ضحايا القروض الصغرى بالمغرب بين مطرقة مؤسسات القروض الصغرى وسندان تبعات الأزمة الصحية والاقتصادية

لم تتوقف تهديدات مؤسسات القروض الصغرى لمقترضي ومقترضات السلفات الصغيرة مند دخول البلد حالة الطوارئ الصحية. ولجأت هذه المؤسسات إلى ممارسة أساليب تحط من كرامة الزبناء” العاجزين عن السداد. ولم تتوانى عن دق مضاجع فقراء مثقلين بالقروض ومنهكين بتداعيات الجائحة وارتفاع تكاليف ضرورات العيش. تقوم هذه المؤسسات باتصالات يومية بالمقترضين والمقترضات وفي جميع الأوقات وطيلة أيام الأسبوع، وتستدعيهم لوكالاتها وتضغط عليهم وعليهن من أجل أداء الأقساط الشهرية مستعملة جميع أنواع الحيل والخداع. بل وتلجأ الى الترهيب والتهديد والقدوم إلى المنازل ومقرات العمل وتشويه السمعة أمام الجيران والأقارب، والتلويح بتقديم الملفات للمحاكم. إن مؤسسات القروض الصغرى توظف كل جبروتها لترويع حاملي السلفات الصغيرة من مفقري الشعب المغربي بالمدن والقرى وتعصرهم لاستخراج فوائدها الفاحشة.

لقد سببت مؤسسات السلفات الصغيرة وفي ظل أوضاع القهر التي عمقتها جائحة كورونا مآسي اجتماعية جمة وأزمات نفسية كبيرة لضحايا قروضها. كما حطمت آمالهم في الخروج من دائرة الفقر، وعمقت فقرهم واستدانتهم. وأصاب الإفلاس غالبية مشاريعهم الصغيرة التي تفتقر إلى مقومات النجاح والاستمرار في سوق تحتكرها مشاريع الرأسمال الكبير. ويحقق مالكو هذه المؤسسات وكل المستثمرين الماليين في سوق التمويل الصغير أرباحا طائلة.

لم تكلف لجنة اليقظة الاقتصادية المكلفة بتدبير أزمة الجائحة نفسها عناء التفكير في مصير آلاف مقترضي قطاع التمويل الصغير وأسرهم. ولم تقر أي إجراء يقضي بتمتيعهم بحق تأجيل سداد القروض الصغرى وبمدة كافية وموحدة المعايير، وتستجيب لصعوبة وضعهم الاقتصادي والاجتماعي. واستغلت مؤسسات القروض الصغرى هذا الوضع لتكثيف تعدياتها وظلمها. وأفاد المتصلون والمتصلات بجمعية أطاك المغرب أن هذه المؤسسات تعمل على جعلهم يوقعون عقود قروض جديدة وبفوائد جديدة لتسديد الأقساط غير المستخلصة. إنها تستغل شروط العجز التي يوجد فيها ضحاياها لتنشيط استثمار محفظة القروض وبيعها من جديد بشروط مجحفة وقاهرة.

 إننا في جمعية أطاك المغرب وأمام خطورة الأوضاع التي يعيشها مقترضو ومقترضات السلفات الصغيرة بالمغرب نعيد التأكيد على ما يلي:

–          استنكارنا للضغوط النفسية الرهيبة التي تمارسها مؤسسات التمويل الصغير في حق المقترضين والمقترضات غير القادرين على استئناف أداء القروض والتي نعتبرها غير محتملة في الظرفية الراهنة.

–          شجبنا للممارسات التعسفية التي يقوم بها وكلاء مؤسسات القروض الصغرى والتي تتنافى مع مساطير استخلاص الأقساط.

–          ضرورة إصدار تدابير عاجلة تمنح المقترضين والمقترضات حق وقف سداد القروض لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد ودون احتساب الفوائد والرسوم المترتبة عن التأخر في السداد.

–          مطالبتنا بسن تعويضات مالية شهرية لا تقل عن الحد الأدنى للأجور لمن تضررت مداخلهم بشكل كبير أو فقدوا مناصب شغلهم جراء الجائحة.

–          تأكيدنا على مسؤولية الفيدرالية الوطنية لجمعيات القروض الصغرى وبنك المغرب عن تفاقم أوضاع مقترضي ومقترضات السلفات الصغيرة، وعن النتائج الاجتماعية لضغوطات مؤسسات القروض الصغرى وتعسفاتها.

–          تأكدينا على حق مقترضي ومقترضات السلفات الصغيرة في تنظيم أنفسهم للدفاع عن حقوقهم.

–          دعوتنا كافة الهيئات الديمقراطية المدافعة عن حقوق الانسان إلى التضامن مع متضرري ومتضررات نظام القروض الصغرى.

      السكرتارية الوطنية

2020/07/10

أطاك المغرب. جمعية تضريب المعاملات المالية من أجل الفعل المواطني. عضو الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية
المقر المركزي: رقم 140، زنقة القاضي البريبري، حي العكاري، الرباط. المغرب  البريد:  attac.cadtm.maroc@gmail.com ا
لموقع :www.attacmaroc.org هاتف: 06 61 17 30 39

مريم التايدي-الرباط

“سيزيدون من تعريتهم، ويزيدون من تفقيرهم.. القرض يضر أكثر مما ينفع.. لن أعيد التجربة مهما حصل”.. بهذه الخلاصة الجازمة، أجابت فاطمة القريشي (اسم مستعار) وهي تحكي -بتردد وخوف- قصتها مع الاستدانة عبر القروض الصغرى وعُسر السداد.

وبصوت مبحوح من ألم الذكرى التي لا تزال تتجرع مرارتها، قالت للجزيرة نت إن “القرض خرّب حياتي”.

باعت فاطمة -وهي واحدة من ضحايا كثر تستقبل جمعيات حماية المستهلك والجمعيات الحقوقية شكاياتهم باستمرار- أغراض بيتها، واستدانت بدل المرة أربعا، ولم تحسب حساب خدمة الدين، وكانت تقترض من جديد لتسدد أقساط القرض السابق.. أفلست تجارتها الصغيرة التي من أجلها استدانت، وتعرضت للإهانة والسب والشتم بلغت حد التعنيف واللجوء إلى القضاء.

جدل قديم يتجدد
أعاد قرار الحكومة المغربية رفع سقف القروض الممنوحة من جمعيات القروض الصغرى من 5 آلاف دولار إلى 15 ألفا، الجدل القديم حول القروض الصغيرة إلى الواجهة.

وبحسب الحكومة، جاء القرار استجابة لطلب قدمته جمعية المقاولات الصغيرة جدا (جمعية الشركات الصغيرة) بهدف تعزيز موارد المؤسسة الصغيرة الذاتية في ظل عدم قدرتها على الحصول على قروض من المصارف.

غير أن دراسة سابقة لجمعية “أطاك المغرب” (حقوقية اقتصادية) تحت عنوان “نظام القروض الصغرى بالمغرب.. فقراء يمولون أغنياء” أظهرت أن “مؤسسات القروض الصغرى تستغل حاجة وجهل زبائنها، إذ 57% منهم أميون وبدون تكوين علمي، وأكثر من 34% لا يزاولون أي مهنة”.

وخلصت الدراسة إلى أن القروض الصغرى أبعد ما تكون عن محاربة الفقر، وأنها “وسيلة جديدة للمتاجرة في فقر الفقراء”.

اعلان

فهل تساهم الإجراءات الجديدة في توسيع إمكانيات الحصول على الاقتراض لصالح الشركات الصغيرة التي تمثل حوالي 90% من النسيج الاقتصادي المغربي، أم تزيد من توسيع فرص الجمعيات والمؤسسات المموِّلة في الاستثمار في حاجة الفقراء، وترفع من أرباح استثمارات يُتوجه إليها من أجل تحويل جزء من موارد الفقراء عبر فرض معدلات فائدة مرتفعة؟

‪قرار الحكومة المغربية رفع سقف التمويل الممنوح من جمعيات القروض الصغرى أثار جدلا‬  قرار الحكومة المغربية رفع سقف التمويل الممنوح من جمعيات القروض الصغرى أثار جدلا (رويترز)

آلية للتمويل بوجه الإفلاس
يقول الخبير الاقتصادي نوفل الناصري للجزيرة نت إن “التمويل الصغير آلية عملية إيجابية من أجل تحقيق التقاء بين تنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة عبر إدخالها في النشاط الاقتصادي الوطني، بهدف الرفع من مؤهلاتها”.

ويستطرد الناصري أن تطبيق القروض الصغيرة عرف ارتباكا في كل العالم، بالنظر إلى ارتفاع نسب الفائدة، واعتماد عقود الإذعان، وتدني الخبرة المالية لدى الزبائن.

من جانبه يرى عبد الله الفركي رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة أن “إجراء رفع سقف القروض الصغرى إجراء مهم لفئة واسعة من الشركات عبر تأهيلها للحصول على التمويل”، موضحا أن جمعيته طالبت بالبديل عبر جمعيات القروض الصغرى لأن المصارف ترفض تمويل المشاريع الصغيرة.

وعلى عكس فاطمة التي تنصح بالابتعاد عن الاقتراض، يطمح عماد برادة (44 عاما) إلى الاستفادة من هذه الآلية.

ويحكي عماد للجزيرة نت “نحن المقاولين الصغار جدا يكون لدينا معاناة مع تأجيل الدفع، مما يضعنا في وضعية عدم تغطية التأخير، وفي حاجة إلى السيولة”. وأوضح -بأسف ظاهر- كيف أضاع صفقة بقيمة مئة ألف درهم (10 آلاف دولار) لعدم توفر السيولة النقدية.

وأشار إلى أنه لا يستطيع الحصول على تمويل بنكي لأن حجم مشروعه لا يستجيب للشروط، حيث يدير شركة صغيرة جدا في الدار البيضاء، يوظف فيها ثلاثة أفراد ويعمل في أدوات الوقاية الشخصية والبدنية (خوذ وقفازات الحماية وغيرها).

جرح لم يندمل
مل زال جرح الكثير من ضحايا القروض الصغرى في المغرب لم يلتئم بعد، إذ أدى العجز عن الأداء نتيجة فرط الاستدانة وتطبيق معدلات فائدة فاحشة؛ إلى ظهور حركة ضحايا القروض الصغرى عام 2011 في ورزازات، وما تبعها من مسيرات ومحاكمات في الجنوب الشرقي المغربي، والمسيرة العالمية للتضامن مع ضحايا القروض الصغرى.

في هذا السياق أكد رئيس جمعية حماية المستهلك (مدنية) بوعزة الخراطي في حديث للجزيرة نت، أن الجمعية تتلقى شكايات كثيرة تخص القروض الصغرى.

وأضاف الخراطي أن القروض تعرف مشكلا كبيرا في المغرب، معتبرا إياها “أكبر كارثة”، ورأى أن القروض الصغرى “ما هي إلا وسيلة لتفقير الفقراء وإغناء الأغنياء”، معتبرا قرار الحكومة رفع سقف الاقتراض قرارا سياسيا، وأنه سيستنزف جيوب المستهلكين.

بدوره يعتبر الاقتصادي نوفل الناصري أن القروض تورط المستهلك في خدمة الدين، مما يؤثر على الاستهلاك وبالتالي على الطلب الداخلي، مشيرا إلى أن الواقع ما زال يؤكد وجود حالات متضررة، وأن نسبة من المستفيدين يعلنون الإفلاس.

وأكد الناصري أن دراسات “النمذجة والمحاكاة” تظهر أن هناك إشكالات حقيقية في تطبيق القروض الصغيرة، وأن نسبة مرتفعة منها تحيل على الفقر، والمستفيد الأول منها هو المستثمر.