الإعلام المغربي في مواجهة كورونا: ارتباك اللحظة

الدار البيضاء   أشرف الحساني
حالة غريبة حقاً بات يعيشها الإعلام المغربي هذه الأيام، بعد توقف الجرائد والمجلات الورقية، منذ فرض يوميات الحجر الصحي وحظر التجول داخل البلد، والذي تم تمديده قبل أيام بقرار من الدولة إلى 20 مايو/أيار على حدود الساعة السادسة مساء. وهو قرار كان مُنتظراً من لدن المجتمع المغربي وأفراده، بسبب ارتفاع وتيرة المصابين بفيروس كورونا في مدن مغربية مختلفة، حصلت من خلالها جهة الدارالبيضاء – سطات على نصيب الأسد من المصابين وحالات أعلى من الوفيات، وأيضاً للذين تماثلوا إلى الشفاء أو حتى الذين تم استبعادهم بعد تأكدهم من لدن المختبرات من عدم إصابتهم بفيروس كورونا المُستجد. ما خلق نقاشاً واسعاً في صفوف المغاربة على صفحات التواصل الاجتماعي، يشترك فيه المثقف والإعلامي مع مواطنين، كلٌ يدلي بدلوه في الموضوع، حتى وجد الإعلامي نفسه في مواجهة “عدوَّيْن”. الأول هو فيروس كورونا الذي يحرص الإعلاميون بشكل يومي على توعية الناس بشأنه من خلال فيديوهات ومقالات وتعليقات سجالية، لا تخرج في مُجملها عن الطابع التحسيسي لحث الناس على المكوث في منازلهم والخضوع والامتثال لتعليمات وزارة الصحة والداخلية، عبر مجموعة من القرارات التي صدرت في الأسابيع القليلة الماضية. والثاني يتعلق بصعوبة إقناع بعض المواطنين الذين يخرقون يوميات الحجر الصحي، مما يُعرضهم وعائلاتهم للإصابة بالفيروس، مع العلم أنهم يُدركون هول وخطورة الأمر على أجسادهم؛ ما يجعل من الإعلامي يخرج أحياناً من وظيفته في تحليل معطيات الأحداث إلى فضاء العمل التحسيسي، ويواجه صعوبات جمة في محاولة إقناع المواطن المغربي، بعدم الخرق. كل هذا جعل خِطاب الإعلامي ينحو صوب الشعبوية واتخاذه من لغة الكلام المحكي وسيلة للتواصل مع الناس وتوعيتهم حول خطر الجائحة. بمعنى آخر، إن الخطاب نزل أكثر من علميته، حين أدرك الإعلامي أنه لا يُساير يوميات الحدث و”تعاليه” أحياناً على مخيّلة الشعب على حدّ تعبير الناس، من حيث اللغة الواصفة والحصيفة المُتتبعة لمجريات الجائحة.
كما أدرك الجهاز الإعلامي الرسمي في زمن كورونا أن المدونين يتفوقون عليه في سرعة التقاط الحدث والتعبير عنه بطلاقة دون الخضوع إلى رقابة المؤسسة الرسمية التي ينتمي اليها. وهذا الأمر يتشاركه جهاز الإعلام المرئي منه والمكتوب، بنفس الحرقة والخطاب التوعوي والتعليقات اليومية المباشرة على قرارات السلطة حول الصحة والتعليم والمساعدات الاجتماعية ونتائج الفحص المخبري، ما أسفر عن دخول الإعلام في دوامة يومية، جعلته يخضع منابره للجري واللهاث وراء الخبر، لكن دون أيّ تمحيص أو مساءلة لمصدره والأهم جعله يتنزل داخل ميزان النقد وتفكيك آلياته ومراجعه ومدى تأثيره على أفراد المجتمع. هذا إضافة إلى التصدع الذي حصل جراء توازي خطابه مع خطاب المدونين الذين يلتقطون أحياناً تفاصيل دقيقة وحيّة ومُشاهدات يومية وتعليقات حصرية عن صُور وفيديوهات خاصة بجائحة كورونا. بل إن البعض أبان عن قدرته واستعداده لخوض غمار الحديث والنقاش الجاد مع الجهاز الإعلامي، بمختلف مكوناته وأنواعه حول الوضعية الصحية التي يمر بها البلد، مما خلق ارتباكاً وارتجاجاً في طبيعة العمل اليومي للإعلامي، نظراً لكونه وَجَدَ نفسه في صراع دائم مع المعلومة وإمكانية تلقفها من أفواه السلطة، قبل أيّ مدون آخر، لنصطدم في النهاية إلى نوع من المقالات المتكررة، التي حلت محلها سُلطة البداهة والاجترار، مقصياً دور الفكر والنقد ومعاينة الوضعية، بلغة العلم والعقل وفحص الوضعية ومقارنتها مع دول أجنبية أخرى، لأن وظيفته تتجاوز أحياناً التقاط الخبر في آنيته ونشره لعموم الناس إلى مرحلة أخرى يُصبح فيها الصحافي، ذا أهمية كبرى في نقد المزاعم والادعاءات التي تتسرب من حين لآخر، بل وفي قدرته على خلق نقاش حقيقي وعلمي يحث من خلاله الأطراف المعنية على تحليل المعطيات الرسمية والتدقيق في صحة معلوماتها، قبل نشرها وتداولها أحياناً بالخطأ من لدن المواطنين داخل وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما جعل الدولة تتدخل لمعاقبة المروجين للإشاعات على صفحاتهم.

لذلك فإن أغلب ما يُكتب اليوم هو مجرد مقالات خبرية، وليست مقالات رأي أو نقد أو حتى تحليل دقيق لبعض خصوصيات الجائحة، باستثناء أقلام قليلة جداً حرصت على لغة العلم والمعرفة، من خلال مقارنة الحالة التي طاولت البلد ببعض الدول العربية الأخرى، وكيف أن هذه الأخيرة بدأت تجد حلولاً قيّمة في تجاوز المحنة. في حين لجأت بعض الجرائد المغربية صوب خطوات ذكية، عبر استضافة أعلام ثقافية وفكرية وإجراء مقابلات أسبوعية معها، ما سيساهم لا محالة في خلق نقاش داخل صفوف المثقفين والإعلاميين، ليس بالطريقة التي ستُمكننا من احتواء الجائحة فقط، وإنما التفكير في جراح المرحلة وأسئلتها القلقة حول مستقبل الصحة والتعليم والإعلام في المغرب. وهو ما سيساعد الجهاز الإعلامي على عدم التقيّد بالهاجس التحسيسي الذي من الممكن أن تزاوله بعض جمعيات المجتمع المدني، كما سيساهم في تحرير كتابته وجعلها ذات خطاب فعّال مبني على المعرفة والتحليل والنقد وليس على نقل الخبر والمعلومة.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوات تظل محصورة ومعدودة على رؤوس أصابع اليد الواحدة، وتختفي قيمتها أمام الركام المخيف من الأخبار والمعلومات التي تظهر بوتيرة سريعة. ونظراً إلى تلاشي وغياب الخطاب المكتوب المتأمل في وضعية الجائحة، بدأت تتضخم سُلطة الإعلام المرئي “التوعوي”. صحيح أنه لا يُمكن إنكار قيمته وتأثيره الكبير على المواطن، لكن ظهور “شخصيات” بين الفينة والأخرى على صفحات التواصل الاجتماعي من خلال فيديوهات وصُور، يعكّر من مزاج وطبيعة العمل اليومي لدى الإعلامي ويجعل مهنته ذات ارتباك واضح. وفي صراع دائم مع هذه الأشباح التي تتخذ من الرأسمال الديني مُنطلقاً للنقاش، في الوقت الذي يتبدى للدولة يومياً حجم التضحيات الجسيمة المقدمة من لدن الإعلامي والطبيب والمعلم وسواهم، عوض نجوم الترفيه والفقهاء الذين يستنزفون أموالاً طائلة من الوطن، بلا أيّ شيء يُحسب أو منفعة تُذكر.