آلمني ويؤلمني جدا ما حدث ويحدث بين الفينة والأخرى في فرنسا من عمليات إرهابية خطيرة، وهي عمليات توسعت لتشمل عددا من دول أوروبا، والتي كان من نتائجها قتل أبرياء لا ذنب لهم ولا جريمة سوى أنهم كانوا يقومون بأعمالهم التي أسندها لهم قانون بلادهم .
لكن ما آلمني بقوة هو أن هذه العمليات الإرهابية جاءت على يد مسلمين شباب، بل أكثر من ذلك أن منفذيها كانوا في كل مرة حين يباشرون أعمالهم الإرهابية يبدؤونها ويختمونها بنداء « الله أكبر» .
فكيف وصل الأمر إلى هذا الحال البئيس ؟ أي أخلاق هذه ؟ وأي صراع هذا الذي أدى إلى هذا السلوك الشاذ وهذا الفهم الكئيب للأمور لدرجة إباحة القتل والبطش ونشر الرعب بين الناس ؟ أين الحق ؟ وأين الباطل إذن ؟
بادئ ذي بدء يعيش المسلمون حالة من المشاعر والأحاسيس تجاه دينهم لا مثيل لها عند غيرهم من الشعوب ، إن الدين بالنسبة لهم ليس عقيدة يؤمنون بها ويمارسون شعائرها فقط، بل يشكل هوية تميزهم عن غيرهم من الشعوب، هوية مغروسة في النفوس تطبع مشاعرهم بنوع من الحب المطلق لها بحيث لا يمكن أن يمسهم فيها أحد، وهي ظاهرة عند كل المسلمين صغارا وكبارا بل حتى عند غير الممارسين للشعائر الدينية، لذلك أي مس لرموز هذا الدين يهيج مشاعرهم ويدفع البعض منهم إلى رد الفعل بشكل عنيف .
ومن جهة أخرى إن انقسام العالم اليوم إلى عالم متقدم، متطور هو الغرب، وعالم متخلف ( أو في طريق النمو ) يتجسد في الشرق العربي والإسلامي على العموم، وكون التاريخ الذي ربط هؤلائك بهذا الغرب المتقدم، إلى عهد قريب، هو تاريخ الاستغلال الذي كان نتيجة الاستعمار، خلق في النفوس نوعا من عدم الرضا وعدم القبول يترجمه السؤال الخالد «لماذا حدث هذا وبالتالي وكيف يمكن التخلص من تبعاته ؟». وهذا أدى، عند البعض بالخصوص، إلى تحديد من هذا النوع» أنا لست هو الآخر، والآخر لا يمكن أن يتطابق مع ذاتيتي، إن هويتي أنا هوية خاصة بي «، أنا الإنسان المستغل ( بفتح الغين ) في الماضي والحاضر، أعاني من ظلم وقهر واستعمار جديد، وتحكم بطرق جديدة تختلف عن تلك التي مورست في القديم لكنها من الناحية النفسية أكثر شراسة ووقعا على النفوس .
من هنا لا يمكن أن يمسني هذا الآخر في هويتي، في ذاتيتي تحت أي اسم أو شعار كان، ولو كان باسم حقوق الإنسان .
إن هذه الأفكار موجودة عند الأغلبية الساحقة لكن بدرجات متفاوتة ،وقد تصل إلى الغلو عند المتشددين خاصة هؤلاء الذين يرفضون كل حديث عن ما يسمى « بحقوق الإنسان» ويعتبرونها غربية ودخيلة عليهم .
لكن بين هذا وذاك يلعب البعد السياسي والاستخدام الإيديولوجي لكل هذا دورا كبيرا، فمثلا قد يكون أستاذ التاريخ الفرنسي، الذي قطع رأسه (بضم القاف ) ،»على نياته» لأنه لم يدرك البعد الخطير الذي سيتركه عمله ذاك، لأنه تربى في ظل ثقافة وداخل دولة تؤمن بحرية التعبير بشكل مطلق وبالتالي تضع حدا فاصلا بين الدين والدولة .
لكن منفذ العملية هو أيضا تربى في بيئة وفي ظل ثقافة يسيطر عليها التشدد الديني والقيم المطلقة روحيا وعمليا، ومن هذه الزاوية يرى العالم ويقيم سلوك الغير، إن الآخر بالنسبة له يجب أن يسير على منواله في السلوك وفي التفكير وإذا لم يفعل ذلك فهو عدو له وبالتالي مرفوض إطلاقا ، وإن مسني في عقيدتي فمن واجبي تنحيته .
إن هذا هو أصل المشكل. فما هو الحل ؟ كيف يمكن وضع حد لهذا النزيف الخطير الذي يذكي نار الكراهية والاقتتال الذي لا يحصد سوى أرواح الأبرياء .
من هنا يمكن القول إن قادة الدول وحكامها، سواء كانوا علمانيين أو العكس ، يتحملون المسؤولية الكاملة في كل ما يحدث ، إنهم مسؤولون عن سلوك رعاياهم وتصرفاتهم، لذلك فمهمتهم تكمن في فهم مشاعر كل الألوان والأطياف واحترامها وخلق نوع من التوافق والتقارب والتعايش والتسامح بين الجميع. أما أن ينطق هذا أو ذاك في تصريحات وتواعدات تزيد من تأجيج الوضع فلعمري إن ذلك سلوك لا يمت إلى الرزانة بصلة لأنه سلوك غير محمود في أي قائد .
وإذا كانت حقوق الإنسان كونية وشمولية وغير قابلة للتجزيء وصلت إليها الإنسانية بعدما تخبطت في ويلات من الحروب ( الحرب العالمية الأولى والثانية ) أزهقت فيها أرواح، ودمرت فيها مدن، وتشردت فيها أسر، وأعطب فيها أبرياء، وتدمرت فيها الطبيعة ..،وهي حقوق طبيعية لا يمكن تصور حياة كريمة بدونها، وأولها الحق في الحياة وهو حق غير مشروط ولا حق لأحد كيفما كان أن ينتزعه من الآخر ، من هنا فإن الإرهاب لا مبرر له نهائيا ولا يمكن قبوله على الإطلاق خاصة وأن الضحايا هم دائما الأبرياء .
وإذا كان جوهر حقوق الإنسان، من الناحية الاجتماعية، يكمن في تحقيق الفكرة الأخلاقية التي تتجسد في صيانة كرامة الإنسان في كل أبعادها، من تحقيق للعدالة والمساواة والحرية وغيرها من القيم التي تجسد إنسانية الإنسان، فمعنى ذلك أن الإيمان بحقوق الإنسان وممارستها يتطلب مستوى من النضج الأخلاقي ومن التعقل والإيمان بالغيرية ومن الانضباط للقوانين ومن التسامح وفهم الاختلاف وقبوله ومن كل ما يجعل العيش المشترك ممكنا على اختلاف الديانات والمذاهب والعقائد والإيديولوجيات وغيرها.
من هنا نلاحظ أن أغلبية الممارسين للعمليات الإرهابية هم شباب ذوو تكوين ضعيف ووعي منغلق، لا تتجاوز أفكارهم حدود دائرتهم المنغلقة والضيقة.
إن الانفتاح على العالم والاختلاط بالغير من شأنه خلق نوع من التقارب والتلاقح يؤدي إلى تذويب الفروق والاختلاف، خاصة وأن العالم قد أصبح، بفضل التقنية والتواصل، اللذين يساء استخدامهما من طرف البعض، قرية صغيرة ذات أبعاد متقاربة، وتلك مهمة وهدف يتطلب تحقيقه بذل مجهود من الطرفين معا، وهذا هو الشرط الأساسي لتحقيق العيش المشترك .