بيان حول وضعية الحقوق الشغلية

تشهد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولاسيما الحقوق الشغلية، تدهورا مطردا، زاد من حدته الانعكاسات الوخيمة لاستمرار جائحة “كوفيد-19″، التي لا تتورع السلطات والمشغلين عن استغلالها، لممارسة المزيد من الاجهاز على العديد من الحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والسلامة الجسدية، والحق في استقرار العمل، والحصول على الأجر الكامل والمنصف، وتوفير التغطية الاجتماعية والصحية، والحماية من الحوادث والأمراض المهنية، واحترام الحق في التنظيم النقابي وحماية الحريات النقابية؛ وذلك في ظل الأزمة الخانقة المتعددة الأبعاد، التي يكتوي بسعير نارها السواد الأعظم من المواطنين والمواطنات، الذين باتوا لا يجدون، عموما، سبيلا للوفاء بالحد الأدنى لمتطلبات العيش الكريم؛ بسبب الطرد والتسريح الجماعيين، وفقدان فرص الشغل، واستشراء العطالة والبطالة، وتوسع دائرة الفقر والهشاشة، وتعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وفي هذا الإطار، تتابع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بانشغال واستنكار بالغين، مجموعة من الانتهاكات والخروقات، التي ما انفك يتعرض لها العمال والعاملات، والأجراء والأجيرات، بمختلف القطاعات، العمومية منهاأو الإنتاجية أوالخدماتية، حيث سجلت بهذا الخصوص ما يلي:

– تمادي الدولة في تجاهلها المقصود لمسؤوليتها فيما آل إليه ملف شركة “لاسامير” المغربية لتصفية البترول، وتلكؤها في الأخذ بالمقترحات المطروحة من قبل الجبهة الوطنية لإنقاذ الشركة والنقابة الوطنية لصناعة البترول والغاز، خدمة للوبيات المحروقات التي ألهبت جيوب المواطنات والمواطنين؛

– قمع ومنع المسيرات والوقفات الاحتجاجية التي تنظمها، بالموازاة مع الإضرابات الوطنية عن العمل، “التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد”، للمطالبة بالتراجع عن العمل بالعقدة، كما حدث خلال شهري نونبر ودجنبر بعدد من المدن؛ وكما هو الشأن بالنسبة لمهنيي الصحة الذين جرى تعنيفهم، أمام الوزارة الوصية، بشكل مشين يوم 14 نونبر 2020؛ هذا بالإضافة إلى سياسة صم الآذان في التعاطي مع مطالب شغيلة التعاون الوطني؛

– استمرار النضالات التي يخوضها عمال ومستخدمي شركة”أمانور” بطنجة تطوان والرباط، منذ 21 يناير 2020، والتي توجت بالاضراب والاعتصام المفتوحين،للمطالبة بعودة المطرودين من مسؤولين نقابيين وعمال، ووقف معاناتهم وعائلاتهم والكف عن المس بمكتسباتهم؛ هذا فيما تسعى السلطات إلى تكسير معركتهم عبر تدخلاتها المتكررة لفض الاعتصام بالقوة، كان آخرها اقتحام معتصمهم بمدينة طنجة، من قبل القوات العمومية، صبيحة يوم الخميس 17 دجنبر 2020؛ هذا دون أن ننسى الاعتصام الأسطوري لعمال مطاحن الساحل الذي دام لسنوات، قضى خلالها الكثير منهم نحبه، دون أن يتم انصافهم؛

– دخول النقابة الوطنية لعمال الصيانة والنظافة بالشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب، في اضراب واعتصام مفتوح نهاية شهر غشت 2020، احتجاجا على ضرب العمل النقابي والطرد التعسفي، ومنع السلطات للوقفة الاحتجاجية، المنظمة أمام الإدارة العامة للشركة الوطنية للطرق السيارة بالرباطيوم 7دجنبر 2020؛

– الاعتصام الذي ينفذه عمال وعاملات مجموعة “صوبروفيل” أمام محطة تلفيف التمور ببيوكرى، اشتوكة أيت باها، منذ 11 نونبر 2020، والمبيت الليلي أمام مندوبية التشغيل بالمدينة ليلة 23 دجنبر الجاري، للمطالبة بالحقوق المهضومة لأزيد من سنة ونصف؛ وهي نفس الوضعية التي يعاني منها عمال وعاملات شركة “روزا فلور” بنفس المنطقة، نتيجة توقف نشاط الشركة خلال نهاية شهر أبريل 2019؛

– تواصل اضراب واعتصام عمال منجم “جبل عوام” داخل المنجم، على بعد 700 متر تحت الأرض، منذ 10 دجنبر الجاري، دون ايجاد الحل لملفهم المطلبي المتعلق بتحسين ظروف العيش والعمل؛

– تشريد العاملات والعمال بسبب إغلاق العديد من الشركات والمقاولات، المغرب الكبير، كسوماتيم، خياطة عادل، ايكوماي، وكورفينيك وغيرها؛ وما رافق ذلك ويصاحبه من احتجاجات ونضالات للمطالبة التسوية العادلة والقانونية لأوضاعهم، إضافة إلى التماطل الذي تعرفه ملفاتهم المعروضة أمام الحاكم بحجة حالة الطوارئ الصحية وظروف الجائحة؛

– معاناة العمال والعاملات بمجموعة من الوحدات الإنتاجية أو المؤسسات الخدماتية من الهشاشة وعدم الاستقرار في العمل، والحرمان من التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، نذكر من بينها على سبيل التمثيل لا الحصر، شركة “بيم” لصناعة الحلوى وفندق “أفانتي”، بالمحمدية، وسيكوبيكس SICOBEX بالدار البيضاء، وعمال النظافة بشركة SOS بالخميسات، الذين لم يتوصلوا بأجورهم في الأوقات المحددة، مما جعلهم يلتجؤون لخوض اضراب دفاعا عن حقوقهم…؛

– التضييق علي الحريات النقابية وعدم احترام برتوكولات الاتفاق من طرف شركة سويسبور المكلفة بتدبير الخدمات الأرضية بعدة مطارات؛

– عدم احترام دفتر التحملات بالنسبة للشركات التي تحظي بصفقات تدبير قطاعي الحراسة والنظافة بالمؤسسات التعليمية، وضربها عرض الحائط كل القوانين وخاصة الحق في الأجر، واحترام ساعات العمل، والتغطية الصحية والرعاية الاجتماعية…؛

– تواتر حالات حوادث الشغل المميتة جراء غياب شروط السلامة وعدم التقيد بها في الكثير من الشركات والمقاولات، خصوصا في قطاعي البناء والمناجم ومواقع الشحن والتفريغ بالموانئ؛ كما حصل يوم 24 شتنبر بمنجم اميضر، وبميناء أكادير التجاري يوم 13 أكتوبر 2020، حيث توفي الشاب عبد اللطيف الغازي، العامل بمقاولة مناولة لدى مارسا ماروك، عقب سقوط حمولة من الخشب عليه أودت بحياته فورا، وحادثة الشغل التي وقعت بمدينة الجبهة بإقليم شفشاون، صباح يوم الأربعاء 9 دجنبر 2020، وراح ضحيتها أحد العمال، كان يعمل في مدخل المدينةعلى إفراغ شاحنة من الحواجز الحديدية، فانقلبت شاحنة على أخرى عندما كان بينهما، فأصيب إصابات مميتة جعلت حدالحياته…؛ فيما الحوادث المميتة في القطاع الزراعي لا تكاد تنقطع طيلة السنة، بسبب استعمال أرباب العمل لوسائل نقل لا تليق مطلقا بنقل البشر؛ كان آخرها حادثة أصيب على إثرها سبعة عمال بجروح خطيرة، بعد انقلاب بيكوب بضواحي جماعة الصفا التابعة لاقليم اشتوكة أيت باها…

والجمعية وهي تدرك بأن هذه الحالات المسجلة لديها، لا تمثل سوى رأس جبل الجليد المطمور تحت كم هائل من الانتهاكات البليغة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسائر فئات المأجورين والمأجورات وللحريات النقابية، التي تكفلها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، واتفاقيات وتوصيات منظمة العمل الدولية، والتشريعات الاجتماعية ببلادنا على علاتها، فإنها تعبر عما يلي:

• استنكارها لتجاهل السلطات لهذه الانتهاكات، بل وتواطؤها في معظم الأحيان مع الجهات المسؤولة عنها؛ علما بأن واجب الحماية، كالتزام متفرع عن تصديق الدولة المغربيةعلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يوجب عليها التدخل لدى الغير (المشغلون هنا) لفرض احترامه للحقوق والحريات المتضمنة في العهد وغيره من الاتفاقيات والقوانين؛

• تضامنها الكامل وغير المشروط مع نضالات كافة العمال والعاملات، والمستخدمين والمستخدمات، ودعوتها إلى تدخل الدولة من أجل حمل المشغلين على الاستجابةلمطالبهم العادلة والمشروعة استنادا إلى ما يقتضيه القانون، وفي احترام تام للحقوق والحريات النقابية؛

• رفضها للتوظيف بالعقدة، أو بواسطة المناولة في القطاع العمومي، ومطالبتها بالإدماج الفوري للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، والتجاوب مع مطالب العاملين في الوظيفة العمومية؛

• مباشرة الحوار الاجتماعي قطاعيا ووطنيا لمعالجة مختلف الملفات المطروحة؛

• فتح وزارة التشغيل التحقيق في حوادث الشغل المميتة، وفق الشروط والكيفيات، التي يقترحها دليل منظمة العمل الدولية: “التحقيق في حوادث الشغل والأمراض المهنية” الموجه إلى مفتشي الشغل، للوقوف على أسبابها واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرارها.

وفي الأخير فإن الجمعية، تؤكد مرة أخرى، ومن جديد، على ضرورة العمل المشترك، لكل القوى الديمقراطية والحية بالبلاد، داخل جبهة اجتماعية موحدة، لوقف التدهور المتسارع للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمأجورين والمأجورات، وفي طليعتهم العاملات والعمال، والحد من التأثير الكاسح لذلك على عموم المواطنات والمواطنين، جراء ما فرضته السياسات العمومية المتبعة حتى الآن، وعمقته جائحة “كوفيد-19”.

المكتب المركزي:
الرباط، في فاتح يناير 2021