قراءة في تطورات القضية الوطنية

حوار مع محسن الأجرومي : باحث في القانون العام والعلوم السياسية

 حاورته منسقة الشبكة الأوروعربية بفرنسا الصحفية فاطمة بالعربي من باريس

 

ما هي قراءتكم للتطورات الأخيرة التي يعرفها موضوع القضية الوطنية؟

 

بداية يجب أن نحدد الإطار التاريخي للقضية ، وأن نحدد أيضا أسباب النزاع المفتعل اليوم حول من له الأحقية على أراضي الصحراء الغربية ، لأن هذه القضية بدأت قبل انسحاب الاستعمار الإسباني منها سنة 1975 ، حيث بعدها مباشرة طالب المغرب باسترجاع الصحراء من الاحتلال الاسباني ، معتبرا أن الصحراء هي جزء من أراضيه ، وخلال تلك المفاوضات التي قام بها المغرب مع اسبانيا ، تدخلت على الخط موريتانيا وطالبت هي الأخرى بجزء من الصحراء بدعوى أن لسكان المنطقة تقاليد شبيهة بالتقاليد الموريتانيا ، بينما في الجهة المقابلة أعلنت البوليساريو أنداك عن أحقيتها في إقامة دولة جديدة منفصلة على أرض الصحراء الغربية.
وهنا لا بد من الإشارة لموقف الجزائر في تلك الفترة ، والتي كانت تساند المغرب في استرجاع صحراءه ، واعتبرت في موقفها أن المشكل هو ثنائي بين المغرب وموريتانيا ، وهو ما دفع المغرب إلى أن يتقدم بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، وأيضا إلى الحكومة الإسبانية سنة 1974 ، بغرض إحالة ملف الصحراء على محكمة العدل الدولية بلاهالي ، وذلك كخطوة منه لتعزيز مطلب المغرب وحقوقه التاريخية على الإقليم ، قبل أن ينظم مسيرته الخضراء سنة 1975 ويتلوها انسحاب الإسبان من الاقليم ، تاركتا النزاع بين المغرب وموريتانيا والبوليساريو . في حين أن الجزائر كانت تقول بأنها ليست معنية بهذا النزاع ، ولا تملك أي أطماع في الصحراء الغربية ، وتقول أيضا أن هذه القصية هي قضية تصفية استعمار ويجب أن تحل على مستوى الأمم المتحدة ، وأنها ملتزمة أساسا بمخطط التسوية الأممي الذي صادقت عليه جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ، بما فيهم المملكة المغربية ، وأنها أيضا مع اتفاق هيوستن الموقع من قبل البوليساريو والمغرب الساعي إلى تسوية نهائية لهذه المسألة وفقا للمخطط الأممي ، بحكم أن هذه القضية كانت مطروحة مند عام 1965 على طاولة الأمم المتحدة تحت بند تصفية الاستعمار . لكن سرعان ما تغير موقف الجزائر من القضية ، خصوصا بعد اتفاقية مدريد والتي كانت أبرز مخرجاتها اقتسام المناطق الصحراوية بين المغرب وموريتانيا ، وهنا رفضت الجزائر هذا الأمر شكلا ومضمونا ، لتصبح طرف معني في القضية ، يتابع ويشارك في جميع المناقشات التي تدور حول الإقليم
كذلك قبل أن نتحدث عن التطورات الأخيرة التي عرفها ملف القضية الوطنية ، بدءا من الرؤيا الجديدة التي طبعت الدبلوماسية المغربية ، مرورا بمشكلة المعبر الحدودي للكركرات ، إلى الاعتراف الاخير للإدارة الأمريكية بالسيادة الكاملة للمغرب على أرض الصحراء الغربية ، وما تبع هذا الاعتراف من آثار وردود أفعال دولية ووطنية . لا بد من أن نتحدث عن ما أضاعه هذا النزاع الذي استمر لعقود ، من فرص التعاون السياسي والاقتصادي بين دول المغرب العربي ، فهذا النزاع وإلى اليوم لا زال يشكل عائقا أمام قيام اتحاد المغرب العربي في ظل الاختلاف القائم بين المغرب والجزائر ، رغم أن المغرب كان سباقا في أكثر من مناسبة إلى مد يد الصلح ، ولا زال إلى اليوم يسعى لذلك ، ويعبر عنها عاهل البلد بشكل مباشر ، لعل آخرها في خطاب عيد العرش المجيد لسنة 2018 ، وأيضا الرسالة الملكية التي وجهت إلى الرئيس الجزائري بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ، كل هذه إشارات تظهر رغبة المغرب في الصلح مع جارته الجزائر ، ورغبته أيضا في طي صفحة الماضي ، لأنه يعلم جيدا أن ما وراء هذا الصلح عمل جاد سيعود بالنفع الكبير على المنطقة بأكملها ، لكن في مقابل كل هذا يضع قضيته الوطنية فوق كل اعتبار ، لأنه يؤمن بأحقيته على الأراضي الصحراوية ، والشعب المغربي أيضا يؤمن بأن أرض الصحراء هي مغربية ، ومستعد لأن يضحي بنفسه وماله من أجلها ، وسبق له أن فعل ذلك طبعا.

هل تعتقدون أن المشكل الحاصل بين المغرب والجزائر هو السبب الرئيسي والمباشر وراء عدم قيام اتحاد المغرب العربي؟

إن المشكل الحاصل بين المغرب والجزائر ، وخصوصا مواقف الجزائر العدائية للمغرب حول وحدته الترابية ، تنعكس بصورة ملحوظة على أي عمل بين البلدين وبين بلدان المغرب العربي بصفة عامة ، فهذا الأمر يؤدي إلى هدر الكثير من الطاقات والمصالح المشتركة التي يتوجب استغلالها للرقي والازدهار بالنسبة للبلدين وكذا البلدان المجاورة . فإذا كان الساحل المغربي هو أرض العبور التي قفز منها العرب إلى الاندلس لنشر الدين الإسلامي والثقافة العربية في أوربا ، فأنه اليوم نفس المكان الذي يواجه فيه المغرب أوروبا . فموقع الصحراء البحري له أهمية كبيرة يمكن توظيفها لتعزيز الأمن القومي العربي . فالعنصر الجيوبولتيكي الذي يتمثل في المساحة الجغرافية وما تحتويه من موارد اقتصادية وتنوع مناخي وتداخل ثقافي وتكامل سكاني ، يوفر مزايا كثيرة للأمن سواء كانت اقتصادية أو عسكرية
وبذلك فإن مصلحة الجزائر والمغرب الموضوعية تتجلى في أن يعاد بناء الثقة بينهما ، وتفتح أفاق التعاون بين البلدين وبين كافة مكونات اتحاد المغرب العربي ، والبحث عن تسوية تصون الوحدة العربية عامة ، وأظن أن المغرب يعي هذا الأمر جيدا ويحاول دائما العمل عليه من خلال مد يد الصلح للجزائر من أجل وضع حد لهذا النزاع وطي صفحة الماضي.

طيب أستاذ محسن، أعود بك لتطورات القضية الوطنية، ما هي قراءتك لهذا التحول المهم في مسار القضية الوطنية؟

في اعتقادي هناك نقطتي تحول مركزيتين في القضية ، الأولى ارتبطت بالدينامية التي عرفتها الدبلوماسية المغربية والمقاربة الجديدة أيضا في التعامل مع القضية دوليا ، بحيث تجاوزت منطق البحث عن تعاطف الدول إلى منطق البحث عن حل نهائي للقضية ، وبذلك لم يعد المغرب يكتفي بالبحث عن تعاطف دولي ملفف في عبارات فضفاضة ، وإنما بدأ بالبحث عن اعترافات ذات آثار قانونية وواقعية بسيادة المغرب على أرض الصحراء الغربية ، وتعزز هذا الورش بمسلسل فتح العديد من الدول لقنصليات لها بمدينتي الداخلة والعيون الواقعتين بالأقاليم الجنوبية للمملكة . هنا أحست البوليساريو بالتحركات الجديدة للدبلوماسية المغربية ، وأحست بخطر وبقرب خسارة المعركة التي تعلم من البداية أنها منهزمة بها ، فاتخذت مقاربة جديدة شبيهة بحرب عصابات ، وهي ما عبرت عنه بأعمال الشغب التي قامت بها في المعبر الحدودي للكركرات ، والتي في اعتقادي أنها بهذه الخطوة لعبت بورقة محروقة شكلت نقطة تحول ثانية في القضية ، خصوصا بعد التدخل الذكي للمغرب باستعمال الجيش لإعادة فتح وتأمين المعبر الحدودي للكركرات ، لماذا قلت أنها شكلت نقطة تحول ثانية ، لأنها أعادت الملف للواجهة ، وفتحت له أفاق البحث عن حل نهائي ، والمغرب كان ذكيا حينما استغل الأمر لكسب تأيد المنتظم الدولي للتدخل العسكري الذي قام به حفاظا على وحدته الترابية.
أما في ما يخص الولايات المتحدة الأمريكية ورغم ما يعرف عنها على أنها بلد مصالح بامتياز ، فإنها حتى اليوم تميل لسياسة المغرب ولعاهل المغرب ، وعبرت عن ميلها هذا باعتراف ادارتها مؤخرا من خلال مرسوم رئاسي بسيادة المغرب على كامل أراضي الصحراء الغربية ، وهو الذي سيكون له انعكاس وآثار على مستقبل القضية ، خصوصا أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من الدول العظمى الأعضاء بالأمم المتحدة ، والعضو الدائم بمجلس الأمن ، وهو ما يمكن أن يعطي للقضية الوطنية توجها جديدا نحو الوصول لحل نهائي وعادل ، كما أن هذا الاعتراف من شأنه أيضا أن يفتح الطريق للعديد من الدول من أن تتخذ مواقف مماثلة تجاه القضية ، لأنه بلا شك أعاد النقاش للواجهة بشكل مغاير عن ما كان عليه . رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت لسنوات أن تحافظ في علاقتها بين المغرب والجزائر على منطق الموازنة ، إذ تعتبر المغرب صديقا تقليديا وحليفا استراتيجيا تجمعه بها اتفاقية التبادل التجاري الحر ، لكنها في المقابل لها مصالح اقتصادية مهمة مع الجزائر في ما يتعلق بوارداتها من الغاز الطبيعي والبترول.

هل تعتقد أن المغرب قايض بالقضية الفلسطينية في سبيل انتزاع اعتراف من أمريكا بالسيادة الكاملة له على أرض الصحراء؟

المغرب دولة قوية ، ولها مكانتها في المنتظم الدولي ، وسبق لها في عدة محطات أن اتخذت مواقف شجاعة وجريئة دعما للقضية الفلسطينية وحماية لحقوق الفلسطينيين ، ودفاعا أيضا عن القدس باعتباره رمزا للأمة الإسلامية ، وهنا نتذكر الرسالة التي وجهها عاهل المغرب الملك محمد السادس إلى الرئيس الأمريكي ترامب تعبيرا منه عن رفضه للقرار الأمريكي القاضي بتحويل سفارة أمريكا باسرائل إلى القدس . وهنا اسمحوا لي أن أوجه رسالة لإخواننا الفلسطينين ، وإلى كل الذين يعتبرون أن المغرب قايض حدته الترابية بتطبيع علاقته مع اسرائل ، أقول لهم أن المغرب لسنوات عبر عن استقلاليته وعدم خضوعه لأي ابتزاز أو مقايضة ، ولسنوات وهو يعبر عن تبنيه للقضية الفلسطينية ولا يزال إلى اليوم ينزلها نفس منزلة قضيته الوطنية ، وهو ما عبر عنه بلاغ الديوان الملكي ، في أن الإجراءات التي سيتخذها المغرب سواء على مستوى تسهيل الرحلات بين المغرب واسرائيل أو اعادة فتح مكتب الاتصالات أو فتح قنوات وغرف التعاون الاقتصادي بين البلدين ، لن تؤثر على موقف المغرب الثابت في دعم القضية الفلسطينية وفي الدفاع عن حقوق الفلسطينين، لأن موقف المغرب هو مع حل الدولتين ، والدفاع عن حقوق الفلسطينين ، واعتبار القدس الشريف رمزا للوحدة الاسلامية ، ومعنى حل الدولتين هو اعتراف ضمني بوجود دولتين دولة اسرائل ودولة فلسطين.