من حكومة مدريد. ولن تجد منصات إعلام التضليل والتبرير سبيلا إلى تطبيع آخر مع المهاترة بمصير هذه الحشود من أطفال تائهين أمام ما يحدث. ولا ينبغي التغطية أو التواري عن حقيقة أن نقل هؤلاء الأبرياء إلى ساحل سبتة كان لأي اعتبارات واهية. ولا يمكن وصفها إلا بأنها غير إنسانية على الإطلاق للرد الانتقامي على قبول مدريد دخول ابراهيم غالي زعيم جبهة البوليساريو أراضيها لـ”اعتبارات إنسانية”، كما بررت ذلك الحكومة الإسبانية. كان من المفترض أن يكون مستقبل هذا الحشد من أطفال المغرب خطا أحمر على أهل الأمر في الرباط وأهل التنفيذ في ولاية طنجة التي شهدت اجتماعات طارئة صاخبة يوم الإثنين.

قررت حكومة مدريد تعزيز عدد جنودها في سبتة. وعندما تباشر السلطات الإسبانية عملية إعادة ترحيل جلّ المهاجرين والمهجّرين أو عدد منهم إلى المغرب، كيف سيمكن لهؤلاء القاصرين إعادة تأهيل نفسياتهم وأذهانهم ونسيان أحلامهم الملتهبة في صدورهم، بعد أن وطأت أقدامهم “أرض إسبانيا”، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق “الحلم الأوروبي”. هم عينة من جيل حالم حتى النخاع يعيش الغربة في الداخل ويستميت من أجل تحقيق ذاته في الخارج. هم جيل يؤمن أن “هناك” أفضل من “هنا”، ويعيش ويفكر ويحلل ويخطط بمنطق واحد “نمشي ندبّر… نموڤي على راسي تمّى في الخرييج..!” وقبل أشهر قليلة، ظهر عدد من القاصرين والشباب المغاربة بعد تسللهم إلى سبتة في تسجيل مصور يناشدون الملك محمدالسادس عدم السعي لعودتهم إلى المغرب، وهم يعلنون أنهم “تركوا الجمل بما حمل”. ولا غرابة أن يتماهى أطفال الإنزال في سبتة اليوم وشباب التسلل بالأمس في الهتاف الحماسي منذ اللحظة الأولى Viva España!

قد يسهل احتواء التهوّر بقرارات انفعالية في الداخل. لكن المجازفة بإجراءات جامحة في السياسة الخارجية ليست مغامرة هينة. وكما يقول تود هول في كتابه “دبلوماسية العواطف: العاطفة الرسمية على الساحة الدولية» Emotional Diplomacy: Official Emotion on the International Stage فإن المغرب أصبح يستخدم لغة العواطف، “ومنطقه الذى لا منطق له، لكى يفتح مجالات جديدة غير متعارف عليها، ولا يمكن التنبؤ بمسارها، استجابة للمتغيرات التى لا يمكن توقعها فى عالم اليوم.”

أصبحت دبلوماسية انفعالية إزاء إسبانيا وقبل شهرين إزاء ألمانيا تنم عن إحدى ثلاث عواطف أساسية تلعب الدول اليوم على أوتارها لتوصيل رسائل معينة للأطراف الدولية الأخرى، كما يوضح الكاتب هول. وهذه العواطف هى “الغضب، والتعاطف، والإحساس بالندم أو الذنب. كلها عواطف يمكن اعتبارها ردود فعل على مواقف سلبية تواجهها دولة ما مثل تعرضها لانتهاك مصالحها أو قيمها، أو رؤيتها لمعاناة شعب دولة أخرى، أو أن تتسبب هى نفسها فى إيذاء مصالح وقيم الآخرين بشكل قد يتسبب فى نشوب الصراعات والحروب.”

كما كتبت عقب الأزمة مع السفارة الألمانية في الرباط، لماذا تمعن الرباط في موقف تصعيدي، بدلا من اتباع دبلوماسية جدلية وتفاعلية تسعى لتقريب المواقف بدلا من تصلّبها مع برلين وغيرها، هكذا هي طبيعة الأزمات والصراعات: تبدأ بخلاف محدود ثم تتحوّل إلى ما يعتبره منظر الصراعات الممتدة إدوارد عازار بمفهوم Genesis of conflict أو نشأة الصراع.

يسارع رئيس وزراء ووزير داخلية اسبانيا بالسفر إلى سبتة ومليلة لمعاينة الموقف واتخاذ إجراءات إضافية لحماية الحدود. وتكمن المفارقة أن هذه الحدود التي تقع جغرافيا شمالي المغرب، وليس في جنوب إسبانيا، ستتجه نحو عمليات الرصد والمراقبة وزيادة ارتفاع الجدران والأسلاك الشائكة، وكأنه مشهد المنطقة منزوعة السلاح DMZ بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. وسيزيد تصعيد الأزمة مع مدريد إلى ردود أخرى وتغير الموقف لدى حلفائها في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسيل. سيتحول باب سبتة من منطقة تجارية ومصدر عيش لعدد من سكان الفنيدق وتطوان إلى قلعة عسكرية تجسد معالم الاستعمار الاوروبي الممتد عبر المكان والزمان.

بالأمس، تم استدعاء سفيرة المغرب في برلين. واليوم، يتم استدعاء سفيرة المغرب في مدريد. فمن من سفراء/سفيرات المغرب يحضّرون حقائبهم لعطلة مفتوحة في صيف المغرب ذي الأعصاب الساخنة تأهبا للأزمة القادمة! قد يحين الدور لسفيري المغرب في بروكسيل وامستردام!

 

العربيةEnglishFrançaisDeutschEspañol