مصادر الأخبار بين نشر الحقيقة والمعلومة الموجَّهة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

  حسن برهون مدير النشر ورئيس التحرير  

“أهم مؤشرات الالتزام المهني للصحفي هو اللجوء للمصادر الحقيقية للأخبار، مع الأخذ بعين الاعتبار القاعدة الصحفية الشائعة التي تقول “إن قول مصدر ما يحتاج إلى تأكيد من مصدر آخر، فأقوال أي مصدر ليست حقيقة مسلما بها، لذا من المهم البحث عن مصدر ثان لتعزيز معلومات المصدر الأول وتأكيدها أو نفيها أو التشكيك فيها أو الإضافة إليها (1)”.. الكاتب الصحفي أسامة غيث، النائب السابق لرئيس تحرير جريدة الأهرام، مجيباً على تساؤل حول أهم آداب الالتزام المهني في واقع العمل الصحفي.

فالمصادر الصحفية هي “الشخصيات الفاعلة في الحدث التى يقابلها أو يراقبها الصحفيون بما في ذلك ضيوف الأحاديث الصحفية المباشرة أو أصحاب الاقتباسات المنقولة فيما يتعلق بالحدث”(2)، وبدونه يصبح الخبرأو الموضوع الصحفي لقيطا مجهول النسب غير مقبول مهما بلغت أهميته.

 ويرتبط اختيار المصدر عند تغطية حدث ما بعامل الوقت الذي يلعب دورا مهما في الضغط على عملية الإنتاج بشكل قد لا يسمح للصحفي بتنويع مصادره أو البحث وراء مصداقيتها (3)، ويجعل إتاحية المصدر (source availability) أحد أهم محددات اختياره، وعليه يمكن حصر المصادر التي يعتمد عليها الصحفي في ثلاثة أنواع وهذه المصادر الثلاث هي:

–  المصادر الرسمية.

–  النخبة المتخصصة.

– المصادر المؤقتة/ المتحركة

‌أ.  المصادر الرسمية:

عادة ما يفضل الصحفيون الرجوع إلى المصادر الرسمية والاقتباس منها خاصة في  ما يتعلق بالقضايا الساخنة مثل القضايا ذات الأبعاد السياسية التى يكون الوصول فيها إلى المعلومات محدودا، لعدة أسباب: “أولها: موقعها في السلطة مما يكون له أثرة على قيمة البروز الإخباري للحدث، وثانيها: السهولة النسبية في الوصول إلى المصادر الرسمية أو ما يعرف بالإتاحية النسبية للمصدر الرسمي، وثالثها: العلاقات القريبة بين الصحفيين والنخب الرسمية المهيمنة (4)”.

ويظهر ذلك في سعي الصحفيين الدائم لتوطيد علاقاتهم مع المسؤولين والمصادر الرسمية بشتى الطرق، ظناً منهم أنه يقتربون بذلك من مواقع الأحداث. كان للصحافة الكلاسيكية في مصر باع طويل في انتهاج هذا الأسلوب، فكانت جريدة الأخبار من أوائل الصحف التي شجعت على انتهاجه منذ تأسيسها على يد التوأم “مصطفى وعلى أمين”، فكان “مصطفى أمين” يشدد في اجتماعاته الأسبوعية دائماً على ضرورة توطيد الصحفيين للعلاقة بين مصادرهم ومحرري الجريدة حتى أنه كان يسميها بـ “عملية تربية المصدر” فيكون على الصحفي أن ينمي ويكبِّر علاقته بمصادره كما يربي أبناءه- وعلى سبيل المثال يقول مصطفى أمين في اجتماع الجمعة 3 أكتوبر/تشرين أول 1958: “إن مهمة الصحفي أن يدخل في حياة المصدر وينشئ صداقات معه.. يجب على كل محرر أن يعقد صداقات وصلات مع مصادره.. أنا لا أقول إنه شيء سهل! إنما هي عملية تربية مصدر. إذا لم أستطع مقابلة أي شخص أدرس أصدقاءه وأولاده وأقاربه وإخوته، وتكون لي علاقة مع أي فرد منهم وهذه الصداقة ستمكنني من الدخول!.. ويختتم كلامه بجملته الشهيرة: أنا إذا أردتُ أن أقابل وزير الأشغال أعمل صداقة مع حلاقه (5)”.

 إلا أن الاعتماد على المصادر الرسمية وحدها خاصة في الموضوعات والقضايا الشائكة، يحمل الكثير من المشكلات التي قد تضر بمهنية الصحفي، حيث يرى غيث أن “في الأخبار المتخصصة والقضايا الكبيرة مثل الأحداث الاقتصادية وغيرها، يلتزم الصحفي -قبل النشر-  بمقارنة المعلومة وتدقيقها، حتى وإن تلقى معلوماته من جهة رسمية بالدولة، لأن المتعارف عليه أن المسؤولين والجهات الرسمية يطلقون تصريحات وبيانات لا تلتزم بالمضمون العلمي والتدقيق الموضوعي اللازم، إنما هي معلومات تتجه إلى استهداف الوظيفة الدعائية وليست الوظيفة الإعلامية وهنا لا بد أن نفرق بين المضمون الإعلامي والحقيقة التحريرية الموضوعية والمضمون الدعائي في نطاق سياسي وتنفيذي، وبهذا تصبح وسائل الإعلام الإخباري أدوات يتم من خلالها  تدعيم السلطة دون قصد”.

وعليه يلجأ الصحفيون عادة إلى استخدام أنواع أخرى من المصادر، من أجل تعزيز قصصهم الصحفية، والإفلات من فخ تلاعب المصدر الرسمي، فكان التوجه نحو النخب المتخصصة كمصادر معززة لمصداقية المعلومات.

‌ب. النخبة المتخصصة:

ويتابع غيث أنه “وفقاً للمعايير العالمية لابد أن يلجأ الصحفي إلى صانع القرار كمصدر رئيسي لأي خبر”.. وفي صحافتنا يفهم خطأ أن صانع القرار هو من يملك السلطة السياسية فقط وهذا خطأ كبير، لأنه في المجتمعات الغربية يبرز دور المجتمع المدني بشكل كبير وبالتالى تتعدد وتتنوع مصادر الأخبار بشكل كبير، ففي الولايات المتحدة الأميركية نجد أن الشركات الكبرى لها كيان ونفوذ في أخبارها التى تنشر في الصحف والمنتديات والتجمعات المختلفة التى تؤثر في الرأي العام بشكل كبير”.

وعليه تأتي النخب ثانى أهم المصادر التى يميل الصحفيون إلى الاعتماد عليها في الأحداث المهمة، حيث يتصور الصحفيون أنها تكتسب درجه عالية من المصداقية لدى الجمهور ومن ثم تزيد من فعالية الرسالة الإعلامية، ووفقا لكلام غيث من بروز دور المجتمع المدني ومؤسساته، يتم تحديد انتماء المصدر للنخبة من عدمة على أساس عنصري كالشهرة والانتماء المؤسسي. أما بالنسبة للشهرة، فعندما يكون المصدر وجهاً معروفاً للجمهور فهو يقتصر المسافات على الصحفي في توصيل الرسالة للجمهور، كما يمثل الانتماء المؤسسي أحد أهم العناصر التي يعتمد عليها الصحفى في اختياره لمصادره، فالانتماء للمؤسسات الاجتماعية والسياسية يعد عاملاً مهما في كسب ثقة الجمهور فيه ومن ثم تصديق المعلومات الصادرة عنه.

وقد أظهرت نتائج الدراسات التى أجريت على المصادر في شبكتين عربيتين مثلا “أن التركيز عند اختيار المصادر يكون على معياري “السلطة أوالشهرة”أكثر من التركيز على“الخبرة”.حيث ينصب التركيز علىأولئك الذينيمكن لأحاديثهم أن تصنع الخبر بدلا من التركيز علىهؤلاء الذين يكون لديهم المعلومات (6). فتعريف المصدر بأنه عضو في حزب سياسي أو قيادي في منظمة حقوقية مثلاً، يجعل من تحليلاته للعملية الانتخابية وملابساتها أمرا غير قابل للتشكيك أو هكذا يتصور الصحفيون، ولن يقدم أي منهم على الرجوع إلى مصدر من الجمهور العام ليأخذ معلومة في حدث مهم اعتقاداً منهم بأنه ليس بمستطاع ذلك الجمهور أن يمدّهم بمعلومة موثقة أو جاذبة للاهتمام.

وهنا تكمن المشكلة أن بعض هذه النخب يسعى إلى تشكيل الأحداث وفقاً لانتماءاتها ورؤاها، مما يجعل من الصحفي أو الإعلامي ناطقاً بلسان النخبة التى ينتمي إليها المصدر، في الوقت الذي يتوهم فيه هو أنه ينقل حقائق موثقة، مما يشكل الحدث وفقاً لرؤية هذه النخب وليس وفقاً للحقيقة، ويخرج مؤسسته الإعلامية من فخ الدعاية الرسمية إلى فخ الدعاية النخبوية.

‌ج.  المصادر المؤقتة أو المتحركة:

 “وهم أفراد الجمهور العام الذين يستعين بهم الصحفي في تحرير مادته الصحفية، ويتغيرون تبعا للحدث أو الموضوع (7)”. شاع تسمية هذا المصدر باسم “رجل الشارع”، ورغم أهميته الكبيرة في الأحداث والقضايا الصحفية، حيث لا يتم الرجوع إليه إلا في حالة صلته الوثيقة بالحدث المنقول أو القضية محل التناول، إلا أنه يتعرض للظلم على مستوى الاهتمام المهني والأكاديمي.

 فعلى المستوى المهني، يسعى الصحفي لجمع المصادر الرسمية أو النخبوية وتوطيد صلته بها، فإن لم يتمكن من الوصول إلى المصدر وطد صلته بأحد المقربين منه -كما ذكر سابقاً- ويغفل بشكل متعمد أو غير متعمد رجل الشارع رغم أنه قد يكون المصدر الأغنى بالمعلومات، فعلى سبيل المثال: قد يمثل بائع الخضار مصدرا ممتازا عن أزمة ارتفاع أسعار الخضار والفاكهة، ومعدلات الارتفاع والطفرات غير الاعتيادية في الأسعار، وأضرار ذلك على المواطن والبائع، بأكثر مما يمثله مصدر من وزارة أو هيئة رسمية أو خبير اقتصادي يعتمد على بيانات نظرية في الموضوع ذاته. وترتفع أهمية “رجل الشارع” كمصدر صحفي بأن تمثل معلوماته تحقيقاً لمصداقية معلومات المصادر الرسمية والنخبوية أو ينفيها، فيرفع مصداقية الصحفي نفسه ورصيده لدى جمهوره.

ومع التطور التقني لوسائل الاتصال وظهور الهواتف الذكية والحواسيب المتنقلة،ورواج مواقع التواصل الاجتماعي وذيوعها، أضحى رجل الشارع مصدر الخبر وناقله، حيث يمكن للمواطنين في جميع أنحاء العالم نشر الأخبار والفيديوهات عن الأحداث لحظة وقوعها، فيما عرف “بصحافة المواطن”، حيث تشير الدراسات إلى تزايد دور المواطن في جمع المعلومات عن الأحداث والقضايا ونشرها باستمرار، وتُعَرَّف (صحافة المواطن) على أنها: “الصحافة التي يلعب فيها المواطنون والجماعات دورا فاعلاً في عملية جمع المعلومات والأخبار، وإبلاغها وتحليلها ونشرها”.. وعرفت ايضاً على أنها: “نسخة الأخبار الموجهة من المحتوى الذي يولده المستخدم، بما يشمل مشاركة الأخبار والتعليق عليها، حيث يتم ابتكار المحتوى من الصفر (8)”.

وتعتمد صحافة المواطن بشكل كبير على شاهد العيان على الحدث كمصدر إخباري، ثم تأتي الخبرات الشخصية لناقل الحدث ثاني مصدر للقصص الإخبارية فيها، عكس الحال في الصحافة التقليدية حيث يتم الاعتماد على المصادر الإخبارية الرسمية كمصدر أولي..، نجد صحافة المواطن تبتعد عن المصادر الرسمية في صناعة الخبر، بسبب صعوبة الوصول للمصادر الرسمية، ومن هنا يميل المخبرون الصحفيون فيها للمصادر المتاحة، مثل: المحيط الشخصي لناقل الخبر، أو شهود العيان، أو المعاينة الشخصية لناقل الخبر أحياناً.

كذلك ظهر الاعتماد مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المنافسة كمصادر للمعلومات عن الأحداث والقضايا بشكل كبير، فقد أشارت دراسة اجريت على عدد من المواقع الإخبارية الإلكترونية الأمريكية أن (70%) من الصحفيين فيها يعتمدون على مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر إخباري، بينما يميل (45%) منهم إلى اتخاذ وسائل الإعلام المنافسة كمصدر لتكملة المعلومات المنقوصة في قصصهم الإخبارية (9).

وعليه يُطرَح السؤال: من هو المصدر الذي يمكن اللجوء إلية عند تغطية موضوع ما؟

مما سبق يمكن أن نقول إن تنوع المصادر عند اختيارها الحل الأكثر واقعية، في الخروج من معضلة نشر الحقائق أو المعلومات الموجهة، فالصحفي الذي يتحلى بثقافة الموضوعية يكون عليه اختيار المصادر الملائمة للحدث الذي ينقل عنه بغض النظر عن إتاحية الوصول إليه أو انتمائة أو منصبه وتكون لدية القدرة على تعدد مصادره وتنويعها على اختلاف جوانب القضية أو الحدث محل التناول، فالحقيقة المنطلقة من قيمة أخلاقية تتطلب السعي الدؤوب وراء المصادر ذات الصلة الوثيقة بها، وليس ذلك المصدر الذي ينفيها أو يؤكدها من داخل مكتبه دون أن يحتك بها احتكاكا مباشرا، بما يؤكد أهمية المصادر المهملة مثل “رجل الشارع”، فعين المواطن وأذنة التى ترصد ما يجري على أرض الواقع لا بد أن ترفق مع فكر الأستاذ المتخصص لتحقق الرؤية الشاملة للحدث. 

مروة علي

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً