حوار ضيف الجريدة رئيس النيابة العامة عبد النباوي: واعون بصعوبة المرحلة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

   ملفات محمد أشكور منسق بريس ميديا 

رئيس النيابة العامة قال في حوار مع “الصباح” إنه يؤمن بالعمل المنظم وفق أهداف ولوحة قيادة واضحة المعالم

أجرت الحوار: كريمة مصلي –   عبد المجيد بزيوات

 

< مرت سنة على تسلمكم مفاتيح النيابة العامة، هل تمكنتم بالفعل من ترجمة ذلك الاستقلال على أرض الواقع؟
< بالفعل سيظل تاريخ 07 أكتوبر 2017 علامة فارقة في تاريخ القضاء المغربي، بصفة عامة وقضاء النيابة العامة بصفة خاصة، لأنه يؤرخ لبداية الاستقلال الفعلي للنيابة العامة عن وزارة العدل، فمنذ هذا التاريخ لم يعد وزير العدل يرأس النيابة العامة، ولم تعد له أية سلطة رئاسية على أعضائها بمختلف درجاتهم وأصبح قضاة النيابة العامة تابعين في مزاولة مهامهم لسلطة وإشراف الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة وفق ما هو مفصل في القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل صلاحيات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك بمحكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة.

وببلوغنا 07 أكتوبر 2018 تكون قد مرت سنة كاملة على ممارستنا للصلاحيات التي منحها لنا دستور المملكة، وكذا القوانين ذات الصلة بمهامنا وخاصة القوانين التنظيمية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي لرجال القضاء وكذا القانون رقم 33.17 المشار إليه أعلاه، وهو الأمر الذي يجعل سؤالكم على درجة كبيرة من الأهمية، لأن العمل الميداني هو الذي يعكس مدى ترجمة المقتضيات القانونية على أرض الواقع، وأعتقد أنه بعد مرور هذه السنة من عمل رئاسة النيابة العامة اتضح للجميع أن استقلال النيابة العامة فيه مصلحة للمواطن بالدرجة الأولى، وليس امتيازاً خاصاً لقضاة النيابة العامة. لأن هذا الاستقلال جعل قرارات النيابة العامة مصبوغة بلون واحد هو لون القانون، بعيداً عن أي تأثير كيفما كان نوعه.

< إذن أين يكمن ذلك الاستقلال على أرض الواقع؟
< إن تجربة المغرب، وخياره في مجال استقلال النيابة العامة هو خيار فريد ومتطور وذو أبعاد وأهداف متعددة، لكنه يروم في نهاية المطاف تجويد الخدمة المقدمة للمواطن، وجعله يحظى بكافة الضمانات أمام قضاء النيابة العامة، والحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات ومقدسات البلاد ومكافحة الجريمة حتى تنتصر العدالة، واعتبرت أننا سنكون سلاحا في يد الوطن ضد خصومه، وسلاحاً في يد المواطنين للذود عن حقوقهم ومواجهة الجريمة والمجرمين.

إن تكريس استقلال النيابة العامة على أرض الواقع اقتضى منا في البداية، طمأنة الرأي العام والانفتاح عليه، ومحاولة دحض بعض الآراء التي أثارت مخاوف هذا الاستقلال، كما اقتضى منا الإعلان عن التزامنا المطلق بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وهو الأمر الذي دفعنا إلى إنجاز تقرير رئاسة النيابة العامة لسنة 2017، رغم أننا لم نتسلم السلطة فعليا إلا بتاريخ 07 أكتوبر 2017، وذلك إيمانا منا بضرورة الالتزام بالمقتضيات الدستورية والقانونية، وتكريساً لثقافة المساءلة عن المسؤولية.
وأعتقد أنه بعد مضي سنة من العمل الشاق المضني، وبإمكانيات محدودة نسبياً، استطعنا أن نضع قطار النيابة العامة على سكته الطبيعية ونأمل في قادم الأيام أن نزيد من سرعته بشكل تدريجي، خدمة للوطن والمواطنين.

< وضعتم مباشرة بعد حفل التنصيب خارطة طريق لعملكم، إلى أي حد استطعتم بلورتها عمليا؟
< بطبيعة الحال منذ أول يوم تسلمت فيه صلاحيات رئاسة النيابة العامة، شرعت في مزاولة الاختصاصات التي أناطها بي جلالة الملك نصره الله وأيده في ظهير التعيين، وكذا تفعيل الصلاحيات التي منحتها لي القوانين ذات الصلة بعمل قضاء النيابة العامة، ودعيني أقول لك إني اشتغلت في مجال السياسة الجنائية لسنوات عديدة، وخبرتها من مواقع مختلفة منذ 1978 سواء باعتباري قاضيا أو مسؤولا قضائيا بعدة محاكم بالمملكة ومن موقعي مديرا لإدارة السجون بوزارة العدل ثم مديرا للشؤون الجنائية والعفو ومستشارا بديوان وزير العدل، والأكيد أن السياسة الجنائية بالمغرب باعتبارها التدابير التي تواجه بها الدولة الجريمة تتضمن عدة نقاط إيجابية، إلا أنه تعتريها أيضا نقاط ضعف لابد من الإقرار بها والعمل على معالجتها، وعلاقة بسؤالكم، فإني أؤمن بالعمل المنظم وفق أهداف محددة، ولوحة قيادة واضحة المعالم، تشكل محاورها مشروعاً متكامل الجوانب وواضح الرؤية.

هذه أولوياتنا

نظرا لتشعب محاور تنفيذ السياسة الجنائية فقد حرصت في المنشور رقم 1 الموجه للوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك، على بيان الأولويات التي يتعين إيلاؤها عناية أكبر ويتعلق الأمر بـحماية الحقوق والحريات، وحماية أمن المجتمع من الجريمة، وتخليق الحياة العامة وحماية المال العام، وحماية الأمن والنظام العام، وترشيد الاعتقال الاحتياطي، وتحقيق الأمن العقاري، وتعزيز التعاون القضائي الدولي.
وكل محور يتضمن مجموعة من التفاصيل الدقيقة، كالأمور المتعلقة بالاعتقال الاحتياطي وتفعيل بدائل الاعتقال، والحرص على حسن استقبال المشتكين والتواصل معهم بشكل فعال والمساهمة في عدالة جنائية واضحة وفعالة.

إضافة إلى ذلك، تم عقد لقاءات واجتماعات مع المسؤولين القضائيين بمختلف النيابات العامة، ووجهت لهم دوريات ومناشير في مواضيع مختلفة لا يسع المجال لذكرها في هذا الحوار. لكنها في المجمل تعكس مجالات اهتمامنا وتحاول معالجة بعض النواقص التي تعتري عمل النيابة العامة في أفق تجويدها والوصول بها إلى المكانة التي تليق بها.
وعلى العموم، فإن تقرير رئاسة النيابة العامة حول تنفيذ السياسة الجنائية وأداء النيابة العامة لسنة 2018 ، سيكون المرآة التي تعكس خطة عملنا والإنجازات التي تحققت والمشاريع التي ما زالت قيد الدراسة.

وتبقى الإشارة إلى مسألة على قدر كبير من الأهمية وهي أن مسؤولية تنفيذ السياسة الجنائية التي تقع على عاتقنا، لا يمكن أن تبلغ مداها وتحقق النتائج المرجوة منها دون تضافر جهود كل الفاعلين في حقل العدالة.

نتقبل كل الانتقادات

< يرى البعض أن هناك ملفات كبرى لم تستطع رئاسة النيابة العامة تحريكها؟
< أعتقد بداية أنه ينبغي على الجميع أن يستوعب أن دستور 2011 عندما خاطب قضاة النيابة من خلال المادة “110” منه فإنه ألزمهم بتطبيق القانون، والالتزام بالتعليمات الكتابية والقانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها، والتي حددت في الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، بعد ذلك جاء القانون رقم 33.17 ليحدد أهم الاختصاصات الموكولة لرئيس النيابة العامة وسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة، ومن ثم فإن هذه الأخيرة مسيجة في أداء مهامها بالحرص على تطبيق القانون بخصوص جميع الملفات المعروضة أمام قضاة النيابة العامة، ولا مصلحة تحول بينها وبين القيام بذلك.

ولعل هذه الانتقادات كانت تنطوي على نوع من الوجاهة لما كان وزير العدل يرأس النيابة العامة، وبطبيعة الحال فإن الانتماء الحزبي واللون السياسي كان يثير بعض ردود الأفعال بخصوص بعض الملفات لوجود مصالح متعارضة.

أما في ظل الوضع الحالي فإن رئيس النيابة العامة هو قاض، متجرد عن أي انتماء حزبي أو سياسي أو نقابي، همه الوحيد هو الحرص على التطبيق السليم للقانون في جميع الملفات، وهاجسه الأساسي هو ترجمة تعليمات جلالة الملك نصره الله، الموجهة له في ظهير تعيينه وهي الدفاع عن الحق العام والعمل على صيانته والتمسك بضوابط سيادة القانون وسيادة العدل والإنصاف، وصيانة حقوق وحريات المواطنين والمواطنات في إطار من التلازم بين الحقوق والواجبات.

إننا واعون بأهمية وصعوبة ودقة المرحلة، ونتقبل بصدر رحب كل الانتقادات والملاحظات التي من شأنها إغناء المسار الذي اختارته بلادنا، لكنه لن يثنينا عن مواصلة السير في اتجاه التنزيل القانوني السليم للسياسة الجنائية على أرض الواقع باعتبارنا الجهة المسؤولة عن تنفيذها.

نحتكم للقانون

سنظل نحتكم في معالجتنا للملفات المعروضة علينا للقانون، الذي يعتبر أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وبطبيعة الحال تظل جميع قرارات النيابة العامة خاضعة للمراقبة القضائية، كما يبقى قضاة النيابة العامة خاضعين في مسارهم المهني للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتباره المؤسسة الدستورية الساهرة على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة سيما في ما يخص استقلاليتهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم.

الخط المباشر أطاح بـ50 حالة

راهن محمد عبد النباوي، رئيس النيابة العامة، في إطار استراتيجية محاربة الرشوة وتشجيع المواطنين على التبليغ على الفساد، على إحداث رقم مباشر، يمكن المواطنين ضحايا الابتزاز من الاتصال به وتقديم شكايتهم في الموضوع، مع الضمانات الممنوحة لهم بشأن المسطرة التي تطبعها السرية والتستر صونا لهويتهم.

وبناء على المعطيات التي يتوصل بها الرقم المباشر والتأكد من جديتها تنطلق مهمة الإطاحة بالمرتشي وإلقاء القبض عليه متلبسا.
مكن الخط المباشر على امتداد الخمسة أشهر الماضية منذ إحداثه من تحقيق رقم مهم في الإطاحة بالمرتشين وإحالتهم على المحاكمة، إذ لم يكن يتوقع أن يكون ذلك التجاوب بتلك الأهمية فغالبا أن مثل تلك الأرقام التي يتم رصدها لا تتصيد إلا النزر القليل على امتداد سنوات وليس أشهرا كما هو حال الرقم المباشر للنيابة العامة، الذي استشعر معه المواطن الرغبة الحقيقية في محاربة الرشوة، من قبل القضاء الواقف الذي يعد حاميا للحقوق وممثلا للمواطن. وحسب المعطيات المصرح بها فإن عدد قضايا الخط المباشر للتبليغ عن الفساد والرشوة بلغ 50 قضية، فيها ما صدر الحكم بشأنه إما بالإدانة أو البراءة وهناك قضايا مازالت في طور البحث. يعمد المكلفون بتلقي المكالمات من خلال المعلومات التي يتوصلون بها إلى فتح أبحاث والتأكد من صحتها، قبل إحالتها على الجهات المختصة.

أول قضية توصل بها الرقم المباشر بعد ساعات من انطلاقه خصت وسيطا في انزكان قبض عليه متلبسا بتلقي 1500 درهم وتوبع بالنصب ليصدر حكم الإدانة في شأنه. وتوالت بعدها القضايا، لم يكن مهما مبلغ الرشوة المقدمة إذ في حالات لم تتعد 50 درهما، بقدر ما كان يهم التشجيع على التبليغ عن حالات الابتزاز التي يتعرض لها المواطنون، وأن الإطاحة بتلك الحالات من شأنها تحقيق الردع العام. وهو ما يتوخى الحصول عليه، فجريمة الرشوة لا تتحقق بالمبالغ المالية، ولكن بالفعل المرتكب. وهو ما أكده محمد عبد النباوي رئيس النيابة العامة، بشأن الغاية من إحداث رقم أخضر للتبليغ عن الفساد والرشوة، أو الابتزاز الذي يتعرض له المواطنون في الإدارات العمومية أو في مرافق الدولة، وهي الردع وحث المواطنين على التبليغ، مشيرا إلى أن هذا الخط الهاتفي يندرج ضمن وضع الكمائن اللازمة لضبط حالات التلبس بجرائم الابتزاز والرشوة، وسيمكن من اعتقال أي موظف يثبت تلبسه، وتقديمه للقضاء، وهو ما سيحقق الردع، ويشجع المواطنين على محاربة الفساد.

في سطور

– رئيس النيابة العامة
– الوكيل العام لمحكمة النقض
– مدير الشؤون الجنائية والعفو – وزارة العدل مارس 2007 – أبريل 2017
– مدير إدارة السجون وإعادة الإدماج – وزارة العدل يونيو 2005 – مارس 2007
– مستشار وزير العدل يناير 2004 – يونيو 2005
– وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء – أنفا أبريل 2000 – يناير 2004
– رئيس قسم بمديرية الشؤون الجنائية والعفو – وزارة العدل 2000-1997
– وكيل الملك لدى المحاكم الابتدائية بالعيون، بن سليمان والمحمدية 1997-1984

حسن برهون : المصدر جريدة  ” الصباح ” .
‫0 تعليق

اترك تعليقاً