الحرب الخفية والمعلنة للرباط على مدريد في سبتة و مليلية

بين الفينة و الأخرى يطفو على السطح ملف مدينتي سبتة و مليلية المغربيتين المحتلتين منذ أزيد من 5 قرون من طرف الاسبان، دون أن يعرف هذا الملف أي حلحلة سواء في الأمس أو اليوم أو في الأفق القريب، رغم أن الرباط و مدريد تجمعهما علاقات متميزة جعلت منها أكبر شريكين اقتصاديين لبعضهما البعض، بعدما فاق حجم المبادلات التجارية بينهما حاجز 12 مليار دولار سنويا، لكن الملاحظ أن المغرب و في إطار دفاعه عن أمنه التجاري و الاقتصادي عمد منذ قرابة ثلاث سنوات إلى إغلاق جميع المنافذ التجارية نحو سبتة و مليلية النشيطين في التهريب المعيشي، مما جعل المدينتين المحتلتين تعيشان اليوم ما يشبه السكتة القلبية، خاصة و أن نشاطهم الاقتصادي بالكامل يعتمد على المغرب، مما دفع ببعض الأوساط في إسبانيا إلى الترويج لإمكانية اتفاق المغرب و إسبانيا على “السيادة المشتركة” للمدينتين السليبتين لإنقاذهما من الافلاس.

إليكم الحكاية !

لطالما شكلت مدينتي سبتة و مليلية صداعا في رأس المغرب و إسبانيا على حد سواء، فهناك هاجس نفسي هنا و هناك عند مناقشة هذا الموضوع، فرغم أن المغرب الشعبي و الرسمي يعتبران المدينتين محتلتين، غير أن لا أحد في المملكة يتوقع أن أيام الاحتلال الاسباني بأقصى شمال المملكة بات قريبة و أننا سنرفع غدا أعلامنا الحمراء بنجمتها الخضراء فوق المباني و الادارات التي سنرثها من الاستعمار الاسباني كما فعنا في سيدي ايفني و العيون و الداخلة في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي، خاصة و أن المغرب الرسمي لا يضع من بين أولوياته المستعجلة استرجاع المدينتين السليبتين بنفس دفاعه مثلا عن أقاليمه الجنوبية، غير أنه متمسك بمغربيتهما، فمن المؤكد أن هذا الأمر طرح في الكثير من المناسبات سواء في البرلمان أو برامج الأحزاب السياسية، و أيضا على مستوى أعلى سلطة في البلاد، و كلنا يتذكر أن الملك الراحل الحسن الثاني دعا في وقت سابق إلى إحداث خلية بين البلدين لمتابعة الملف.

لكن و بالنظر على الأرض فمسألة استرجاع المدينتين التي يمكن أن نتحدث عليها في شمال المملكة تتسم بـ “السكون”، و في أقصى الحالات ما يتحول هذا “السكون” إلى حرب تجارية بين المغرب و إسبانيا تعوض الحرب العسكرية التي عادة ما تكون بين دولتين عندما يتعلق الأمر باحتلال أراض بشكل غير شرعي، مما يعني أن هناك مشكل يجب أن يوجد له حل. لكن كيف و متى ؟ الله أعلم ! فالأمر رهين بتغير العلاقات الدولية التي يُعَرّفُها البعض على أساس أنها شبيهة بكثبان الرمال المتحركة.

استعادة سبتة و مليلية ليس أولوية للرباط.. و لكن !

لنتحدث بلغة الواقع، فإذا كانت مدينتي سبتة و مليلية جزءا لا يتجزأ من المغرب، فأمر استعادتهما في الوقت الراهن لا يدخل ضمن أولوية الرباط رغم أن الخريطة الرسمية للمملكة تتضمن المدينتين السليبتين، و المقررات الدراسية تعتبرهما سليبتين، و برامج العديد من الأحزاب تتحدث عن إستكمال مسلسل استرجاع ما تبقى من الأراضي المغربية.

هذا الأمر يمكن أن نتأكد منه بما لا يدع مجالا للشك عندما نستحضر تصريحا سبق لرئيس الحكومة السابق عبد الاله ابن كيران أن قاله في شهر يوليوز من العام 2015، عندما أعلن أن “الوقت لم يحن بعد للمطالبة باسترداد مدينتي سبتة و مليلية”، و دعا حينها الفرقاء السياسيين إلى الابتعاد عما وصفه بالمزايدات السياسية في هذه القضية، مشيرا إلى أن اسبانيا شريك اقتصادي مهم للمملكة.
ومن المعلوم أن مدينتي سبتة و مليلية التي لا تصنفهما الأمم المتحدة في خانة المناطق المحتلة لا

تطالب الرباط بشكل علني ومستمر باسترجاعهما و لا تضع الملف على قائمة المحادثات عندما يلتقي عاهلا البلدين أو وزيري الخارجية. و حسب البعض فالأمر يعود إلى صعوبة المهمة، و عدم قدرة الدبلوماسية المغربية على فتح جبهتين في وقت واحد، الأولى في الجنوب ضد الجزائر و جبهة “البوليساريو” الانفصالية، و الثانية في الشمال ضد إسبانيا، التي احتلت المدينتين منذ القرن السادس عشر و مازالت تحتلهما إلى غاية اليوم بعدما طردت منهما البرتغال الذين حكموا المدينتين لقرون.

العديد من التحليلات التي يمكن أن نسمعها هنا و هناك، تذهب إلى اعتبار أن هاتين المدينتين الصغيرتين (سبتة مساحتها 20 كيلومتر مربع و مليلية مساحتها 16 كيلومتر مربع)، من مصلحة المغرب أن يبقوا تحت السيادة الاسبانية على الأقل في الوقت الراهن، فمطالبة الرباط سلطات مدريد باسترجاعهما، قد يدفع الأخيرة في أفضل الحالات إلى اقتراح إجراء استفتاء في المدينتين، و حينها ليست هناك أي ضمانات أن ساكنتها من المغاربة ممن يحملون جوازات سفر إسبانية تخول لهم السفر بحرية لمعظم دول العالم بدون تأشيرة سيختارون إسقاط جنسياتهم الأوروبية و الانضمام إلى المغرب، و حينها ستصبح المدينتان إسبانيتان و لا يحق للمغرب المطالبة بهما مجددا، غير أن الرباط يناسبها في الوقت الراهن أن يبقى وضع المدينتين على ما هو عليه حتى يستعملها كورقة ضغط على إسبانيا بين الفينة و الأخرى في بعض الملفات، على غرار ملف الصحراء المغربية أو التعاون الاقتصادي. هكذا هي العلاقات الدولية !

الخطة المغربية لإنهاك الاستعمار الاسباني في سبتة و مليلية

إذا كان المغرب لا يضع ضمن أولوياته سواء في الوقت الحاضر أو في المستقبل القريب، التصعيد من أجل استرجاع المدينتين السليبتين اللتين يبلغ تعداد ساكنتهما 150 ألف نسمة غالبيتهم مغاربة و يتحدثون اللغة العربية و يدينون بالاسلام، فإنه يخوض حربا بأشكال مختلفة حتى لا ينسى جيراننا الاسبان أن هاتين المدينتين مغربيتين بحكم التاريخ و الجغرافيا، هذه الحرب ليست بالضرورة عسكرية، بل هي حرب تجارية، بلغت أوجها عندما قرر المغرب في شهر غشت من العام 2018 إغلاق المعابر الحدودية التجارية المحاذية للثغرين، و منع أنشطة التهريب المعيشي الذي يمثل مصدر عيش الآلاف من مغاربة الشمال، و هذا القرار أزعج بشكل كبير حكومتي مدينتي سبتة و مليلية المتمتعتين بالحكم الذاتي منذ العام 1995، خاصة و أن 70 في المائة من اقتصاد المدينتين مبني أساسا على أنشطة التهريب المعيشي نحو المغرب.

هذا القرار المغربي من المؤكد أنه يزعج الحكومة الاسبانية في مدريد التي ترى اليوم أن سبتة و مليلية أصبحتا مهددتين بالافلاس، و ارتفعت فيهما نسبة البطالة لتلامس الـ 30 في المائة، و هو رقم فلكي هو الأكبر من نوعه في إسبانيا، و ربما في أوروبا بأكملها، مما جعلها “تستجدي” المغرب للتخفيف من إجراءات إغلاق المعابر الحدودية، في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي فرضته جائحة كورونا التي زادت من تفاقم الأزمة في المدينتين، غير أن المغرب لا يبدو أنه ينوي التراجع عن خطته، خاصة و أننا يمكن أن نسمع خطابا لوزير الداخلية المغربي عبد الوافي الفتيت في البرلمان، بعدما قطع الشك باليقين، و أكد مؤخرا أن المغرب لا ينوي إعادة فتح المعابر الحدودية، و أنه سيتم تعويض المغاربة ممن كانوا ينشطون في التهريب المعيشي و إنشاء مشاريع إقتصادية في مدن الشمال لخلق آلاف فرص الشغل.

و من المؤكد اليوم أن المغرب عاقد العزم على عدم العودة لفتح المعابر الحدودية مع سبتة و مليلية، خاصة في ظل مراهنته على مدن أخرى في الشمال خاصة طنجة و الناظور، مما يعني مزيدا من خنق اقتصاد هاتين المدينتين اللتين تسيطر عليهما إسبانيا، بسبب أن أنشطة التهريب التي تعرفها مدن الشمال تضر كثيرا بالاقتصاد المحلي الوطني، و أكثر من ذلك تضر بصورة المرأة المغربية العاملة في التهريب المعيشي الذي لا ينعكس على وضعها المعيشي.

و هكذا فالمغرب عن طريق قطع جميع الطرق أمام التهريب، و اتخاذ قرارات جريئة من قبيل اعتباره ميناء طنجة المتوسط هو المعبر الوحيد للتبادل التجاري مع سبتة، و اعتبار ميناء بني نصار بالناظور هو المعبر الوحيد للتبادل التجاري مع مدينة مليلية، علما أن العبور من هذين المعبرين يعني بشكل أوتوماتيكي التعشير الجمركي على جميع السلع التجارية، مما يعني أن استقدام المواد التجارية من سبتة و مليلية أصبح يدخل المغرب بطرق قانونية على غرار السلع التي تأتي من إسبانيا في الضفة الأخرى من البحر المتوسط أو من فرنسا أو من أي دولة أخرى كيفما كانت، لتكون بذلك الدولة المغربية هي الرابح من قرار غلق المعابر الحدودية للتهريب المعيشي من سبتة و مليلية، و تجار المدينتين المحتلتين هم أكبر الخاسرين، غير أن اليوم ينقص الدولة المغربية إيجاد بدائل لـحوالي 3500 من النساء ممن كانوا ينشطون في التهريب المعيشي.