تصفية الحسابات مع الفن أخطر من “الدعم”

توزيع الأموال على الفنانين مشكلة تهم العلاقة بين الفنانين والوزارة المعنية بهذا التوزيع، لكن تصفية الحسابات مع الفن بمناسبة هذا الحدث أمر آخر…
لا يمكن السكوت عن بروز خطابات مسمومة ومشحونة إيديولوجيا تستهدف تشويه صورة الفن من خلال استغلال حدث توزيع الأموال على بعض الفنانين… من يريد الاحتجاج ضد هذه العملية فعليه أن يتحدث في حدودها، في مدى معقوليتها، في مدى خدمتها للفن والفنانين عموما الذين يعيشون وضعية ركود منذ ظهور الوباء إلى اليوم، عملهم الذي يرتبط بإحياء الحفلات والسهرات والأعراس أصبح في مهب الريح بعدما تم منع كل التظاهرات الفنية في إطار الحد من انتشار وباء كورونا، لهذا بات من الضروري تقديم مساعدات عينية لهذه الفئة من المهنيين الذين لا يتوفرون على أي بديل لتعويض العمل الذي منه يحصلون على موارد مالية لضمان عيشهم على مدار السنة.. لكن ينبغي أن يتم التوزيع بشكل ديمقراطي يتم فيه التوافق والتفاهم حتى لا تحتكر فئة محددة الدعم على حساب فئات عريضة من الفنانين المنسيين…
بهذا المعنى ينبغي للنقاش أن يظل منحصرا في سؤال توزيع مبالغ مالية جزافية على مجموعة من الفنانين وما مدى شرعية هذه العملية بالنسبة للقوانين المؤطرة لتوزيع مساعدات مالية أو غيرها على فئة من المواطنين المتضررين من جائحة ما أو كارثة طبيعية… لكن استغلال الفرصة للتهجم على الفن، وعلى الفنانين، وخاصة الفن الشعبي الذي يشكل جزء مهما من البنيان الوجداني والثقافي للمغاربة سواء كانوا مثقفين أو أطرا أو سياسيين أو متدينين أو مجرد أناس بسطاء أمرا آخر… ليس هناك شك في أن ميدان الفن الموسيقي والغناء الشعبي يعرف الكثير من الظواهر السلبية التي أفرزتها عوامل ذاتية وموضوعية متعددة، وهو إحدى العناصر التي ترتكز إليها أغلب الانتقادات التي انقضت على الحدث لمحو الفن الشعبي من الوجود باعتباره فنا “ساقطا”، “رخيصا”، “هابطا” إلى غير ذلك من التوصيفات السلبية التي تؤلب الرأي العام ضد كل ماهو فني عموما، وتقمع أي محاولة للدفاع عن الغناء الشعبي وأعلامه وكلماته بدعوى تشجيع الانحراف والفساد وما إلى ذلك من معاجم معروفة يتم اللجوء إليها لكسر ظهر الفن عموما وشيطنة أهله، وقمع كل من يتنطع للدفاع عنه وكأنه يدافع عن الخمر والنبيذ والجعة حتى ولو أن المغاربة يستهلكون 30 مليون لتر من الخمور سنويا، ومن يكون هؤلاء المستهلكون الذين يقضون فترات مهمة من حياتهم في ازدراد النبيذ والاستمتاع بأغاني العلوة وغيرها من القطع التي تطلب في كل الأعراس.. أليس في الأمر شبهة الفصام ؟ أليس هذا مدعاة للتفكير الجدي في الأحوال العقلية لهذه الفئة من المغاربة الذين يمارسون النشاط ليلا ويسبون أهله فجرا قبل أن يعود لهم رشدهم من أثر الشرب والدرديك…
هل أعراس المغاربة تمر دون موسيقى وأجواق، الذين يؤدون وصلات من كل الألوان، مغربي عصري، شرقي، أندلسي، أمازيغي، ثم شعبي مغربي الذي بمجرد الشروع في عزفه ينهض الجالسون إلى وسط قاعة الحفلات نساء ورجالا من أجل الرقص والتمايل مع أغاني “العيوط” وإيقاعاتها المغربية المتعددة… أليس العرس الساقط هو العرس الذي يخلو من جوق يتقن اللون الشعبي ويتوفر على صوت مغني يجيد أداء “العيوط” المغربية بكل تلاوينها لإشباع نهم المحتفلين ومنحهم فرصة إعادة اكتشاف أجسادهم المترهلة، تحريك مفاصلهم الملتهبة، وهز الأرداف بعد موسم جمود وركوض في روتين اليومي وهموم الحياة…الراقصات والراقصون من كل الفئات والأعمار من الطفل الصغير حتى الشيخ المسن، الجميع ينخرط في حمأة الرقص والمراقصة في شبه وصلة “كاطرسيس” أو حصة تطهير جسدية جماعية ينشطها الفن الشعبي في الأعراس والحفلات العامة والخاصة… من يموِّن إذن هذا النشاط “الساقط”، من ينادي على أصحابه، من يشغلهم، من يطلب منهم أغاني معينة تعتبر في العرف النهاري المتدين جدا” ساقطة’ ‘عاهرة” لكن في لحظة النشاط تصبح ضرورية لتحقيق لحظة” الكاترسيس” أو “النرفانا” بلغة اليوكا الصينية…’ او” الشخذة” بلغة أحل الحال والسلوان…
لهذا فانتقاد السياسية الثقافية لوزارة الثقافة شيء وسب الفنانين والفن الشعبي خصوصا شيء آخر، لأنه سب الذات وجلدها بمفردات العهر والسقوط والبعد عن العقل والأخلاق والمعقول وإنه لعمري أمر فيه نظر كبير وعميق، لكن الأصوات التي تنادي بتطوير الفن الشعبي وتأطيره ثقافيا وفكريا ، مع تطهير الساحة الفنية من الشوائب الزائدة التي شوهت فعلا هذا الفن واغتالت رمزيا أهله وصناعه الحقيقيين، تظل أصوات وأقلام محترمة لأنها ليست وليدة منطق الظرفية ولا تتفاعل مع الحملات العابرة التي تستغل كل فرصة لفصل المغاربة عن فنونهم وآدابهم، وبالتالي دفعهم للتبرؤ من أنفسهم ووجدانهم العميق قصد التماهي بنماذج فنية مستوردة من شرق بائد أو غرب تائه.. أما قضية توزيع مساعدات على بعض الفنانين فأمر يهم الفنانين كما توزع التعويضات على الموظفين ورؤسائهم الذين لا يلتفت الناس كثيرا للأموال الباهضة التي يستفيدون منها سنويا… من هؤلاء الفنانين من تنازل عن حصته احتراما لضغوط جمهوره، ومنهم من صمت، ومنهم من طالب بحقه من الكعكة، ونحن نقول أنه ينبغي الالتفات إلى الفنانين المنسيين بين الجبال والسهول، الذين لا يتوفرون على بطائق مهنية ولا على وسائط للاستفادة من أي دعم أو مساعدة وهم اليوم يعيشون فعلا أسوأ أيامهم وأقسى لحظات حياتهم، يشعرون أنهم أصبحوا عالة على أسرهم وعلى أصدقائهم ومعارفهم، وعن هؤلاء ينبغي البحث لمنح كل عملية دعم مادي شرعيتها الشعبية ومشروعيتها الوطنية…