حوار ضيف الجريدة بنحمـزة : نـؤدي ثمـن التمييـع

القيادي الاستقلالي أكد أن بعض النخب الحزبية ارتضت العيش على هامش السلطة لتحقيق امتيازات

أكد عادل بنحمزة، أن الحزب اليوم لا يملك رؤية للوضع السياسي العام، وعدد كبير من مناضليه يعيش رهاب المعارضة. وأوضح بنحمزة في حوار مع “الصباح” أن ما نعيشه اليوم هو الثمن العادل الذي يجب أن نقدمه ثمنا لتمييع الحياة السياسية والحزبية والحرص على ديمقراطية الواجهة. في ما يلي نص الحوار:

< يعيش الوضع السياسي حالة من الانحباس وفقدان الثقة. ما هي مسؤولية الأحزاب في هذه الوضعية؟
< ما نعيشه نتيجة طبيعية لهدر النضالات، وتراكم التضحيات التي قدمها الشعب المغربي وقواه الحية على مدى عقود، وهو أيضا النتيجة المستحقة، بسبب عدم التعاطي الجدي مع التوافقات الكبرى التي أطرت العمل الوطني من أجل تحقيق الديمقراطية.

فإذا كنا نتحدث اليوم عن انحباس سياسي، وهو يشمل الانحباس الاجتماعي والاقتصادي بالطبع، فإنه من واجبنا أن نسائل حصيلة الدينامية السياسية والحقوقية والاجتماعية التي عرفها المغرب، منذ بداية تسعينات القرن الماضي. هنا يمكن القول بوضوح، إن ما نعيشه اليوم هو الثمن العادل الذي يجب أن نقدمه ثمنا لتمييع الحياة السياسية والحزبية والحرص على ديمقراطية الواجهة، ودستور افتراضي يتميز بغموض في مستوى تحديد المسؤوليات والسلط في الدولة، وهو ما يجعل المحاسبة مسألة صعبة التحقق وإن وجدت، فإنها تكون انتقائية وشكلية.

< ما هي مسؤولية الأحزاب في هذه الوضعية؟ 
< نحن لسنا في دولة ديمقراطية، وهذا بشهادة التقارير الدولية التي تعنى بتصنيف الأنظمة السياسية، فنحن بلد “هجين” لا هو ديمقراطي ولا هو سلطوي. هذه الوضعية تعكس بالضرورة ضعف المشاركة في صناعة القرار، وبقاء هذا الأخير لا من حيث صناعته واتخاذه في دائرة ضيقة، وهذه الدائرة بعيدة تماما عن الأحزاب، التي إذا كانت لها مسؤولية، فهي أنها تقبل استمرار العمل ضمن بنية سياسية تعلم مسبقا بأنها ترسم لها حدودا في كل ما يتعلق بإمكانية مشاركتها في صناعة القرار، وتقبل أن تكون في الواجهة فقط لتلقي التقريع والانتقاد من قبل المواطنين.

بطبيعة الحال، هناك مستوى آخر يتعلق بالجانب الأخلاقي، فكثير من النخب الحزبية ولأسباب شخصية ارتضت العيش في هامش السلطة لتحقيق امتيازات ومصالح شخصية.

< يسجل المتتبعون تراجع دور الحزب وامتد هذا التيه حتى لأذرعه النقابية والموازية. كيف ترد على هذا الاتهام؟
< هذا ليس اتهاما، إنما هو تشخيص لواقع قائم نأمل جميعا في تحوله تحولا إيجابيا، يدفع الاستقلال اليوم ثمن أخطاء ارتكبت منذ أكثر من عقد من الزمن، فتجربة مغادرة المعارضة والمشاركة في حكومة التناوب، حملت تغييرات كثيرة على تركيبته البشرية.

كما تميزت الفترة بتعطيل العقل النقدي والجانب الفكري والثقافي، وفي ظل ذلك، عرف “التيار” الانتخابي تمددا لافتا، والمشكل في هذا “التيار” أنه في جزء كبير منه يتغذى بمرجعيات تختلف جذريا عن المرجعيات المؤسسة لمشاركة الحزب في العمل السياسي.

إن مرجعيات الاستقلال الأصيلة تنظر إلى الانتخابات باعتبارها وسيلة لخدمة المشروع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويمكن العودة إلى طبيعة النخب التي كانت تمثل الحزب على المستوى الانتخابي، سواء تعلق الأمر بالبرلمان أو الجماعات الترابية، والتي كانت تمثل البرجوازية الصغرى والمتوسطة مع بعض الفلاحين الصغار والمتوسطين، لأن كثيرا من الفلاحين الكبار غادروا الحزب، بعد إصدار وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، بعد الانسحاب من الحكومة في 1963.

وكان المشروع التعادلي يعكس بصدق هذه التركيبة الاجتماعية، بمعنى أن جسد الحزب كان يطابق خطابه وروحه، لكن بعد تجربة التناوب، أضحت الانتخابات هدفا في حد ذاته، وآلية لخدمة مصالح الأشخاص على حساب الحزب، ورهانا محليا أكثر منه لبنة في مشروع وطني، وأضحت الزعامة الانتخابية المحلية مدخلا للتموقع في القيادة الحزبية وطنيا في إعمال فج لمنطق المحاصصة حسب المناطق والجهات. والنتيجة هي أننا لم نعد أمام “بروفايلات” قيادية لها رؤية وطنية، بل أمام “قيادات وطنية” نقلت رؤيتها وتكتيكاتها السياسية والانتخابية المحلية إلى المستوى الوطني، فلقاء مسؤول قيادي اليوم بوزير الداخلية لا يكون الهدف منه طرح الإشكالات الوطنية، بل فقط حجم العائد المحلي لذلك المسؤول، بما يخدم أجندته الانتخابية المحلية. وهذا الأمر لا يهم حزب الاستقلال فقط، بل جميع الأحزاب.

أما فيما يخص النقابة، فالجميع يعلم الظروف والسياق الذي فرض وضعها الحالي، ضدا على الشرعية والمشروعية، ويعرف الجميع أن قيادة النقابة الجديدة جاءت في سياق الهجمة التي تعرض لها الحزب طيلة 2017، على خلفية مواقفه السياسية في تلك المرحلة، وبالتالي، فإن هذه القيادة مدينة للجهة التي وضعتها، بمعنى لا يمكن انتظار أي شيء منها، ففاقد الشيء لا يعطيه.

< اختار الحزب موقع المعارضة، لكن المتتبع يلاحظ ضعف الخطاب الاستقلالي وتراجع دوره في المشهد السياسي. كيف تنظر إلى هذا التحول؟
< الجواب السابق يوضح السبب، السؤال هو معارضة من؟ هل معارضة الحكومة؟ أم معارضة رئيسها وحزب العدالة والتنمية؟
مع الأسف، “قيادة” الحزب التي يعلم الجميع الظروف والسياق الذي أفرزها في أكتوبر 2017 منخرطة في أجندة 2021، وتعتقد “القيادة” بصورة قدرية أنها يمكن أن تكون عجلة احتياط في سياق ما…ويتم تغذية هذا الشعور الواهم على نطاق واسع داخل الحزب، ما يعمق صورا من الانتهازية والانتظارية التي أصبحت قاعدة عند كثيرين.

ويكفي التذكير هنا بأنه خلال المؤتمر الوطني الأخير، تم الترويج إلى أن التأخير الذي كان يعرفه ترميم حكومة العثماني يتم بقصد تمكين حزب الاستقلال من المشاركة في الحكومة، مكان التقدم والاشتراكية، فقط يجب التخلص من أسماء بعينها داخل الحزب، والأمور ستسير بشكل سلس. الواقع اليوم يشهد بأن ذلك كان فقط وسيلة للتحكم في سير المؤتمر الوطني ومخرجاته، بل إن “القيادة” الجديدة انتظرت طويلا المناداة عليها لدخول الحكومة، قبل أن تقرر “المعارضة الوطنية الاستقلالية”، وهو توصيف جيء به من المرحلة السابقة، بل ويا للصدف الماكرة، كان بالأمس موضع انتقاد ممن يقود الحزب اليوم.

حالة التيه هذه بالإضافة إلى التركيبة الهجينة “للقيادة”، وبالنظر للفراغ الفكري القاتل الذي يعيشه الحزب، يفسران الوضع الذي يوجد عليه الحزب اليوم، وتراجعه المستمر في المشهد السياسي الوطني، وهو مرشح للمزيد من التراجع، إذا ظل الأمر على ما هو عليه.

تيارات

< عاش الحزب منذ المؤتمر الأخير صراعا بين تيارين. ما هي خلفيات هذا الاصطفاف وطبيعة التيارين؟
< هناك “تيار” انتخابي تقوده نوعية من الأعيان تعيش انفصاما هوياتيا وفكريا ونفسيا مع هوية وتاريخ حزب الاستقلال. وللمفارقة، فإنها توجد في قيادته بحجم أكبر منها بكثير، وبين تيار يمثل هوية الحزب الحقيقية يوجد جزء منه في وضعية أقلية داخل قيادة الحزب والأغلبية منه توجد في وضعية صامتة غاضبة، لكنها فضلت منذ المؤتمر، ألا تزيد تعميق جراح الحزب في انتظار إنضاج الشروط الموضوعية لإنتاج دينامية داخلية لتصحيح الوضع القائم.

أما بخصوص ولد الرشيد، فهو منسجم مع نفسه ويستغل الوضع المترهل الذي يوجد عليه الحزب لتوسيع قاعدته وهذا وضع طبيعي، عندما يتخلى أبناء الحزب عن مسؤولياتهم وواجبهم الأخلاقي، لهذا أنا لا ألوم حمدي، بل ألوم الانهزامية والانتظارية القاتلة لمن يفترض أنهم يمثلون الامتداد العقائدي للفكرة الاستقلالية.

حزب فدرالي

< أثار انتخاب اللجنة المركزية جدلا كبيرا. البعض يرى في اعتماد الجهوية تهديدا لوحدة الحزب. ما هي خلفيات الصراع الجديد في علاقتها بالرهانات المستقبلية؟
< انتخاب اللجنة المركزية شهد خرقا فاضحا للقانون الأساسي، الذي ينص على الانتخاب الوطني للجنة المركزية، التي من المفترض أنها تمثل نخبة الحزب، التي تقدم الاستشارة لقيادة الحزب في عدد من القضايا التي لا يتسع لها المجال في المجلس الوطني، بالنظر إلى عدد أعضائه الذي يبلغ تقريبا 1500 عضو، ما يجعل النقاش الفكري متعذرا لضيق الوقت والعدد الكبير. وقد وزع القانون الأساسي للحزب أعضاء المجلس الوطني على مختلف الجهات والتنظيمات والهيآت الحزبية، وهو ما يجعل الجميع ممثلا في أعلى سلطة بعد المؤتمر.

أما اللجنة المركزية، فقد اختار القانون الأساسي أن تكون وطنية وهكذا كانت الممارسة لسنوات طويلة، ومن يريد تغيير هذا الأمر، عليه أن يدعو إلى مؤتمر استثنائي لتعديل القانون، علما أنه من توصيات المؤتمر السابق، عقد مؤتمر استثنائي لبحث تعديلات القانون، التي لم تتم في المؤتمر.

أما التعسف على القانون بمنطق الغلبة، وفرض الأمر الواقع، فهذا الأمر لا يفيد الحزب في شيء. الخطير في الأمر، هو ما يتم من تحريض على هوية الحزب كحزب وطني ومن نفخ في الروح “المناطقية” و”الجهوية” بشكل سلبي تحت شعار تمثيلية الجهات، وهو حق يراد به باطل، فالانتماء هو انتماء للحزب، وما يجب أن يكون موضوع نقاش، هو الشروط التي يجب توفرها في أعضاء اللجنة المركزية التي ليست لها أي رهانات تنظيمية، إذ المطلوب هو تعزيز الانتماء للحزب باعتباره حزبا موحدا يفخر بأبنائه أينما كانوا، وليس حزبا فدراليا بهوية هجينة.
ومن يريد أن يجعل منه حزبا فدراليا تتمتع فيه الجهات بحكم ذاتي، عليه أن يقدم أطروحة واضحة تكون موضوع نقاش بين الاستقلاليات والاستقلاليين، والقرار آنذاك يكون للمناضلين، وهذا ما يجعلنا نرفض المس بالقانون بالصورة التي حدثت.

والغريب هو أن يتبنى الأمين العام هذا الخرق، وينبري للدفاع عنه في مشهد مؤلم حقا.. فإذا كان الأمر يتعلق حقا بالحرص على تمثيلية الجهات، ألم يكن ممكنا تنظيم انتخاب اللجنة المركزية، بناء على قوائم يشترط في صحتها أن تمثل جميع الجهات، هذا كان ممكنا بالطبع، لكن الهدف كان شيئا آخر، كما كان هناك خوف من الجهة المتنفذة اليوم في الحزب من اللجوء إلى انتخابات وطنية.

وضع الحزب مؤلم

< هل وصل الوضع داخل الحزب إلى الانفجار لدرجة  لم يعد يتسع لكافة أبنائه، بعد استقالة وجوه وتهديد أخرى بمغادرة الحزب؟
< وضع الحزب مؤلم ومخيف. نحن قدمنا فترة سماح طويلة بلغت سنة كاملة، ولم نرغب في إحياء أجواء ما بعد المؤتمر الوطني السادس عشر، كنا أمام مسؤولية أخلاقية، رغم المذبحة التي شهدها المؤتمر الأخير، لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، فنحن نستحضر التجارب الحزبية السابقة مثل ما حدث للاتحاد الاشتراكي، وما يشهده اليوم حزب العدالة والتنمية. ونعتبر أن بلادنا بحاجة إلى أحزاب وطنية حقيقية موحدة ومتضامنة لا إلى أشلاء أحزاب تتوزع على موائد السلطة طمعا في الفتات. لهذا، نحن حريصون على وحدة الحزب، والتي نعتبرها خطا أحمر، وإذا كان هناك من يحمل معاول هدم هذه الوحدة، فإنهم يوجدون في “قيادة” الحزب. أما المناضلون، فإنهم في أقصى الحالات، سيختارون الجلوس في بيوتهم، كما فعل كثيرون في ما قبل، لكن هل هذا يفيد الحزب والبلاد؟ بكل تأكيد لا…

مظاهر العطب

< يلاحظ أن الحزب يعيش عزلة بعد انقطاع صلته بالاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. من هم حلفاء الحزب اليوم؟ وكيف سيدبر التحالفات غدا في الانتخابات؟
< هذا مظهر فقط من مظاهر العطب الذي تعرفه هوية الحزب، تضاف إليه طبيعة تركيبته الحالية التي تنتصر لمصالح الأفراد وعلاقاتهم الشخصية بمراكز القرار، فالحزب اليوم لا يملك رؤية للوضع السياسي العام، كما أن جزءا كبيرا منه يعيش رهاب المعارضة، فبحسبهم لا يمكن تصور الحزب في مكان آخر غير مقاعد الحكومة، وهم يسعون إلى ذلك بأي ثمن، ويعتبرون أن الحضور في الحكومة سيمكنهم من الجزرة التي سيثبتون بها وضع الهيمنة على الحزب، لا يهمهم موقع الحزب ورسالته وأفكاره، ويقبلون بهامش الهامش، لأن الأمر يهم الأفراد في النهاية وليس الحزب. وهذا المسار هو الذي أوصل الاتحاد الاشتراكي إلى ما وصل إليه، حتى أصبح يستظل بالأحزاب الإدارية. لهذا يمكن القول إن السائد اليوم داخل “قيادة” الحزب، هو نوع من القدرية، فهم ينتظرون مصيرهم، وأين سيتم وضعهم في الخريطة السياسية المقبلة التي ستكون نتائجها الانتخابية بالنسبة إلى الحزب قاتلة.

أجرى الحوار: برحو بوزياني

حسن برهون : المصدر جريدة  ” الصباح ” .