اللغة العربية و”العصر الذهبي” .. “الأعرابي ليس صانع العالم العربي”‎

اللغة العربية و"العصر الذهبي" .. "الأعرابي ليس صانع العالم العربي"‎

يرى الأستاذ الجامعي رشيد الإدريسي أن للتاريخ سلطة على الحاضر، وأن الدعوة إلى استحضار اللغة في علاقة به ليس معناها استحضارها كما كانت في مراحل التأسيس بدعوى الحفاظ على نقائها، بل استحضارها في علاقة بالحاضر وبأسئلته واحتياجاته.

وعليه، يعتبر الإدريسي، في مقال عن اللغة العربية والتاريخ، أننا يجب أن نجعل من التاريخ سلطة معقلنة؛ “بمعنى أن نراجع اللغة ونمررها من مصفاة النقد وأن نشذبها لكي نبرز تلك العناصر التي تعود على حاضرنا بالنفع، بحيث نتخلص من الحضور المطلق للتاريخ بشكله الانفعالي والعاطفي والسحري، ونتجاوز الرؤية التي تنظر لكل ما مضى بوصفه إيجابيا بشكل مطلق وبوصفه ممثلا للعصر الذهبي”.

وهذا نص المقال:

اللغة والعصر الذهبي

للغة علاقة وطيدة بالتاريخ، فما إن تذكر لغة ما حتى يتم التساؤل عن ماضيها وظروف ظهورها، لذلك نُظر إلى اللغات في أغلب الثقافات بوصفها لغزا يحتاج إلى أن يحاط بنوع من التفاسير والتصورات ذات الطابع العجائبي والغرائبي؛ ذلك لأن الإنسان عندما يعجز عن تفسير شيء ما يلجأ إلى نسج الحكايات حوله، لأن الحكاية بأحداثها وصورها “تقنع” العقل بأن الظاهرة وقعت فعلا بهذا الشكل على أرض الواقع في عصور التاريخ الغابرة، ما ينزع عنها غموضها فتتحول بالتالي إلى سرد ينقله السابق إلى اللاحق وتصبح بديهية واضحة بذاتها لا تحتاج إلى أي برهان، بينما هي عكس ذلك تماما؛ وتفسير ظهور اللغات وتعددها كما يرويها العهد القديم مثال على ذلك.

وبغض النظر عن هذا البعد الذي عملت الدراسات الحديثة على تجاوزه بدراسة اللغات في علاقتها بالدماغ البشري، وبمقارنتها في ما بينها واستخراج ما يجمعها وما يميز بعضها عن بعض، فالتاريخ يحضر في علاقة باللغة من زاوية أنها تقوم على التراكم الذي يتحقق من خلال توليد الدلالات والألفاظ، وترجمتها وتغييرها وتعديلها واقتراضها من اللغات الأخرى… فكل هذه العمليات وغيرها من العمليات الأخرى تتم أحيانا بشكل تلقائي غير مُفَكَّر فيه في المجتمعات البسيطة، وتتم في أحيان أخرى بشكل يخضع للتخطيط ولأهداف محددة في المجتمعات المركبة التي عرفت الحضارة. وهذه العمليات تثبت أنه لا محيد عن استحضار التاريخ للإحاطة بأي لغة وفهم دلالات ألفاظها في سياقات زمنية مختلفة، ما ينعكس إيجابا على فهمنا للتراث المرتبط بها فهما موضوعيا، بعيدا عن الإسقاطات وعن تقويل نصوصه ما لا قدرة لها على قوله.

إن للتاريخ سلطة على الحاضر، والدعوة إلى استحضار اللغة في علاقة به ليس معناها استحضارها كما كانت في مراحل التأسيس بدعوى الحفاظ على نقائها، بل استحضارها في علاقة بالحاضر وبأسئلته واحتياجاته، أي إننا يجب أن نجعل من التاريخ سلطة معقلنة؛ بمعنى أن نراجع اللغة ونمررها من مصفاة النقد وأن نشذبها لكي نبرز تلك العناصر التي تعود على حاضرنا بالنفع، بحيث نتخلص من الحضور المطلق للتاريخ بشكله الانفعالي والعاطفي والسحري، ونتجاوز الرؤية التي تنظر لكل ما مضى بوصفه إيجابيا بشكل مطلق وبوصفه ممثلا للعصر الذهبي؛ فالعصر الذهبي قد يكون أحيانا أمامنا لا خلفنا، وهذا ما تزكيه عمليات حوسبة اللغة معجميا وصرفيا وتركيبيا… ما لم يكن ممكنا في أي عصر من العصور السابقة.

العربية لغة تاريخية

واللغة العربية كغيرها من اللغات الكبرى، خضعت بدورها لهذا المنطق، فأمكنها أن تغتني عبر التاريخ. وقد ساعدها على الاغتناء أكثر كونها ساهمت في الحفاظ على التراث الإنساني وساهمت في تطوير المعارف الإنسانية وابتكار معارف أخرى، فترك كل ذلك أثره في ثروتها اللغوية؛ وهذا ما جعل الكثير من الدارسين العرب يطرحون فكرة المعجم التاريخي للغة العربية ويطالبون المجامع العربية بالتفكير في إخراجه إلى حيز الوجود خدمة للغة العربية وخدمة لتراثها.

وطرح فكرة المعجم التاريخي للغة العربية، التي أصبحت اليوم واقعا يتحقق بالتدرج ببداية ظهور بعض أجزاء معاجم تاريخية ذات قيمة علمية لا تنكر، ليس معناها أن اللغة العربية ستبدأ من الصفر، فالتراث المعجمي العربي شديد الغنى والتنوع، وعدم توفره على معجم تاريخي بالمفهوم الحديث لا ينقص من قيمة اللغة العربية في شيء. فاللغة العربية على هذا المستوى تتقاطع مع لغات تحظى بالاشتغال عليها بشكل مستمر وتُصرف على خدمتها مبالغ طائلة. وهذا ما ينطبق على اللغة الفرنسية التي يؤكد ألان راي Alain Rey، وهو أحد معجمييها الكبار، أن من بين الأسباب التي حدت به إلى إخراج معجمه التاريخي للغة الفرنسية سنة 1992، هو افتقار المعاجم السابقة عليه إلى وصف تاريخي يتضمن البحث في أصول الألفاظ واستعمالاتها في مختلف السياقات الاجتماعية.

إن دواعي ربط اللغة العربية بالتاريخ متعددة، فبالإضافة إلى ما ذكرناه هناك مسوغات أخرى تختص بها اللغة العربية دون غيرها، ومن بينها أنها لغة تقوم على الاستمرار والتواصل، على عكس اللغة الفرنسية مثلا التي تقوم على القطيعة مع الفرنسية القديمة التي تعد لغة أجنبية يلزم من أجل فهمها اليوم ترجمتها إلى الفرنسية الحديثة.

نقض لا تاريخية اللغة العربية

إن الاستمرار الذي يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات العالمية على مستوى المعجم والتركيب والصرف، والذي نرى أنه لا يلغي تاريخيتها، دفع مفكرا مثل محمد عابد الجابري إلى أن يؤوله تأويلا يفتقد إلى الدقة، إذ انتهى إلى أن اللغة العربية لغة لا تاريخية وذات طبيعة حسية لا تستجيب لمتطلبات التطور، وذلك لأن جمعها في عصر التدوين اعتمد على ما شاع لدى البدو من ألفاظ.. فانتهى الجابري بهذا التحليل إلى القول إن “الأعرابي هو صانع العالم العربي”.

وقبل أن نناقش هذا القول وندحضه، يجب أن نشير إلى أن نقد الجابري للغة العربية ينبع من غيرته عليها ورغبته في قيامها بكل الوظائف المسْنَدة إليها بوصفها لغة رسمية، وذلك بتبسيط أساليبها وتعريب الحياة العامة لشعوب الدول العربية، من خلال الارتقاء بالعاميات إلى اللغة العربية الواحدة العالمة، قصد تعزيز وحدتنا الثقافية. وربما الذي حدا بالجابري إلى إصدار هذه الأحكام في حق اللغة العربية، التي هي في حاجة إلى تدقيق، هو المنطلق النقدي الذي كان يتبناه في نقده للعقل العربي، إذ تحول النقد لديه إلى غاية في حد ذاته، حتى وإن لم يستحضر حقيقة اللغة العربية كما تمت ممارستها وتداولها، وكما تفاعلت مع واقعها ومع اللغات والثقافات الأخرى عبر التاريخ.

والرغبة في تحقيق هذا الهدف النبيل جعل الجابري يدعو إلى كتابة معجم عربي يدون الألفاظ المستعملة ويتخلى عن تلك المهملة ويهتم باللغة التي تغطي أشياء الحياة اليومية ومستجداتها. وهي دعوة تستبطن أن اللغة يتم تعلمها من المعاجم، وهذا غير صحيح، فاللغة يتم تعلمها من خلال النصوص المنتمية إلى مختلف التخصصات، والعودة إلى المعاجم لا تكون إلا في حالة إذا ما اعترضتنا لفظة لم نفهمها؛ أي إن المعجم عندما يكتفي بضم الألفاظ المستعملة والبسيطة فلن تكون هناك حاجة إليه أصلا. ومعنى ذلك أن المعجم يجب أن يزاوج بين الألفاظ المستعملة والألفاظ “المهملة” التي قد يعود إليها المبدعون فيحيونها من جديد في سياقات مختلفة.

ولسنا في حاجة إلى التدليل على تاريخية اللغة العربية، إذ بالعودة إلى القاموس المحيط للفيرزوآبادي الذي يرجع إلى القرن الثامن الهجري، ومقارنته بمعجم العين الذي يرجع إلى القرن الثاني الهجري، والذي اعتمد عليه الجابري في الخروج بتأويلاته، سنجد أنفسنا إزاء معجم مختلف عن الأول، يقدم فيه الفيروزآبادي شروحا سهلة للألفاظ العربية ويعتني بالألفاظ المولدة والأعجمية والغريبة، ويضم كذلك الأعلام والألفاظ الطبية، وكل ذلك شبيه بما دعا الجابري إلى اعتماده في المعجم المعاصر.

إن اللغة العربية لم تظل على ما كانت عليه منذ عصر التدوين، بل دخلتها ألفاظ ذات علاقة بالزراعة والصناعة والاقتصاد والتجارة والسياسة والعلوم والفلسفة والآداب والدين… وانتقلت إليها ألفاظ تتصل بمظاهر الحياة الحضرية، ولم تقتصر على ألفاظ البداوة كما يقول الجابري. بل أكثر من ذلك انتقلت إليها، في بعض المحطات التاريخية، ألفاظ أجنبية معربة وأخذت مكان الألفاظ العربية الأصيلة التي تم إهمالها. إن اللغة العربية تطورت ما في ذلك شك، لكنها بسبب قوتها وبسبب الاعتبار الذي أحاطها به متكلموها في كل مراحل التاريخ تطورت في حدود تجعلها دائما هي هي وليست لغة أخرى، وهذا ما سمح لها بأن تنتج وتبدع في مجال العلوم والفلسفة والأدب… وأن تقترض منها اللغات الأخرى بما فيها اللغات الأوروبية، فلو ظلت على حالها كما جُمعت من أفواه الأعراب لكانت قاصرة عن تحقيق ذلك.

كل هذا يثبت لنا ضرورة إعادة النظر في القول إن الأعرابي هو صانع العالم العربي، بل صانع العالم العربي منذ خروج العرب من جغرافيتهم الضيقة هو كل الثقافات التي تفاعلوا معها طوال التاريخ، والتي انصهرت داخل بوتقة اللغة والثقافة والحضارة العربية؛ وصانعهم اليوم هو اللغة العربية المنفتحة والمنخرطة في وسائل الاتصال الحديثة، التي اغتنت وتغتني أساليبها بمساهماتها في كل التخصصات التي يتم الاشتغال عليها في كل ربوع جغرافية العالم العربي الواسعة. واتساع هذه الجغرافية هو ما يضمن لهذه المساهمات التنوع والاختلاف والاستمرار وتقاطع المجهودات، وهو كذلك ما يسهم في إمداد اللغة العربية بعناصر القوة من مواقع مختلفة، على الرغم من كل العقبات التي تواجهها والضربات التي تتلقاها ممن يعملون على تقليص حيز وجودها لإخراجها من التاريخ. إن اللغة التي لها كل هذه الخصائص وُجِدَت لتبقى وتظل مُسَاهِمة في صنع الثقافة الإنسانية إلى ما لا نهاية.

Author: PRESS MEDIAS
الشبكة الأورو عربية للصحافة و السياحة Réseau Euro Arab Press et Tourisme شبكة دولية : تنموية، حرة، مستقلة، عامة و شاملة. https://www.youtube.com/ProcureurRoi www.facebook.com/EuroArabe www.facebook.com/groups/EuroArabe 0661.07.8323

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.