اليحياوي: الدولة لا تملك مساحة سياسية لإسقاط الـ”PJD” في الانتخابات- حوار

يعتقد مصطفى اليحياوي، أستاذ الجغرافيا الانتخابية بكلية الآداب بالمحمدية، والخبير في تحليل الأنظمة الانتخابية، أن التوجهات الضمنية القائمة داخل حزب العدالة والتنمية بشأن تقليص مشاركته في الانتخابات المقبلة، تبرز واقعية سياسية ستبرر انفراجا سياسيا لا يؤشر على تقدم في مسار الانتقال إلى الديمقراطية البرلمانية المبنية على المنافسة الانتخابية، وإنما على تطبيع طوعي للبيجيدي مع آليات “الحكامة الانتخابية” التي أفرزتها ثقافة التوافق السياسي ما بعد حالة الاستثناء وإطلاق المسلسل الديمقراطي في 1976-1977 حيث حزب التجمع الوطني للأحرار آلية من آليات توازن القوى المبني على قاعدة “الهشاشة النافعة” التي اعتمدتها الدولة آنذاك في تدبير مسار الإصلاح السياسي.

 تدور المناقشات حول احتمال العودة إلى ثقافة التوافق في الانتخابات المرتقبة في 2021، عن طريق دفع حزب العدالة والتنمية إلى تقليص مقدرته الانتخابية.. في رأيك هل تدفعنا الأحداث الجارية إلى العودة لهذا النظام؟

في اعتقادي لا يمكن تحليل ما يطرح حاليا في النقاش العمومي بخصوص مستقبل العملية الانتخابية المقبلة بدون أن نمعن النظر في محتويات المذكرات الحزبية التي رفعتها الأحزاب لوزارة الداخلية في يوليوز الماضي، بخصوص التحضير القانوني والسياسي لمختلف الاستحقاقات المزمع تنظيمها في 2021. إن القاسم المشترك بين هذه المذكرات هو اعتبار الاستحقاقات رهانا لتحصين مكتسبات المسار الديمقراطي بالمغرب وما نصت عليه الوثيقة الدستورية لـ2011 من إصلاحات لبنيات الدولة ولحكامتها السياسية والإدارية. بهذا المعنى، فقد عبرت كل الأحزاب عن إيمانها بأهمية تلك الاستحقاقات في تعزيز مصداقية المؤسسات وتكريس الأدوار الدستورية للأحزاب باعتبارها مؤسسات للوساطة السياسية بين الدولة والمجتمع، أفرادا وجماعات. والحال أن هذا التصور لم يحمل جديدا في محتواه وفي شكليات تقديمه عما سبقه من مواقف ومن آراء حزبية في محطات انتخابية سابقة. بالرغم من أن السياق العام الذي ستجرى فيه استحقاقات 2021 يختلف تماما عما سبق سواء في محطة انتخابات 2011 أو في انتخابات 2015-2016، حيث الأزمة الحالية لا ترتبط فقط، بالصراع التاريخي الذي عرفه مسار الإصلاح السياسي بالمغرب، وإنما يتعداه لما هو أعمق، خاصة فيما يخص قدرة المؤسسات، بما فيها الدولة والأحزاب، على تحمل أعباء ومضاعفات الأزمة الصحية لكوفيد 19، وقدرتها أيضا على تقديم حلول مناسبة لفشل النخب السياسية والإدارية في نسج تصور مجتمعي يناسب طموحات جيل ما بعد التوافقات السياسية الكبرى لمرحلة الانفراج السياسي في تسعينيات القرن العشرين وما تلاها في بداية العهد الجديد.

نحن أمام واقع يتصور فيه الفاعلون الأساسيون حلولا بمراعاة “طقوس” و”عادات” و”مواضعات” اشتغال العقل السياسي “التقليدي” للدولة المركز على السلطة والحكم وعلاقة الأحزاب بهما، بينما فئة عريضة من المجتمع، خاصة الشباب، غير آبهة بجدوى تبئير الحلول على الصراع على السلطة. في اعتقادي، لقد وقع تحول مهم في مضمون الاحتجاجات الاجتماعية ما بعد الربيع الديمقراطي وما تلاه – تدريجيا- ابتداء من نهاية 2016 في الريف وجرادة، فقد انتقل من مطالب شعبية محلية قد تؤول عند الممارسين للسياسة على أنها مرتبطة -عضويا- بالتحليل الذي قامت عليه مطالب الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي لدى القوى الديمقراطية، خاصة الأحزاب الوطنية والحركة الحقوقية، إلى مضمون يدور حول نوع من “العدالة الاجتماعية” مقرون بمطالب فئوية وحقوقية اجتماعية واقتصادية ذات علاقة عضوية بـ”العدالة مجالية” وبـ”إعادة التوزيع الجغرافي للثروة” وبالتنمية الترابية المبينة على التحفيز على تثمين الثقة بمركزية الاشتغال السياسي للدولة. ومنه، فلم يعد هناك ترادف آلي بين مطالب “الشارع” وبين الأجندة السياسية للانتقال الديمقراطي لتلك القوى.

إذن، نحن أمام واقع مجتمعي لا يكترث بالسياسة بالمعنى وبالتصور الذي أطرته – تاريخيا- وثائق الإصلاح السياسي بالمغرب. وبالعودة إلى سؤالك، أقول إن ما قدمته الأحزاب من مقترحات، وما طرحته وزارة الداخلية في بداية اللقاءات التشاورية، لا يمس جوهر الأزمة التي تعانيها السياسة داخل مجتمع تبدي فيه فئة الشباب (أكثر من %60 من الفئة العمرية التي يحق لها التسجيل في اللوائح الانتخابية)– سوسيولوجيا- ممانعة نفسية وثقافية تلقائية لما يستطيع أن يقترحه “أهل السياسية” من اجتهادات تستقيم وما استندت عليه فكرة الإصلاح والسلطة والانتقال الديمقراطي بعيد حالة الاستثناء وانطلاق المسلسل الديمقراطي في 1976-1977.

 إلى أين إذن سيقودنا هذا التحليل؟ بعبارة أخرى: هل الظروف مناسبة للتخلص من البيجيدي أم أن عكس ذلك هو ما سوف يفرض نفسه؟

مؤدى هذا التحليل أن واقع وسياق انتخابات 2021 يفرض قراءة مختلفة تماما عن تلك المعتمدة في 2015-2016، حيث التحدي الوحيد الذي راهن عليه آنذاك عدد من الفرقاء الأساسيين في المشهد الحزبي، هو قطع الطريق على البيجيدي لكي لا يفوز بولاية تشريعية ثانية. ففي اعتقادي، الأمر لم يعد ممكنا في السياق الحالي الذي قدمت بعض ملامحه أعلاه، لأن البيجيدي، بغض النظر عن الموقف الإيديولوجي من أرضيته السياسية المحافظة، ومن التماس الواضح في اشتغاله الجماهري بين ما هو دعوي وبين ما هو سياسي، أصبحت الحاجة إليه ضرورية لتخفيف مخاطر النهاية الكارثية للسياسة الحزبية في المغرب. فهو ما يزال يعتبر الحزب الأكثر تنظيما الذي يحافظ على تأطير دوري في جغرافية القرب الاجتماعي، بالرغم من المصاعب التي تعترضه، سواء فيما يخص ارتياب السلطات الترابية من انتظام أنشطته الإشعاعية في أوساط اجتماعية مساعدة على توسيع قاعدته الانتخابية، أم على مستوى قدرته الذاتية في احتواء صراعاته الداخلية، وفي استقطاب فئات اجتماعية متنوعة، وفي تجديد نخبه وروافدها المهنية والاقتصادية والأكاديمية، وفي سرعة التأقلم مع مختلف الأحداث والوقائع التي تفرض عليه احتواء التوتر وتجنب كل صراع مفتوح مع الدولة.

زد على هذا، أن سياق الأزمة سيحتمل على الدولة واقعية سياسية ترغمها باعتماد البيجيدي أداة للتهدئة الاجتماعية. ولذلك، أعتقد أن أي اجتهاد سياسي أو قانوني يرنو التقليل من حظوظ فوز البيجيدي بمختلف الاستحقاقات المحلية والجهوية والتشريعية المقبلة، قد يؤدي إلى ركوب مغامرة غير محسوبة العواقب في مآلات استقرار المشهد السياسي بصفة عامة، والحزبي بصفة خاصة. إذ بالإضافة إلى عدم جاهزية أغلبية الأحزاب من غير البيجيدي، فإن الأزمة الصحية العالمية ومضاعفاتها الاقتصادية والاجتماعية، والسياق الإقليمي الجيو- سياسي المحيط بالمغرب، كلها عوامل ستحد من هامش المناورة الحسابية للآلة الانتخابية للدولة وللأحزاب الدائرة في فلك جناحها “المتحفظ”، على استمرار وجود البيجيدي في رئاسة الحكومة إلى ما بعد 2021.

  في رأيك إذن، لم يعد للدولة من مساحة سياسية كافية لإسقاط البيجيدي من حسابات المنافسة الانتخابية المقبلة؟ 

تماما، هذا ما تفرضه تطورات المشهد الحزبي الحالي. لقد كنت دائما أقول إن قوة البيجيدي في ضعف الأحزاب الأخرى، ولن يكون ممكنا في الوضع الحالي لأي حزب أن ينافسه على الصدارة إلا إذا ما تحققت ثلاثة شروط:

أولا، إذا ما جرى اعتماد تقطيع انتخابي يُجيز إمكانية عدم تبعية عدد المقاعد لحجم الأصوات المحصل عليها. وثانيا، إذا ما وقع تفاهم قبلي بين أحزاب بعينها على توزيع الأدوار في تغطية الدوائر الانتخابية وعدم المنافسة فيما بينها على نفس الكتلة الانتخابية، أي عدم تشتيت الأصوات “غير المسيسة”. وثالثا، إذا ما ارتفعت نسبة المشاركة في الدوائر ذات الكثافة العالية والمتوسطة في مكاتب التصويت المعروفة – تاريخيا- بضعف التأطير السياسي للمسجلين.

أعتقد أن هذه الشروط لا يمكن أن تتحقق مجتمعة، لأن الدولة والأحزاب المنافسة غير قادرة على التفاعل السريع والفعال مع واقع تحولات المزاج السياسي لفئات اجتماعية لم تعد تثق في جدوى المنافسة الانتخابية. لهذا كله، فإن التضحية بالبيجيدي في هذا السياق المتأزم على جميع الأصعدة، هو بمثابة خطوة سياسية غير محسوبة.

إننا في سياق يكاد يكرر مسار التناوب التوافقي الذي أسس له الحسن الثاني مع اليوسفي. فما أثارني في خطاب العرش الأخير، أن الملك أكد أن المقبل من مخلفات أزمة كوفيد 19 قاس ويستدعي التعبئة. هذا ما يمكن تأويله، في نظري، باحتمال انفراج سياسي يجعل من السنة المقبلة لحظة معاودة مسار الإصلاح السياسي الذي تأسست عليه بداية العهد الجديد. ففي اعتقادي إن واقعية هذا الخطاب يتجه نحو أفق استراتيجي لن يستغني فيه الملك على إرادته السياسية في الحسم بشأن مصداقية المسلسل الانتخابي. الأمر الذي يجعل البيجيدي أكثر اطمئنانا لورش التحضير للانتخابات المقبلة. بالجملة، الملك يهيئ لإقلاع جيل جديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تربط عضويا المسار الديمقراطي بمسار التنموي، وينتظر من الأحزاب تفاعلا إيجابيا وسريعا مع هذا التصور؛ علما بأن أشغال اللجنة الملكية المكلفة بتحيين النموذج التنموي تشرف على الانتهاء، ومن المتوقع جدا أن تمثل مخرجاتها أرضية لتصور مجتمعي يرهن مستقبل التصورات الاستراتيجية الكبرى للمغرب إلى ما بعد 2030.

 هل بفهم من هذا التحليل، أن مبادرة مصطفى الرميد بفتح نقاش داخلي حول التقليص الذاتي للبيجيدي لتغطيته الترابية للانتخابات المقبلة، تسير في هذا الاتجاه؟

أظن أن مقترح الرميد ليس بريئا، ولا يخلو من استباقية لتفادي ما وقع بعد انتخابات 2016 من أزمة حول تشكيل الأغلبية الحكومية برئاسة بنكيران. فنحن نتجه نحو التسليم بما سميته حينها بوجود شرط غير معلن عبارة عن عرف عابر للدساتير يلزم تسمية رئيس الحكومة الجديد من غير بنكيران. فباحتمال التقليص الذاتي أو باحتمال القبول باختيار رئيس الحكومة من الحزب الثاني، نتجه إلى توافق ضمني أو مباشر للبيجيدي والدولة على أن الحفاظ على “المسار السياسي” لتجربة الديمقراطية الانتخابية ما بعد الربيع الديمقراطي يعني فيما يعنيه التسليم بهذا الشرط. نحن أمام واقعية سياسية ستبرر انفراجا سياسيا لا يؤشر على تقدم في مسار الانتقال إلى الديمقراطية البرلمانية المبنية على، فقط وفقط، المنافسة الانتخابية، وإنما على تطبيع طوعي للبيجيدي مع آليات “الحكامة الانتخابية” التي أفرزتها ثقافة التوافق السياسي ما بعد حالة الاستثناء وإطلاق المسلسل الديمقراطي في 1976-1977، حيث الأحرار آلية من آليات توازن القوى المبني على قاعدة “الهشاشة النافعة” التي اعتمدتها الدولة آنذاك، في تدبير مسار الإصلاح السياسي. نحن، إذن، أمام براغماتية سياسية تعاود تجربة الماضي في الالتفاف على أمل الانتقال الديمقراطي المؤجل باستمرار بدواع لا تخرج في غالبيتها عما استأنس به الفاعلون السياسيون الأساسيون في تبرير الخوف من السقوط في الصراع مع الدولة أو في مغامرة استعجال الدخول في مسار ديمقراطي يحسم قواعد اشتغاله بناء على توجه واضح وثابت نحو تكريس ملكية برلمانية حيث تكون المنافسة الانتخابية الشفافة والنزيهة بين الأحزاب المدخل الوحيد لممارسة السلطة.

تبعا لذلك، اسمح لي أن أطرح سؤالا حول ما إذا قبلت الهيئات الداخلية للبيجيدي بإمكانية التوافق مع الدولة، وسار في هذا المسار بنكيران ومن يُحسبون عليه، فما هو الخيار الذي بإمكانه أن يحصن مكسب دورة الانتخابات التي جرت ما بعد اعتماد الوثيقة الدستورية لـ2011، أي احترام إرادة الناخب ومصداقية المنافسة الانتخابية؟

أعتقد أن مدونة الانتخابات الحالية تخول إمكانية التحالف الانتخابي، على شاكلة المرشح المشترك في انتخابات 1993، إذ بإمكان البيجيدي أن يقود تحالفا حزبيا من دون اتفاق قبلي على حتمية ترؤسه للحكومة إذا ما فاز التحالف بالانتخابات، وحينئذ وإن اضطر إلى تعديل اختيارات الفصل 47 من الدستور الحالي، فمغزاه السياسي لن يتغير، أي احترام إرادة الناخب؛ لأن الملك حينها سيختار رئيس الحكومة من أي حزب كان من التحالف المحتل للرتبة الأولى. فبهذه الصيغة يمكن التوفيق بين شرط احترام العرف العابر للدساتير الذي يجعل من البيجيدي “مارقا” غير أهل للثقة بالنسبة إلى الجناح المتحفظ عليه في الدولة العميقة وللأحزاب الدائرة في فلكه ممن تعتبره “حزبا أغلبيا” و”امتدادا إخوانيا” في المغرب، وبين تحصين المكسب السياسي الوحيد الذي صمد على المدى المتوسط فيما يخص مخرجات خيارات الربيع الديمقراطي.

بالجملة، إذا ما توفرت إرادة تحيين “الديمقراطية التوافقية” بما لا يضر مصداقية العملية الانتخابية، سنكون أمام خيار جاد لتأهيل المشهد الحزبي على أساس أقطاب حزبية تتنافس – انتخابيا- على أساس برامج مبنية على أرضيات مشتركة. وبهذه الطريقة سنكون أمام فرصة حقيقية للتغلب على وهن غالبية الأحزاب، وضعف إشعاعها المجتمعي وتراجعها التنظيمي والفكري والشعبي. وقد نكون أيضا أمام فرصة تشكل “كتلة تاريخية” قادرة على تطوير أرضية سياسية مشتركة حول التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المناسب لمعطيات مجتمع يتحول بإيقاع يصعب احتواؤه بمقدمات وتصورات تقليدية.

وملاءمة لمقاربة عابد الجابري لطبيعة هذه الكتلة مع حيثيات الواقع الراهن، فإن الأمل في تشكلها لن يتحقق، في رأيي، إلا إذا ما انطلقت مفكرتها الأساسية من متغيرات علاقة الفرد بالسلطة وبالمؤسسات، وأخذت بعين الاعتبار جميع أبعادها وتمظهراتها، سواء فيما يتعلق بالإقبال الملحوظ لعموم المواطنات والمواطنين على الحريات والحقوق، أو فيما يتعلق ببروز نخب “عصرية” منها و”محافظة” جديدة، الأقليات منها والأغلبيات، أو فيما يخص تزايد انتظارات الفئات الاجتماعية، إن على مستوى العدالة الاجتماعية، وإن على مستوى الحقوق الفئوية والتنمية المجالية، أو في ما يتعلق بتمدد مساحات التدين في صفوف المصلين وغير المصلين، أو فيما يخص تنوع الشبكات الاجتماعية لدى عموم الناس مرئية كانت، أم غير مرئية مما ينشط في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي على الأنترنت.

 ما تبعات هذا التوافق على استقرار التنظيم بالنسبة إلى البيجيدي؟ 

قبل الجواب عن هذا التساؤل، أريد أن أنبه، أن هذا الخيار قد لا تقبل بطرحه حاليا الدولة، لأن اعتماده يعني التوقيف المؤقت للقاءات التشاورية الجارية حاليا حول الإعداد التقني والمسطري للانتخابات المقبلة، والبدء في استشارات سياسية تعرض في جدول أعمالها بوضوح نقطة بلورة رؤية سياسية جامعة لكل الفرقاء حول معالجة بنيوية استباقية وجدية لمخاطر العزوف الانتخابي وعدم جاهزية معظم الأحزاب للمنافسة الانتخابية. أعتقد أن الشروط الموضوعية لهذه المشاورات لم تنضج بعد، كما أن الوضعية العامة حاليا لا تسمح بذلك.

بالعودة إلى سؤالك، أظن أنه لكي ينجح هذا التصور، فإن البيجيدي سيكون مرغما على إعمال خيار “التقليص الذاتي” وتعبئة قاعدته الانتخابية لصالح مرشح من التحالف محسوب على حزب آخر في إطار لائحة مختلطة، وهو ما سيؤدي إلى بروز خلافات يصعب معها ترضية مرشحي البيجيدي غير المرتبين في رأس اللوائح أو في منزلة تزيد من حظوظ الحصول على مقعد أكبر البقية إذا ما اعتمدت قاعدة العتبة.

وعليه، فمن المحتمل أن يؤدي هذا القرار المركزي إلى موجة من الغضب والرفض داخل مجموعة من هيئاته الترابية، خاصة في المدن الكبرى والمتوسطة. فأي اتفاق في هذا الشأن ستكون له خسائر معنوية ستحد من حماس وانخراط القيادات المحلية، علما بأن إدارة البيجيدي لمجموعة من المجالس الجماعية قد أفرزت طموحات سياسية لقيادات صاعدة في القرب الاجتماعي.

من جانب آخر، فإنه من المتوقع أن يضيق اعتماد صيغة التحالف الانتخابي من هامش قدرة البيجيدي على الحفاظ على المنحى التطوري الدوري في عدد المقاعد المحصل عليها في اللوائح المحلية، حيث سيكون من المستبعد أن يتمكن من الحفاظ على ما بين 30 و25 في المائة من العدد المحصل عليه في الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2016.

بالمحصلة، سنصل إلى ما اعتبرته سابقا قاعدة حاسمة في تاريخ الإصلاح السياسي في المغرب، أي “الهشاشة النافعة – Vulnérabilité utile”، حيث إن خيار التحالف الانتخابي سيحتم على البيجيدي القبول بتقليص عدد مقاعده الانتخابية، ومواجهة ما سينتج عن ذلك من أضرار على مستوى استقرار بنيته التنظيمية وحيوية هياكله الترابية، وقد يؤدي ذلك أيضا إلى إضعافه ببروز النزعة الانفصالية عند بعض قياداته الرافضة لمخرجات التوافق مع الدولة؛ فنكون حينئذ أمام ظاهرة الانشطارية التي انتهت إليها دورة حياة الأحزاب المغربية التي بلغت مستوى من القوة التنظيمية، ومن القدرة على التعبئة الجماهيرية.