ربورتاج: مشاهد من معبر الكركرات.. “بوابة المغرب على افريقيا”

تتشكل بلدة الكركرات في أقصى جنوب الصحراء  من بضعة مبان لا يتعدى كل منها الطابقين، وثلاث محطات وقود ومطعم… ويتركز كل شيء فيها حول الحدود مع موريتانيا على الطريق البري الوحيد الذي يربط المغرب بغرب إفريقيا.

يقول بقال البلدة عزيز “لا يوجد شيء هنا! لا مساكن، لا ماء لا مدارس. الكهرباء تقطع مرتين في اليوم، لكن هناك من يودون فتح فنادق أو متاجر إذا وجدوا دعما”.

وغلى جانب البقالة، اقام هذا المقاول الشاب ما يشبه مقهى رصيفيا صغيرا قبالة متجره يلجأ إليه سائقو شاحنات نقل البضائع الذين يشكلون أغلب زبائنه، فضلا عن بعض المسافرين من وإلى موريتانيا وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

وللوصول إلى موريتانيا على هؤلاء عبور منطقة عازلة أنشأتها الأمم المتحدة للفصل بين القوات المغربية ومقاتلي جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في 1991، بعد نزاع استمر منذ 1975 حول السيادة على هذه المستعمرة الاسبانية سابقا.

هذه النقطة الحدودية الواقعة في قلب منطقة صحراوية قاحلة وصخرية وقريبة من ساحل المحيط الأطلسي، هي التي تبلور فيها مؤخرا التوتر بين المغرب وانفصاليي جبهة بوليساريو في حلقة جديدة من نزاع طويل حول مستقبل الصحراء، المستعمرة الإسبانية السابقة.

في هذه المنطقة العازلة التي تراقبها الأمم المتحدة، تحركت القوات المسلحة الملكية في 13  نوفمبر “لتأمين” ممر أساسي للتجارة.

والهدف كان طرد مجموعة من ناشطي بوليساريو الذين كانوا يقطعون الطريق أمام عابريها، مدعومين بأربع عربات مسلحة، بينما تعتبر بوليساريو هذه الطريق غير شرعية ومناقضة لاتفاق وقف إطلاق النار.

وردت الجبهة المدعومة من الجزائر، على تحرك المغرب بإعلان حرب. وتحتفظ القوات المغربية منذ ذلك الحين بمواقعها في المنطقة بعدما أنهت أشغال تهئيتها وتعبيد الطريق حتى الحدود مع موريتانيا.

وقال رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني في زيارة للكركرات الجمعة “الطريق أصبح اليوم مؤمنا وهذا في مصلحة إفريقيا والمغرب وبلدان الشمال”.

“بوابة إفريقيا”

يؤكد عضو المجلس المحلي المنتخب في بلدة بئر كنذوز المجاورة الفقير خطاط أن “بوابة الكركرات ذات ثقل اقتصادي كبير وتدر مداخيل هامة”، معربا عن ارتياحه “للتحرك المغربي الذي سيعزز الجاذبية الاقتصادية للمركز الحدودي”.

ويأمل أن تستفيد من مشاريع إنمائية في متسوى موقعها “بوابة للمغرب على إفريقيا”، مشيرا إلى “مشروع بناء منطقتين صناعيتين في الكركرات”.

ويأمل الفقير خطاط في أن تساهم هذه المشاريع في إعمار منطقة أوسرد وهي عموم المجال الصحراوي الشاسع المطل على المحيط الأطلسي ذي الكثافة السكانية الضعيفة، وفيه تقع الكركرات.

وكان المغرب أعلن في 2015 إطلاق عدة مشاريع إنمائية في الصحراء في إطار مخطط طموح تقدر قيمته بنحو بعة مليارات يورو ويهدف إلى جعلها “مركزا اقتصاديا وحلقة وصل بين المغرب وامتداده الإفريقي”. ودانت بوليساريو المشروع معتبرة أنه “نهب لثروات الشعب الصحراوي”.

وينسجم هذا المخطط مع توجه المغرب نحو تعزيز علاقاته الاقتصادية مع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وعودته إلى الاتحاد الإفريقي العام 2017.

من بين تلك المشاريع تعزيز البنية التحتية بتوسيع “طريق سريع” على طول ألف كيلومتر حتى مدينة الداخلة على المحيط الأطلسي شمال الكركرات، وإنشاء ميناء “الداخلة الأطلسي” الذي يعول عليه لربط شمال المغرب بموانئ إفريقيا الغربية وجزر الكناري الاسبانية غربا. وتقدر كلفة المشروعين بنحو مليار دولار لكليهما.

“نقطة استراتيجية” 

في طريقها نحو الكركرات تمر شاحنات نقل البضائع من بلدة بئر كندوز الواقعة على بعد نحو 80 كيلومترا شمالا، وتعيش هي الأخرى على وقع الحركة التجارية مراهنة على الاستفادة من ثمارها.

ويقول مدير فندق بالبلدة داودا سين “هذه نقطة استراتيجية دولية يمر عبرها كل الأوروبيين والأفارقة الذين يتجهون نحو إفريقيا الغربية”.

جاء هذا السنغالي (46 عاما) قبل ستة أشهر من الداخلة إلى بئر كندوز “للعمل عل تحسين صورة الفندق ليكون في مستوى دولي”. ويستقبل الفندق في الأوقات العادية نزلاء من مختلف الجنسيات الإفريقية والأوروبية وحتى من الصين، من تجار وسياح.

ورغم تأثر نشاط الفندق بجائحة كوفيد-19 وإغلاق طريق الكركرات من طرف بوليساريو، ما زال داودا يظل مقتنعا بأن بلدة بئر كندوز التي تضم حاليا نحو ألف شخص فقط، تملك من المؤهلات ما يجعلها مركزا سياحيا وتجاريا “أهم حتى من الداخلة”.

ويعبر المركز الحدودي للكركرات حاليا نحو مئتي شاحنة يوميا، تزاحمها أحيانا قطعان إبل يعد رعيها نشاطا أساسيا في الصحراء.