طمس بصمة المكان .. المغرب يتحول إلى “ديكور” للسينما العالمية

طمس بصمة المكان .. المغرب يتحول إلى "ديكور" للسينما العالمية

تتحرك عين الكاميرا على جدار مشقق غامق قبل أن تلج البطلة الكادر بقصّة شعرها العصرية كي تُتابع سيْرها في زقاق ضيق (في فيلم The old Guard” 2020″ من إخراج الأميركية جينا برانس بيتوود)، تهيمن الصّفرة على المكان في لقطات تجري في أزقة خلفية، دروب مترَبة ومشاهدُ أطفال من القرون الوسطى… حسب الفيلم تتحرك المخابرات الأمريكية بأريّحية بين مراكش وجنوب السودان، لا حدود ولا حواجز.

مثال آخر: يبدأ الفيلم الاسباني (“ADU” (2020) للمخرج سالفادور كالفو) بنزاع على سياج يفصل بين الجنة والجحيم. سياج شوكي عال مكهرب يفصل بين مكانين، بين المغرب ومدينة مليلية المحتلة منذ خمسة قرون. على السياج مهاجرون أفارقة عالقون… هنا وقعت المصيبة الأولى… نزاع على حدود أرض جاذبة وأرض نابذة. خطوط الفصل هي نفسها خطوط التماس شمال المغرب. في الفيلم هناك أب غامض وشابة مندفعة تتفلسف بما يفوق عمرها… فيلم فيه خطوط كثيرة يغطي بعضها بعضا بدلا من أن يوضّح بعضها البعض.

فيلم عن الأطفال الذين يعبرون غرب أفريقيا كاملا على الأقدام ليصلوا إلى سياجات مليلية. الهجرة والنزوح على أشدهما. في 2017، غادر 70 مليون شخص منازلهم، نصفهم أطفال… مهاجرون أفارقة قطعوا الصحراء ودخلوا المغرب يحاولون اقتحام سياجات مدينة مليلية المحتلة للوصول إلى إسبانيا.

في بطن السياج منازل واسعة مضاءة، وفي واجهته خيام بلاستيكية في غابة تعج بأفارقة جياع ينهش القر أجسامهم، يمرضون، فتعالجهم طبيبة إسبانية، بينما لا يظهر للمغاربة أثر في بلدهم. حتى حين يتجه بطلا الفيلم إلى الشاطئ ليسبحا إلى الضفة الأخرى، لا أثر للمغاربة.

من خلال الفيلمين، كيف يبدو المغرب كفضاء لمخرج إسباني ومخرجة أمريكية؟

يبدو فضاء مقفرا من أصحابه.

في الفيلم الأمريكي مقاتلون خارقون تجمعهم أخوة الدم مثل “فرسان هيكل” العصر الحديث. أبطال عابرون للزمكان، ينطلقون من مراكش إلى أفغانستان للتعامل مع نساء عسكريات من المارينز يحرّرن نساء من المتشددين… جندية تسعف متشددا فيقتلها لكي لا تلمسه. إن كان هناك ما سيتبقى في الذاكرة من الفيلم الأمريكي فهو أن المغرب قد كان مهدا لميلاد أول بطلة سوداء خارقة في السينما، مناضلة نسوية اسمها نيل فريمان.

في مراكش، مكياج البطلة لا يتأثر لا بطقس ولا بغبار جنوب المغرب، تتصرف البطلة بحرية لا يضمنها المكان… تشرب العصير في ساحة “جامع الفنا” قلب مراكش وهي تقرأ جريدة “نيويورك تايمز”… لا صلة فعلية بين الشخصيات والمكان.

بالنسبة للإسباني، فالمغرب يتلخص في الحشيش والمهاجرين السّريين. بجانب السياج يشرح ضابط إسباني لزميله الرسالة التي يحملها هذا السياج إلى الأفارقة: “ابقوا في بلدانكم وحلوا مشاكلكم”. يطرح الفيلم نظرة من الضفة الشمالية: “في إفريقيا يهاجر الدكاترة والممرضون والأساتذة، فمن سيحل المشاكل؟”.

لا أحد. والحل؟ السياج.

السياج هو عتبة (Seuil) مكانية وزمنية. عتبة تؤكد “لا بد أن أفريقيا بحاجة إلى المعجزات لتنتصر على مشاكلها”.

المكان عنصر من المثلث الذي وضعه أرسطو لقوانين الحكي: “وحدة الحدث والمكان والزمن”. وقد نبعت حبكة الكثير من الأفلام المصرية من الفضاء المغلق للحارة، من زقاق ضيق بلا مَخرج، هذه هي طوبوغرافية المكان الذي يتحرك فيه البطل… وحتى حين يرحل البطل عن الحارة إلى أمكنة راقية، فهو يظل يحمل وشم المكان الذي جاء منه، وقد يُعيّر به.

يمكن تفسير نفسيات ومصائر الشخصيات بالأماكن التي جاءت منها. وحسب موسوعة “لالاند”، فـ”قاعدة السياق هي القاعدة الأساسية في التأويل والتفسير” (ص 219)، والسياق هو الزمان والمكان. في الفيلمين الإسباني والأمريكي يظهر المكان المغربي باهتا، حين تمضي سيارة الإسباني في طريق طويل لا تمر بجانبها سوى سيارات مغربية عمرها ثلاثون سنة. عندما صور كلينت إيستوود فيلمه “القناص” (2014) في المغرب بينما الأحداث تَجري في الفلوجة بالعراق، بدا التشابه المكاني غريبا. حينها تساءل معلقون مغاربة كيف تدل بعض الأحياء المغربية على مشاهد واقع عراقي رغم أن المغرب لم يعش أية حرب منذ أكثر من قرن.

ماذا سيستنتج المتفرج حين يرى تصوير المباني المخربة والسيارات القديمة والأمكنة المتهالكة؟

في فيلم “The old Guard”، تنتقل البطلة الأمريكية من فندقها إلى حي شعبي مترب مزدحم… تتحرك بين مكان مرفّه ومكان بئيس، تقع مطاردات بلا حسيب ولا رقيب كأن الشوارع خلاء والمغاربة لا وجود لهم… في الدقيقة الرابعة تلتقط شابة مغربية صورة لصديقتها بواسطة هاتفها، تدرك البطلة الأمريكية أنها تظهر في خلفية الصورة، تقترح على الشابة أن تلتقط لها صورة أفضل. تمسك الهاتف وتمسح الصورة التي تظهر فيها.

تأكيدا للمحو، يتم استخدام موسيقى تصويرية مرتفعة لطمس كل الأصوات التي تنبعث من المكان… هذا التوجه للتغييب راسخ منذ فيلم “كازابلانكا” (1942) إخراج ميكائيل كورتيز. الفيلم الدعائي الذي قدم إشهارا كبيرا للمدينة لم يصوّر فيها أصلا.

شخصيا سكنتُ كازابلانكا منذ ست سنوات، هنا الزحام والضجيج والإيقاع المرتفع. لقد أثر ذلك على تفكيري في النظرة إلى الأفلام وفي الجمل التي أكتب بها، صارت جملا أقصر وأكثر حدة. يؤثر تغيير الأمكنة على الكتابة، يجعلها مختلفة.

لكن في الأفلام التي تصور في المغرب، نادرا ما يظهر البلد على حقيقته، واضح أن المغرب إذن مجرد معبر أصم لمهاجرين ومقاتلين. لكن المكان في السينما ليس مجرد جغرافيا صماء، بل قد يكون مكان الميلاد كارثة للبعض وفرصة للبعض الآخر، فرصة لا توفرها أماكن أخرى.

في مراكش، يتعلم السائح في أسبوع الكثير من السلوكات من تفاعله في المكان… يستخدم كلمات، يشتري ديكورات. يبدو أن السيناريست يكتب الشخصية من موقعه في أمريكا أو إسبانيا، لذا لا تظهر له الشخصية مشتبكة مع الفضاء المغربي الذي تصوّر فيه.

حين يتم تغييب المكان وأثره تتراجع المردودية الصدقية للسرد، وهذا يقلص فرص المتفرج في تأويل ما يرى. يبدو أن الغاية من تغييب بصمة المكان المحلي هي منح الفيلم أفقا عالميا، أو الاستجابة لفكرة مسبقة بأن المغرب لم يخرج بعد من العصور الوسطى.

هذا الواقع المُهيمن يفرض على الأفلام المغربية أن تعمل بجدّ على إبراز عبقرية المكان الذي نبتت فيه.