بايدن يفوز بسباق الرئاسة في ظل انقسام حاد في أمريكا

من جون وايتسايدز وجوزيف آكس

واشنطن (رويترز) – حسم الديمقراطي جو بايدن سباق الرئاسة الأمريكية يوم السبت بعدما رفض الناخبون بفارق ضئيل القيادة العاصفة للجمهوري دونالد ترامب، في مقابل تعهد بايدن بمحاربة جائحة فيروس كورونا وإصلاح الاقتصاد في بلد منقسم.

وفاز بايدن بأصوات المجمع الانتخابي العشرين لولاية بنسلفانيا ليرتفع عدد الأصوات التي جمعها لأكثر من 270 اللازمة للفوز، مما دفع جميع شبكات التلفزيون الكبرى لإعلانه فائزا بعد أربعة أيام من الإثارة الشديدة في أعقاب الانتخابات التي أجريت يوم الثلاثاء.

وقال بايدن على تويتر “أتشرف وأشعر بالتواضع للثقة التي وضعها الشعب الأمريكي في شخصي وفي (كاملا) هاريس نائبة الرئيس المنتخب. لقد صوت عدد قياسي من الأمريكيين في مواجهة عراقيل غير مسبوقة.

“ومع انتهاء الحملة حان الوقت لتجاوز الغضب والتصريحات القاسية وتوحيد الصفوف كشعب واحد. حان الوقت كي تتحد أمريكا وتبرأ”.

وسارع ترامب، الذي زعم مرارا حدوث تلاعب في الانتخابات دون أن يقدم دليلا، إلى اتهام بايدن “بالتعجل لإعلان فوزه زيفا”.

وأضاف “الانتخابات لم تحسم بعد”.

ويقول مسؤولو الانتخابات بالولايات في أنحاء البلاد إنه لا يوجد دليل على مخالفات كبيرة.

ومع انتشار الخبر، دوت الهتافات والتهليل في ردهات الفندق الذي يقيم فيه مساعدو بايدن وفي أنحاء البلاد.

وبينما تبادل أعضاء الحملة المصافحات بالكوع والعناق في الهواء في الفندق، قال مساعد لبايدن إن الأمر كان “يستحق كل دقيقة” من الانتظار.

ونشرت هاريس تغريدة مصورة لها وهي تهنئ بايدن، قائلة :”نجحنا يا جو!” وستكون هاريس أول امرأة، وأول أمريكية سمراء، وأول أمريكية من أصل آسيوي تشغل منصب نائب الرئيس، ثاني أرفع منصب في البلاد.

وسُمعت أصوات التهليل والتصفيق في ضواحي واشنطن العاصمة. وفي إحدى المناطق، خرج الناس من الشرفات يصيحيون ويلوحون ويطرقون الأواني. وازداد صوت الجلبة مع انتشار الأنباء. وانفجر البعض في البكاء. وبدأ عزف الموسيقى.

وفي حي بدفورد ستويفيسانت في بروكلين صفق الناس، وأطلقوا العنان لأبواق السيارات وأخذوا يصرخون فرحا مع انتشار أنباء انتصار بايدن. ورقص البعض على سلم الطوارئ في أحد المباني، بينما هتف آخرون “نعم” لدى مرورهم عليهم.

كما سارع عدد من زعماء العالم إلى تهنئة بايدن، منهم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو ما يصعب على ترامب بدرجة أكبر مواصلة الزعم بتزوير الانتخابات.

لكن، وفيما يذكر بالانقسام الذي تعانيه البلاد، تجمع قرابة 200 من أنصار ترامب قرب كونجرس ولاية ميشيجان في لانسينج للمطالبة بإعادة إحصاء الأصوات.

وجاء إعلان شبكات التلفزيون عن فوز بايدن وسط مخاوف هيمنت على فريق ترامب حول استراتيجيته للمضي قدما، وضغوط عليه لاختيار فريق قانوني أكثر احترافية لتوضيح أين يعتقدون أن التلاعب بالأصوات قد حدث ويعرض الأدلة على ذلك.

وقال أحد الموالين لترامب إن الرئيس المنتهية ولايته غير مستعد للإقرار بالهزيمة حتى رغم أنه لن يتم استبعاد ما يكفي من الأصوات في إعادة الفرز لتغيير النتيجة.

وقال مسؤول بحملة بايدن إنه من المتوقع أن يلقي كلمة إلى الأمة بعد الساعة الثامنة مساء بالتوقيت المحلي (الواحدة صباح الأحد بتوقيت جرينتش) من مسقط رأسه ويلمنجتون في ولاية ديلاوير.

* مهمة شاقة بالانتظار

يدخل بايدن البيت الأبيض يوم 20 من يناير كانون الثاني، كأكبر رئيس يتولى السلطة في عمر 78 عاما، وسيواجه على الأرجح مهمة شاقة في حكم بلد يعاني من الاستقطاب الشديد، وهو ما برز من خلال الإقبال القياسي على التصويت في معركة حتى النهاية.

وقال مركز إديسون للأبحاث إن بايدن، النائب السابق للرئيس، جمع 273 صوتا من أصوات المجمع الانتخابي مقابل 214 لترامب، وذلك بعدما اقتنص أصوات المجمع عن ولاية بنسلفانيا، ليتجاوز حد 270 صوتا المطلوب للفوز.

ولتحقيق الفوز، واجه بايدن تحديات لا مثيل لها من بينها محاولات قادها الجمهوريون للحد من التصويت عبر البريد فيما أدلى عدد قياسي من الناخبين بأصواتهم بهذه الطريقة بسبب الجائحة التي راح ضحيتها أكثر من 235 ألفا في الولايات المتحدة.

ووصف الجانبان انتخابات 2020 بأنها أحد أهم الانتخابات في التاريخ الأمريكي وعلى نفس القدر من الأهمية مثل الانتخابات التي جرت أثناء الحرب الأهلية في الستينيات والكساد الكبير في الثلاثينيات.

وعلى مدى شهور أثار مسؤولون من الجانبين مخاوف من عدم القدرة على إجراء انتخابات نزيهة في الولايات المتحدة. لكن التصويت تم في مراكز الاقتراع دون مشاكل كبيرة في نهاية المطاف. وعمل الآلاف من مراقبي الانتخابات من الحزبين لأربعة أيام لضمان فرز الأصوات.

وتحقق فوز بايدن بدعم قوي له من جماعات من بينها النساء والأمريكيون من أصل أفريقي والناخبون البيض الحاصلون على درجات جامعية وسكان المدن. وتفوق على ترامب في التصويت الشعبي على مستوى البلاد بفارق أكثر من أربعة ملايين صوت.

وسيرث بايدن، الذي قضى 50 عاما في الحياة السياسية كسناتور ثم كنائب رئيس في عهد باراك أوباما سلف ترامب، بلدا يعاني الاضطرابات بسبب جائحة فيروس كورونا والتباطؤ الاقتصادي بسببها وكذلك احتجاجات على العنصرية ووحشية الشرطة.

وقال بايدن إن وضع خطة لاحتواء الجائحة والتعافي منها يأتي على رأس أولوياته ووعد بالعمل على توفير الفحوص بشكل أكبر والامتثال لنصائح مسؤولي الصحة العامة والعلماء بخلاف ما كان يفعله ترامب.

كما تعهد أيضا بإعادة البيت الأبيض إلى حالته الطبيعية بعد فترة رئاسية أشاد ترامب خلالها بزعماء أجانب مستبدين ولم يحترم تحالفات عالمية قائمة منذ وقت طويل ورفض التبرؤ ممن يؤمنون بتفوق العرق الأبيض وألقى بظلال من الشك على النظام الانتخابي في الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من فوزه، فقد بايدن فشل في تحقيق نصر ساحق على ترامب كان الديمقراطيون يأملون به مما يعكس الدعم الشديد الذي لا يزال ترامب يحظى به رغم سنواته الأربع المضطربة في المنصب.

وقد يعقد هذا الأمر من الوعود التي قطعتها حملة بايدن الانتخابية لتفكيك أجزاء رئيسية من إرث فترة ترامب، من بينها التخفيضات الضريبية الكبيرة التي أقرها ترامب واستفاد منها الأغنياء والشركات على نحو خاص وكذلك سياسات الهجرة الصارمة وجهوده لإلغاء قانون أوباماكير للرعاية الصحية لعام 2010 وانسحابه من اتفاقيات دولية مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران.

وإذا واصل الجمهوريون هيمنتهم على مجلس الشيوخ، فإنهم سيعرقلون أجزاء كبيرة من الأجندة التشريعية لبايدن بما في ذلك توسيع نطاق الرعاية الصحية ومحاربة تغير المناخ. وقد يتوقف هذا على نتيجة أربعة سباقات غير محسومة بعد على مقاعد في المجلس من بينها سباقان في ولاية جورجيا.

* “يحاولون سرقة انتخابات”

وبالنسبة لترامب (74 عاما)، يمثل فوز بايدن نهاية مزعجة لصعود سياسي مذهل. وكان ترامب، المطور العقاري الذي اكتسب شهرة على مستوى البلاد بوصفه من نجوم تلفزيون الواقع، قد فاز على الديمقراطية هيلاري كلينتون في عام 2016 بعد أول ترشح له لمنصب بالانتخاب. وبعد ذلك بأربع سنوات، أصبح أول رئيس أمريكي يخسر مسعاه للفوز بفترة ثانية منذ الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب عام 1992.

ورغم قيوده شديدة الصرامة على الهجرة، حقق ترامب نجاحات في أوساط الناخبين من أصول لاتينية. وفاز بولايات حاسمة مثل فلوريدا حيث لقي تعهده بإعطاء الاقتصاد أولوية حتى إذا كان ذلك يعني زيادة خطر فيروس كورونا صدى على ما يبدو.

لكن ترامب فشل في النهاية في توسيع نطاق تأييده خارج الناخبين البيض في المناطق الريفية وأبناء الطبقة العاملة الذين يؤيدون شعبويته اليمينية وشعار “أمريكا أولا” الذي يرفعه.

وقبل الانتخابات، رفض ترامب الالتزام بنقل السلطة سلميا إذا فاز بايدن وتمسك بهذا الموقف. وأعلن فوزه بالانتخابات دون سند وقبل استكمال فرز الأصوات بكثير.

وقبل توقع فوز بايدن ومع تراجع فرص فوز ترامب بالرئاسة لفترة أخرى مع استمرار فرز الأصوات، شن الرئيس هجوما غير معتاد على العملية الديمقراطية من البيت الأبيض يوم الخميس وادعى دون سند أن الانتخابات تُسرق منه.

ودون أي دليل، هاجم ترامب العاملين في الانتخابات وزعم وجود تزوير في الولايات التي جعلت بايدن أقرب للفوز بفضل نتائج أصوات لم تكن قد فُرزت بعد.

وقال ترامب يوم الخميس “الوضع هو أنهم يحاولون سرقة انتخابات”.

وحث بايدن على الصبر لحين فرز الأصوات ورد على تويتر قائلا “لن يسرق أحد ديمقراطيتنا منا.. لا الآن ولا في أي وقت”.

(إعداد مصطفى صالح وياسمين حسين للنشرة العربية – تحرير نادية الجويلي)