ماكرون وفزاعة الإسلام؟

خالد فتحي

لم تفاجئ خرجة ماكرون حول ما اعتبره أزمة يعيشها الاسلام في كل بقاع العالم، المطلعين على خبايا وشجون السياستين الداخلية والخارجية لفرنسا.فالرجل الذي كان فألا سيئا على الفرنسيين منذ تسنمه للإيليزي ،والذي يواجه أعاصير وزلالزل اجتماعية عديدة ، كثورة السترات الصفراء، وسوء تدبيره لجائحة كورونا، كان لابد له أن يلجأ للحل القديم الجديد الذي يهرع اليه عادة كل من تعوزه الحيل في البحث عن طوق النجاة بصناعة عدو وهمي لشعبه، يصرف به الأنظار عن إخفاقات الداخل، ويرص به الصفوف غير المتماسكة بعد غزوة الكورونا ،وقد يحرز على ظهره بعض المكتسبات الانتخابية ،وهو ماينطبق بالحرف على حالة ماكرون الذي يوجد على مشارف انتخابات 2022.زد على ذلك أن اصطدامه المتكرر بتركيا التي تسعى لأن تحل محل الاسلام الوهابي المتراجع.
وتجد أيضا لإحياء العثمانية الحديدة ، وتواجههما في عدة مناطق كليبيا و سوريا ونيجيريا والبحر المتوسط،و نهج التعالي المذل للداهية اردوغان في مخاطبته له تصويره عديد المرات رئيسا، غير ند له، عديم التجربة، وضعيف المراس ،ثم كونه قد نصب نفسه عرابا للحل السياسي بلبنان حيث يواجه الحضور الطاغي لحزب الله ،كل ذلك مثل دواعي خارجية إضافية ورطته في الحديث بشكل فج عن الاسلام خالطا بين الدين والوضع الذي قد يعيشه المنتسبون لهذا الدين ،وهو ماجعله ينبري لاجتراح حلول من خارج الصندوق لما يعتبره أزمة في الإسلام .


هناك بطبيعة الحال عدة اسئلة حول هذه الخرجة الشعبوية المحسوبة ماكارونيا بمعيار الربح والخسارة الانتخابين تطرح علينا نحن المسلمين:


أولها: هل من حق الرئيس الفرنسي أن يفكر للاسلام من خارج نسقه لمجرد أن بفرنسا ستة ملايين مسلم؟؟.
هل الاسلام فعلا في أزمة كما يدعي ماكرون ،ام أن المسلمين هم من يوجدون في ازمة؟؟.ام أننا لا نشكو من أية مشكلة كدين ولا كمتدينين!!، فكل هذه الحركات والهجمات لا تعكس إلا أزمة القائمين بها، بل و ليست سوى مؤامرات يائسة لن تطفئ وهج الاسلام الذي سيتم ويترسخ أكثر في كل بقاع العالم؟؟
جرأة ماكرون في الخلط بين الاسلام كدين وبين أوضاع المسلمين التي يعود جانب كبير منها باعتراف عقلاء الغرب للنظام العالمي الغاشم، لا ينبغي أن تنسينا في غمرة حماسة الرد عليه، أننا كمسلمين نعيش فعلا في أزمة، وهي أزمة نقر بها ،ابتدأت منذ أغلقنا باب الاجتهاد قبل سبعة قرون، و تأكدت منذ أن أفقنا على صدمة الحداثة لما دكت مدافع نابليون أسوار القاهرة ، وانهزم المغاربة في معركةإيسلي دفاعا عن الجزائر التي كان يكتسحها آنذاك الاستعمار الفرنسي ، ووعيناها منذ أرسل بعدئذ كل من محمد علي والحسن الأول البعثاث الطلابية الأولى المصرية والمغربية الى الغرب لتدارك الانحدار الكبير الذي كانت تعيشه مجتمعاتنا على جميع المستويات علمية كانت ام اجتماعية او اقتصادية ام عسكرية ، إنها نفس الأزمة التي عناها الأمير شكيب أرسلان حين أطلق صيحته المدوية بعد أن اكتشف أن المسلمين قد صاروا خارج التاريخ : لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ، و هي نفسها التي جعلت الإمام محمد عبده يهب لتجديد الفقه الاسلامي ،و دفعت كلا من علال الفاسي والطاهر عاشور لإحياء علم المقاصد لأجل قراءة محينة لأحكام لاسلام الصالح لكل زمان ومكان.
أزمة المسلمين هي هذا الانقسام الشيعي السني الذي يغذي الفرقة ،و هذه النسخ الجهادية الإرهابية التي تخلقت في دهاليز الغرب، وادعت نسبها زورا الى الإسلام. و هي عجزنا نحن المسلمين في إظهار الوجه الحقيقي للإسلام دينا للرحمة والتسامح والرفق والسلم والسلام والوسطية والاعتدال.
ومع ذلك فالرئيس الفرنسي أخطأ في مقاربته عندما اتهم الاسلام كدين، وعندما عمم حكمه على جميع بلدان العالم الإسلامي متغافلا عن النهضات التي تعرفها عدد من المجتمعات الإسلامية ،فوقع في فخ التنمر، مرتكبا خطأ محاولة تفصيل إسلام على المقاس الفرنسي يكون للجميع في بلدانه الأصلية رغم أننا نعتبر الإسلام دينا عالميا مفتوحا لجميع البشر والأعراق ،إلا أنه مع ذلك لايمكن تطويره إلا باجتهادات تكون من صلبه لا من خارجه.
ماكرون لم يستثن الاسلام الوسطي المعتدل، بل أخذه بجريرة الاسلام الجذري المتطرف من مثل داعش وبوكو حرام …و الذي تتحمل الدول الغربية جزءا كبيرا في صناعته ضدا على روح الشريعة السمحاء وخدمة لمصالحها ونفوذها الإمبريالي المستمر.
ماكرون يستثمر ولا شك في الاسلاموفوبيا ،فيزرع أمام أنظار الفرنسيين فزاعة الإرهاب الإسلامي سعيا وراء الكسب السياسي، فيفضح بذلك جانبا من العلمانية الفرنسية الشاملة التي تلاحق الدين داخل المجتمع لتحل مكانه النموذج المادي التفكيكي للانسان.شاهرا في الحقيقة أزمة هذا النوع من العلمانية الصلبة الذي يميل إلى تحميل المسلمين الفرنسيين والمهاجرين من الجيل الثاني والثالث أخطاء السياسة الفرنسية التي لم تنجح في ادماجهم في جمهورية تقول أنها علمانية وان شعارها ، حرية، إخاء ،مساواة ،وهو بالتالي يؤخر جبر مظلومية هؤلاء الذين ساهم آباؤهم في بناء فرنسا والدفاع عنها ،لكنهم وجدوا أنفسهم في بؤس الضواحي يعانون التميز والفقر والاغتراب. بل وأكثر من ذلك تحولوا اليوم الى موضوع للمزايدة الانتخابية.
الجريمة النكراء التي اقترفها الشاب الشيشاني قد ادانها كل العالم الإسلامي، وكما يطالب الغربيون عدم تحميلهم أخطاء وتجاوزات سياسات حكوماتهم تجاه العديد من بقاع العالم الإسلامي، يتعين أن لايحملوا الاسلام والمسلمين وزر مايقترفه بعض المتطرفين المتشددين. هكذا تقطع الشعوب الطريق على الإرهاب وتفوت الفرصة على الإرهابيين.
الحقيقة الساطعة أن الرئيس الفرنسي بحصيلته البائسة التي تضافرت على هزالتها عوامل من صنعه، وأخرى خارجة عن إرادته، يغتنم الفرصة السانحة بعد الهجوم الأخير على شارلي ايبدو ،وبعد الجدل الساخن الذي خلفه مرور الفرنسية من أصول مغربية مريم بوجيو أمام الجمعية الوطنية بحجابها ،للقفز على الحائط القصير، ومغازلة جهات معادية للوجود المسلم بفرنسا وأوروبا، فهو يعرف جيدا أنه قد فقد كل الزخم الذي قاده الى رئاسة فرنسا.لايمكنه الآن أن يعول على أصوات اليسار، ولا على أصوات الطبقة الوسطى، لفشله الذريع اقتصاديا واجتماعيا وصحيا، وبالتالي هو يسعى لتعويض النزيف الكبير في شعبيته، بأن صار يخطب ود اليمين المتطرف منازعا مارين لوبين في كتلتها الانتخابية لخلط الأوراق تمهيدا لولاية ثانية.
ان خطاب ماكرون يؤشر في عمقه للأزمة الأخرى القادمة في فرنسا، حيث ستتضبب الصورة اكثر أمام الناخب الفرنسي، و ينضب معين الحلول الممكنة ،وتتشابه الخطابات والبرامج حين سيتبنى كل الفرقاء تقريبا الخطاب القومي الانكفائي المتعصب الذي تغذيه أزمة كورونا ،والذي سيكون أول ضحاياه الوجود الفرنسي الفرنكفوني في المستوطنات السابقة الذي سيستمرفي الضمور والتراجع .
خطاب ماكرون خطاب يعلن أزمة خانقة للنخبة الفرنسية، ومن ورائها للنخب الأوروبية وللغرب الذي يرى لواء قيادة العالم يتزحزح نحو الشرق وتحديدا نحو الصين هذا الغرب الذي يتعين عليه أن يبدع فلسفة جديدة تقطع مع التوحش العلماني والليبرالية المتوحشة إذا أراد أن يستمر في ريادة العالم ، لأن الهروب الى الأمام وتوظيف النعرات الدينية لايؤدي إلا إلى مزيد من الاستقطاب والتوتر الذي سيزيد أزمات العالم .