بورتريه … عبد الرحمان اليوسفي

في حملة انتخابية في التسعينات، زار الراحل عبد الرحمان اليوسفي الحي المحمدي بالبيضاء لدعم المرشح المشترك لأحزاب الكتلة الديمقراطية… لم يشأ القائد الاتحادي أن يخاطب الاتحاديين، انطلاقا من مقر الحزب الرسمي، أو يعتلي منصة سينما “السعادة”، بل فضل التوجه إلى درب مولاي الشريف، وصعود سُلم منزل عتيق، بالكاد يسمح بمرور شخص واحد.
اشتهر اليوسفي بأنه يعيش برئة واحدة، لكن من رآه، آنذاك، في درب مولاي الشريف، يستحيل تصديق الأمر، قبل تقبل الأمر، فمسار اليوسفي الطويل في النضال في عهد الاستعمار الفرنسي، والدفاع عن الديمقراطية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ومعاناته بسبب المنفى وجلسات المحاكمات… جعلت أجهزة جسده قادرة على تحمل الصعاب.
في فبراير 1998، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني، عبد الرحمان اليوسفي، بالقصر الملكي بالرباط، ليعينه وزيرا أول، ثم قال له: “إنني أقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا أنك منذ الاستقلال، لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار، لكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب الكثير من الجهد والعطاء، من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام، حتى نكون مستعدين لولوج القرن الواحد والعشرين”، ثم عرض عليه الملك أن يلتزما معا أمام القرآن الموجود على مكتبه، بالعمل سويا لمصلحة البلاد.
لم ير الاتحاديون اليوسفي متجهما أو غاضبا، ففي حالات “انكساراته السياسية”، إما يبتسم ليضفي غموضا وحيرة أو يتوارى عن الأنظار، وله قاعدة لا يحيد عنها أبدا يرفعها في كل المحن عنوانها “الوفاء”، فقد أوفى بقسمه للملك الراحل الحسن الثاني، كما أوفى لرفاق النضال، ما أكسبه احترام الخصوم السياسيين والأصدقاء.
يحترم المرأة، ويحتفل بعيد ميلادها العالمي، الذي يصادف ولادته بطنجة في 1924، ينضبط للقانون، خاصة أنه حاصل على الإجازة في القانون، وعلى دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية، ودبلوم المعهد الدولي لحقوق الإنسان، وعمل محاميا لدى محاكم طنجة، واختير نقيبا للمحامين بطنجة ، وتولى مهام الكاتب العام المساعد لاتحاد المحامين العرب من 1969 إلى 1990.
تحمل مسؤوليات مهنية كثيرة، لكنه حريص على قيم الوفاء، فلا يتخلى عن أصدقائه، حتى أن صديقا نعاه في وفاته قائلا :” رمز من رموز النضال والنزاهة السياسية والوطنية الأصيلة كأنني أفقد أبي مرة أخرى…”.