بورتريه أحرضان الزعيم

عندما تحسّر “أحرضان” على عدمِ ضمّ “تندوف” إلى التّراب المغربي

كـأيّ ضابطٍ عسكري تخرّج من مدرسة “البيضا” بمكناس، كانَ يؤمن بأنّ الحرب لا تنتهي إلا باستسلام الخصمِ والسّيطرة على معاقلِ حكمهِ ودواليب “دولتهِ”. في حرب الرّمال عام 1963، وفي غمرة الانتصارات التي حقّقها الجيش في الصّحراء، كان الوحيد الذي أعربَ عن أسفه في تلكَ المرحلة لعدم انتهاز الفرصة لاستعادة تندوف.

قبل إعلان الحرب من الجانب الجزائريّ، ظلّ وزير الدّفاع الأسبق محجوبي أحرضان، الذي توفّي أمس الأحد، ينسّق مع قادة الثّورة الجزائرية حول موضوع الحدود الموروثة من الاستعمار. كان بن بلة يقود هذه المباحثات، غير أنّ الأمور تطوّرت إلى اشتباكات عسكرية انتهت بحربٍ ضروس حقّق فيها المغرب انتصاراً تاريخيا.

وصفَ الجنرال محمّد أوفقير بـ”الوطنيّ” ودعا إلى استرجاع منطقة “تندوف” إلى السّيادة الوطنية، وتدمير مخيّمات البّوليساريو بكتائب عسكرية يقودها هو شخصياً، إنه السّياسي والعسكري السّابق محجوبي أحرضان، الذي توفّي أمس الأحد، بعد حياةٍ طويلة وصاخبة بالأحداث والمواقف.

في ما يشبهُ “استحضار” خيانة رفاق بن بلّة للمغرب عام 1963، يحكي الرّاحل أحرضان في مذكّراته التّاريخية: “كنت أستقبلُ قادة الثّورة الجزائرية في منزلي.. كان بومدين وبوتفليقة من بين الزّوار. قدّمنا للمقاتلين الجزائريين السّلاح لطرد الاستعمار في أشدّ اللّحظات صعوبةً”.

وكان الرّاحل بمعيّة الدّكتور عبد الكريم الخطيب يجوب كل مناطق المغرب لجمع الأموال والتّبرعات من أجل الحصول على الأسلحة التي تمّ تسليمها بعد ذلك “لإخواننا الجزائريين”.. “هؤلاء القادة الجزائريون أصبحوا الآن خصوما”، يقول أحرضان.

حرب “الرّمال” التي قادها الكولونيل المغربي إدريس بن عمر يقول عنها أحرضان، الذي كان وزيراً للدّفاع آنذاك: “نعم حقّقنا انتصاراً ميدانياً غاية في الأهمية، لكننا لم نسيطر على تندوف، لأنه لو تم ذلك لكانت موريتانيا مغربية إلى اليوم”. وبالنسبة لأحرضان، كان يمكن استغلال هذا الانتصار لتسوية مشكلة الصّحراء بشكل نهائي.

أمّا بشأن علاقتهِ بالمهدي بن بركة، فقد شدّد أحرضان على وصفها هذه بـ”المعقّدة”، فبينما كان يقدّر أفكاره ويؤمن بقدراته، رآه أيضًا في أكثر جوانبه غموضًا ورعبًا؛ كان دائما يخاطبه: “نحن لم نحصل على الاستقلال لنفقد الحرّية”، وهي بمثابة صرخة في وجه المهدي بن بركة “الذي كان يتجاهل كل ما من شأنه إفشال مخططاته، لمصلحة الحزب”.

وبالنّسبة لأحرضان، كان مهدي بن بركة “نوعًا من المستذئبين الذين يصطادون في جميع الظروف”، انطلق “سعياً وراء حلم السلطة […] يعتقد أنه معصوم من الخطأ، ومع ذلك، سيطبق عليه منطق بورديو”، موضحًا أنه “يمكن أن يضلل ويخدع أي شخص”، ومضيفًا أنه يأسف على اختفائه إذ قال: “لقد كان قوياً بما يكفي لجعل حزبه أداة للتطور في خدمة البلاد. للأسف، تنتصر اليوتوبيا على الواقع […]”.

وفي ما يخصّ انقلاب الصّخيرات و”البوينغ”، عامي 1971 و1972، ظلّ أحرضان يشكو الطّريقة التي تمّت بها الإعدامات الجماعية، دون محاكمة، ولا احترام لطقوس دفن الموتى، مثل حالة أوفقير، التي طعن في رواية الدّولة الرسمية بأنه “انتحر”..في حين كان موته، حسبه، “بسبب إيمان الجنرال بنظام الحسن الثّاني، وبأنّه لم يعد يؤمن به”.

وبشأن المسيرة الخضراء، يحكي أحرضان أنّ الملك كلّفه بمعية قادة أحزاب آخرين بشرح موقف المغرب من علاقته بالصحراء؛ وهكذا سيسافر إلى إفريقيا (أوغندا وكينيا وتنزانيا وزامبيا ونيجيريا).

والفقيد من مؤسسي حزب الحركة الشعبية بعد استقلال المغرب، بمعية الراحل عبد الكريم الخطيب، وتقلد وظائف حكومية عديدة، إذ عين واليا على الرباط بعد الاستقلال مباشرة.

وأصبح أحرضان الكاتب العام لحزب الحركة الشعبية في مؤتمره الثاني بمراكش، عام 1962، وشارك في 8 حكومات عقب ذلك، ومن بين المناصب التي تقلدها وزير الدفاع في أول حكومة بين 1961 و1964.

في غشت 1964، عين الراحل المحجوبي أحرضان وزيرا للفلاحة ثم وزيرا للفلاحة والإصلاح الزراعي في يونيو 1965، كما عين ما بين فبراير 1966 ومارس 1967 وزيرا للدولة مكلفا بالدفاع الوطني.

وفي 1 مارس 1977 عين الراحل وزير دولة، وفي 10 أكتوبر من السنة نفسها عين وزير دولة مكلفا بالبريد والمواصلات في حكومة أحمد عصمان عام 1977.

كما عين الراحل وزيرا للتعاون في حكومة المعطي بوعبيد عام 1979، وعين وزير دولة في حكومة محمد كريم العمراني عام 1983، بصفته زعيم أحد الأحزاب الستة الكبرى في المغرب.