نزع ملكية الأراضي السياحية وشرعيتها

راهنت الحكومات ببلادنا على قطاع السياحة وأعطته الأسبقية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك منذ منتصف الستينات من القرن الماضي ، وكان عليها اتخاذ تدابير متعددة منها توفير الأراضي لاحتضان المحطات السياحية التي سيأوي إليها السياح ، وذهبت السلطات العمومية إلى أن أولوية النهوض بالسياحة والمصلحة العامة للبلاد يعطيها الحق في نزع ملكية هذه الأراضي وأنه على الإدارات أن تتدخل لدى الجهات المعنية كمصالح الأملاك المخزنية ، والأوقاف، والجماعات المحلية وغيرها لتشجيع الاستثمارات السياحية [1].

عملا بمخطط 1965/1967السياحي قامت السلطات العمومية بنزع ملكيات أراضي بشواطئ الحسيمة وتطوان وطنجة لإحداث محطات بشرق طنجة على مساحة تقدر ب 330 هكتار، وبشواطئ الحسيمة وبشواطئ الرأس الأسود والمضيق وواد سمير ورستنكة بتطوان تبلغ مساحة الأراضي بها مئات الهكتارات .

تم تفويت أراضي شواطئ الحسيمة وتطوان إلى صندوق الإيداع التدبيرCDG قامت بإنشاء شركات تابعة لها لإحداث منشآت فندقية بهذه الشواطئ وتشجيع الإستثمارات السياحية بها، أما أراضي شاطئ طنجة مالا باطا فاستفادت منها الشركة الوطنية لتجهيز خليج طنجة SNABTلنفس الغرض ورثتهما بعد ذلك الشركة المغربية للهندسة السياحيةSMIT التابعة لوزارة السياحة .

عند نهاية السبعينات تبين فشل مشروع السياسة السياحية الشاطئية بالأقاليم الشمالية لأسباب متعددة [2]، ورغبة من السلطات العمومية تشجيع الاستثمارات السياحية أصدرت سنة 1983 قانون للاستثمارات يبيح للمستثمرين الحصول على بقع أرضية لإحداث منشآت إيوائية سياحية وترفيهية والحصول على مكافآت مالية وامتيازات قانونية شريطة أن تكون هذه المؤسسات مصنفة شأنها شأن الفنادق، إلا أن قانون التصنيف هذه المؤسسات يشمل المخيمات والمطاعم والحانات وغيرها لم يتم إصداره إلا سنوات بعد ذلك ووجدها” المستثمرون” فرصة فتسابقوا للحصول على المزيد من البقع الأرضية ، ومنهم من بالغ في تقدير كلفة تحقيق مشاريعه للحصول على مكافآت مالية وتخفيضات ضريبية مهمة ، ومنهم من جمد المشروع بحجة عدم قدرته على تمويله، ومـــنهم من أعاد بيع هذه

البقع بأثمان مرتفعة، وتحولت بذلك فضاءات اطئية إلى أحياء سكنية وليست إلى محطات سياحية [3].

لا نعرف بالضبط مجموع مساحة الأراضي التي تم نزع ملكيتها بشواطئ تطوان وطنجة والحسيمة ، وما مساحة الأراضي التي أقيمت عليها حقا الفنادق السياحية ، ولا المساحات التي تم تفويتها لإقامة الفيلات والأحياء السكنية ، ولا مساحة الأراضي المتبقية ، إن هذه المعلومات يمكن لوزارة السياحة الإفصاح عنها أو مؤسسة صندوق الإيداع       التدبير، ولا يظن العديد منا أن يتم الإفصاح عن هذه المعلومات رغم أن حق الاطلاع على المعلومات ضمنتها القوانين ، كما يمكن للجماعات الحضرية صاحبة جزء مهم من هذه الأراضي المطالبة باسترداد الأراضي الباقية وبالأراضي والتي لم يتم استغلالها لأغراض سياحية .

بعد سنة 2000 راهنت الحكومات مرة أخرى على قطاع السياحية لتجعل منه محركا اقتصاديا واجتماعيا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك من خلال رؤيتي 2010 و2020 لتحويل المغرب إلى أهم الوجهات السياحية الشاطئية ، ومن ثم فإن عمليات توفير الأراضي لاحتضان المحطات الشاطئية الجديدة لم تواجهها صعوبات ؛ فهذه الأراضي كانت في ملكية الدولة أو لمؤسسات تابعة لها كإدارات الأملاك المخزنية والمياه والغابات والأملاك البحرية والأوقاف الخ. وبعملية حسابية بسيطة فإن مجموع المساحات الأرضية لمشاريع المحطات الشاطئية لرؤية 2010 بلغت3099 هكتار وذلك على الشكل التالي:

محطات تغازوت السعيدية العرائش الجديدة الصويرة كلميم
مساحة/ هكتار 615 713 451 504 580 632
عدد الأسرة 21000 29610 12000 11276 17100 30000

لم يتوقف الأمر على مشاريع هذه المحطات بل أضيفت إليها مشاريع محطات أخرى كما يلي :

محطات كالا إيريس واد شبيكة بالحسيمة تنفيتبأكدير مار شيكابالناظور ورززات
مساحة / هكتار 339 500 200 * 374
الأسرة 11184 15000 3000 12097

إذا استثنيا مشروع مار شيكا بالناظور  ومشاريعه الكبيرة فإن مجموع مساحات أراضي المحطات الإضافية بلغت

1413 هكتار ، أما الانجازات فخلال نهاية سنة 2010 لم يتعد عدد الأسرة التي أمكن تحقيقها 4550 سريرا، منها : 3550 منها بمحطة السعيدية و1000 بمحطة الجديدة ،  مقارنة مع 130 ألف سرير التي توقعتها الرؤية أي تحقيق

نسبة 3,5في المائةفقط دون احتساب مشاريع المحطات  الخمس الأخرى الإضافية لم يتم تحقيقها.

أعلنت صحف وطنية ( زارت أوراش إحداث  محطة السعيدية  ) عن أن الأمر كان يقتصر على بناء فندق أو فندقين، وأنه  ليست هناك بيانات حول إنجاز باقي الفنادق الأخرى؛ وأضافت أن المشاريع الأخرى كالفيلات والإقامات هي الواجهة المحجوبة من جليد مشروع محطة السعيدية يمتد على 7 كيلومترات من شواطئ ممتازة على الواجهة المتوسطية ، وأن نصف هذه الأراضي كان من المنتظر أن يحتضن منشآت فندقية .

ولاحظت هذه الصحف أيضا أن مجموعة فاديصا تولت إقامة هذا  المشروع بشروط سخية من بينها اقتناء هذه الأراضي بثمن رمزي يتراوح ما بين 0.5 إلى 1 أورو للمتر المربع ؛ والتزمت الدولة بمساعدة المستثمرين في عمليات شراء بقع هذه الأراضي بنسبة50%عملا بمقتضيات الاتفاق/التطبيق الرؤية وباتفاقيات بين وزارة الاقتصاد والمالية والخصخصة والسياحة وصندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ؛ هذا  زيادة على مزايا أخرى منها  الإعفاء من الحقوق الجمركية ، والتخفيضات الضريبية لاستيراد معدات التجهيز الخ.[4].

فشل مشروع المحطات الشاطئية لرؤية 2010 لأسباب متعددة منها الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة2008وتداعيات ما بعدها ، وبسبب انسحاب  المنعشين الأجانب الخواص الذين استفادوا من تفويت عمليات تجهيز وإحداث المشاريع السياحية بهذه المحطات[5]فقامت السلطات ( في إطار رؤية 2020) بتفويت مهمة إنجاز هذه المحطات إلى شركات شبه عمومية – كما كان الأمر سابقا خلال منتصف الستينات – أي إلى  كصندوق الإيداع التدبير CDG والشركة المغربية للهندسة السياحيةSMIT كما تمت مراجعة وتخفيض مشاريع المحطات الشاطئية[6] ، وهذا يعني تكرار تجربة مشاريع المحطات الشاطئية بالأقاليم الشمالية خلال الستينات والسبعينات[7]حيث قام أإلب المستثمرين ببناء الإقامات والفيلات بدل الفنادق والمركبات السياحية .

لم نعد نسمع أو نقرأ كثيرا عن مشروع المخطط الأزرق ولا عن إنجازاته الذي أعلن عنه منذ حوالي 20 والتزمت بتحقيقه الحكومات والقطاع الخاص أمام ملك البلاد ، وكل ما نخشاه أن تتحول آلاف الهكتارات من أراضي هذا

المخطط إلى مشاريع أحياء سكنية والمضاربة في هذه الأراضي التي تم نزع ملكيتها بدعوى المصلحة العامة للبلاد.

إنه من حق المواطنين المغاربة أن تقوم وزارة السياحة مثلا بإعطاء البيانات الكافية عن مشروع المخطط الأزرق وعن مساحات الأراضي التي استقبلت هذا المشروع والمساحات الباقية وكل البيانات الأخرى، ومن حق أصحاب هذه الأراضي من الجماعات المحلية وغيرهم مقاضاة الشركات التي لم تلتزم باحترام أهداف الأراضي التي استفادت منها وإرجاعها إلى أصحابها.

إن نزع ملكية الأراضي من أصحابها لا يطرح فقط مصداقية تخصيص هذه الأراضي فعلا للمشاريع السياحية والمضاربة فيها  ، بل يطرح أيضا تساؤلات وإشكاليات متعدد منها :

+ إذا سلمنا أن نزع ملكية الأراضي للمصلحة العامة كبناء المساجد والطرق والقناطر والمؤسسات التعليمية والمستشفيات الخ. فهل تفويت الأراضي (بعد إعدادها بأموال الخزينة العمومية ) إلى مستثمرين بأثمان رمزية ليجنوا منها أرباحا هي مصلحة عامة أو مصلحة فردية ؟

+ هل يتم نزع ملكية الأراضي للمصلحة العامة برضا صاحب الأرض أم بقوة القوانين ؟،

+ هل التعويض الذي يحصل عليه صاحب الأرض يساوي ثمنها الحقيقي في السوق أم يتم نزع ملكيات أراضي اليتامى والفقراء لتشجيع المستثمرين الأغنياء لإقامة مشاريعهم ؟،

+ وهل عملية نزع ملكية أراضي أوصى بها أصحابها لتكون لهم صدقة جارية لفائدة مستحقيها [8]أم يستفيد من هذه الأراضي مستثمرون أغنياء لإقامة كازينوهات وأندية ليلية وحانات لا تتوافق مع شريعة ومبادئ المواطنين ؟ .

قد يختلف البعض منا هل نزع ملكيات الأراضي من أصحابها وتفويتها لمستثمرين أغنياء لإقامة مشاريعهم بها ليزدادوا ثراء هي مصلحة عامة أم لا ؟  ولكننا كمسلمين علينا أن نرجع إلى قوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم الْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ  )[9] ، أي أن تكون عملية البيع عن طيب خاطر وتراضي بين البائع والمشتري ليس  فيها غبن ولا ظلم ، كما يجب علينا أن نقف عند وعيد قول النبي صلى الله عليه وسلم ” من أخذ شبرا من الأرض بغير حق طوقه الله في سبع أرضين يوم القيامة.”[10]،وعلى قوله ” لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه ”

إسماعيل عمران

[1]الوزير الأول .وزارة الشؤون الاقتصادية والتخطيط وتكوين الإطارات . التخطيط الثلاثي 1965/1967 .

[2]كتاب ” التنمية السيحية بالمغرب : تطلعات وتحديات ومفارقات ” إسماعيل عمران 2009

  • كتاب ” السياسة السياحية بالمغرب : إشكاليات وتداعيات وبدائل ” اسماعيل عمران 2018

[3]نزع ملكية أرضي الشواطئ التطوانية والمضاربة فيهاhttps://tetouanplus.com/74745.html

[4]رؤية 2010 الاتفاق/التطبيق المادة 38 . السياسة السياحية بالمغرب :تطلعات وتحديات ومفارقات . إسماعيل عمران 2009

[5]السياسة السياحية بالمغرب : رؤية 2020إخفاقات متواصلةhttp://tetouanplus.com/news22250.html

  • كتاب ” السياسة السياحية بالمغرب : إشكاليات وتداعيات وبدائل ” اسماعيل عمران 2018

[6] رؤية 2020 . نفس المصدر

[7]رؤية 2010 . السياسة السياحية بالمغرب : إشكاليات وتحديات وبدائل ” إسماعيل عمران 2018

[8]جاء ذكرهم في آية 60 من سورة التوبة

[9] سورة النساء 29

[10] حديث رواه البخاري ومسلم.