حسن برهون مدير النشر ورئيس التحرير  

لا جديد تحت الشمس، يزيِّف السياسيون الحقائق.. يكذبون أثناء ترشحهم للانتخابات وبعد انتخابهم، ثم يحتاجون إلى كذبة أخرى للدفاع عن الكذبة السابقة، وبهذه الطريقة يتمكنون من تبرير وجودهم في المشهد السياسي، والقول للأصوات التي انتخبتهم ولخصومهم أيضا، إن الاستراتيجيات التي وضعوها هي الأفضل.
لكن هل يمكن للصحافة الوقوف في وجه العبث بالحقائق وتزييفها من قبل معظم الزعماء المحليين والعالميين رغم معرفتها بأنهم يخدعونها؟
لا توجد إجابة واحدة عن هذا التساؤل، إذ تتحمل المسؤولية أكثر من جهة، بدءا من صاحب القناة المهتم بتوجهات المعلِنين الفكرية وإعلاناتهم في وسيلته الإعلامية أكثر من اهتمامه بأحوال السلطة من حوله.
كما تقع المسؤولية على محرر الأخبار الذي يعصر غرفة الأخبار ليستخرج منتجا مثيرا للنشر على حساب الجودة. ويتحملها أيضا الصحفي داخل غرف الأخبار وفي المكاتب حين ينقطع عن التواصل مع الواقع والناس في تقريره، ويتحملها صحفي التغطيات الذي ما إن يدير آلة التسجيل حتى يفترض صدق كل تصريح يصدر عن أي مصدر سياسي أو اقتصادي أو ديني، ثم يتحمل المسؤولية القراءُ الذين لا ينظرون إلى المعلومات بعين الناقد، دون إغفال المسؤولية التي تقع على عاتق الأنظمة الاستبدادية.
لكن الحال في بعض البلدان قد تغير، وأصبحت الصحافة تسائل الخطاب الحكومي الناشئ عن دوائر السلطة، وباتت تُخضع كلماته لتحليل يعتمد على منهج شمولي يمكِّنها من تصنيف رسائل الخطاب الموجه إلى المجتمع أو الأمة، لمعرفة إن كانت تلك الرسائل تتضمن معلومات صحيحة أم كاذبة، أم تم العبث بها.
مع هذا، فالتحقق من خطاب الحكومة والسلطة ليس بالأمر السهل، فتلك قوى لديها القدرة على خلق الأخبار ونشرها والعبث بالحقائق باستخدام الأرقام والبيانات والتقارير والتصريحات، وفي الوقت نفسه لديها القدرة على تقييد الوصول إلى المعلومات أو نقض العناصر التي تدعم خطابها.
لذا من المهم أن تفرض الصحافة رقابتها على ممثلي الشعب والأمة، هؤلاء الذين يحددون مصير بلد ما بل وحتى العالم، في سبيل إنتاج ثقافة منحازة إلى الحقيقة والتقليل من سلوكيات الفساد، وتحقيق المساواة الاجتماعية.

من أين نبدأ؟

تصل الأسماك إلى موتها من خلال أفواهها، وهذا ينطبق على الساسة، ولا نعني هنا الموت الجسدي، بل موت صدقيتهم إذا ما تفوهوا بكلام كاذب.
سجلت كثير من بلدان أميركا اللاتينية أرقاما مرتفعة في الفساد، حسب تقرير لمعهد “حوكمة الموارد الطبيعية” (أن.آر.جي.آي) نشرته الصحافة العالمية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015.
ومنذ العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بدأت مبادرات باللغة الإسبانية تهدف إلى التحقق من خطاب السلطة، مثل صحيفة “تشيكيادو” الإلكترونية التابعة لمؤسسة “صوت الشعب في الأرجنتين”. وعلى شاكلتها ظهرت أقسام في صحف أخرى مثل: “محقق كلب الصيد” التابع لصحيفة “حيوان سياسي من المكسيك”، و”كاشف الكذب” التابع لصحيفة “المقعد الفارغ في كولومبيا”، و”خدعة” التابع “للوكالة العامة في البرازيل”، و”بوليتيغرافو” التابع لصحيفة “منارة السلفادور”.
تبدأ مراقبة الخطاب السياسي بمراقبة جملة صدرت عن سياسي إثر حدث ما، أو من المنصات الاجتماعية أو خلال تظاهرة ما، ويفترض أن تلامس هذه الجملة موضوعات الأمة الحساسة.
في السلفادور، تعتبر كلمات مثل الأمن والصحة والاقتصاد والتعليم كلمات حساسة بالنسبة للمجتمع.
“الجملة” هي الخطوة الأولى، وانطلاقا منها يمارس الصحفي دوره في إظهار تناقضات التصريحات، وحينها فمن واجب الصحفي أن يشرح السياق.. فيحدد من هو قائل التصريحات وأين صرَّح بها ولماذا، وما هي صفة القائل، وعليه أن يحدد المكان الجغرافي الذي قيلت فيه التصريحات لمعرفة دلالاتها ومعانيها، فكل هذه المعلومات نسبية للقارئ.
بعد ذلك، يعود الصحفي إلى المصدر الرئيسي، بمعنى أن يعود إلى السياسي أو صاحب السلطة وأن يسأله عن تصريحاته. وهنا تدخل في اللعبة قطع أخرى من الخطاب، ففي مناسبات عدة لا يُعِدّ السياسي الخطاب، بل فريق التواصل ومساعدوه. لذا، ينبغي على الصحفي أن يراجع جميع الأطراف وأن يطرح عليهم أسئلة تتعلق بالكيفية التي وصلوا بها إلى نتائج معينة لقضية ما.
وفي هذا الخصوص، يقول الصحفي غابرييل لابرادور من صحيفة “منارة السلفادور” (الفارو)، إن الأكثر صعوبة -مع إمكانية تجاوز الصعوبة- هو أن يستقبلك الفريق والمساعدون وأن يخبروك بماذا قصد المسؤول بتصريحاته ومن أين استخرج معلوماته وكيف تأكد منها.
فعلى سبيل المثال: إذا أكدت الشرطة أن القتل انخفض في بلد عنيف كالسلفادور، فعلى الصحفي أن يقوم بعملية مسح، ليس فقط من مصادر حكومية، بل من مصادر أخرى موثوقة كبعض المنظمات غير الحكومية لعقد مقارنات بين الخطاب الرسمي والواقع، حسب لابرادور.

الكذب على العالم

واحد من الخطابات التي تم التلاعب بها في السنوات الأخيرة كان الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة أو “عملية الرصاص المصبوب”، فقد أكدت إسرائيل أن الهجوم الأرضي والجوي والبحري كان موجها إلى حركة حماس، كما منعت الصحفيين من الوصول إلى المنطقة بهدف تأكيد روايتها.
كذّبت منظمات كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش التصريحات الإسرائيلية عندما وجدت أدلة واضحة على وجود جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فالأرقام الأكثر تحفظا تتحدث عن 1300 قتيل فلسطيني.
وحينما كان الهجوم الإسرائيلي على أشده، قرر صحفي إسباني هو “ألبيرتو آرسي” التوجه إلى منطقة القتال. صعد إحدى سيارات الإسعاف، وكان شاهدا على منع إسرائيل لهذه المنظمة الإنسانية من جمع الجثث، ثم وضع شهادته في الفيلم الوثائقي الذي أنجزه بعنوان “كي تطلق النار على فيل”.
يقول خلال مقابلة أجراها معه التلفزيون الإسباني “سيكوم” إن “الحديث عن فلسطين يؤكد أن التحدث كثيرا لا يعني التحدث جيدا، بمعنى أنّ توفر المعلومات الكثيرة ليس دليلاً على جودتها. وبالنسبة للفلسطينيين، من الأفضل أن يتحدثوا قليلا، لكن بطريقة صحيحة، إذ إنَّ جميعنا يكرر العبارة الشرعية العفوية “الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي” في حين أننا نتحدث في واقع الأمر عن احتلال إسرائيل لفلسطين”. آرسي يعمل حاليا مراسلا لأسوشيتد برس في المكسيك.
لذلك، على المؤسسات الصحفية أن تعمم ممارسة التحليل الشمولي للخطاب السياسي، فالصحافة عمل متعدد التخصصات يقوم على التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والرياضيات، لكن اللامبالاة والسطحية وغياب الصحفي المتخصص عند إعداد المواد الصحفية يسمح للأكاذيب أن تتحول إلى حقائق، أما النتيجة فيدفع ثمنها آخرون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.